محمد هنيد

محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي

 

مشهدان يميزان صيف الأمة الساخن اليوم ويرتبطان عضويا بحالة الصحوة الثورية التي اكتشفتها الجماهير العربية بعد قرون من الوعي الجمعي المكبَّل صبيحة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في الريف التونسي الفقير.

لا يمكن تحليليا فصل المشهدين حين تتأمل واقع العرب اليوم قراءة وتحليلا وتأويلا لما لازم الحدثين المرتبطين بالمشهدين من تناظر دقيق في نشأتهما وتطورهما مسارا واتجاها.

المشهد الأول تترجمه حركة الملايين الهادرة في شوارع القاهرة وكل نجوع مصر ومُدنها تنديدا بالانقلاب العسكري الدامي على ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، واستنكارا لخطف عصابة الانقلابيين رئيسا منتخبا في وضح النهار في تواطؤ إعلامي فاضح ودعم استعماري عالمي لا يخفَى.

المشهد الثاني جرائم بشعة تستهدف الثورة الوليدة في تونس اقترفتها نفس يد الغدر التي تريد لهذا الربيع العربي أن يستحيل قسرا ليالي صقيع قاتل.

حركة الانقلاب التونسي تفضحها تسارع تحركات الداخل والخارج لملاحقة النسق المصري وإلحاق ربيع تونس بالمشهد المعطل في مصر

جرائم تونس بدأت برصاصات غادرة أصابت نائب المجلس التأسيسي التونسي محمد البراهمي، وكمين على الحدود الجزائرية أودى بحياة عشرة من خيرة جنود تونس في زمن قياسي لا يكاد يفصل بين المشهدين.

الزمان والمكان على غاية الأهمية إن لم نقل دون مبالغة إنهما مفتاحا اللغز كله.

الزمان الخاص في الجريمة السياسية يوافق عيد الجمهورية التونسية في رسالة واضحة للهدف من العملية كلها، أما الزمان العام فأوجُ الثورة المضادة في منطقة الربيع العربي وقد حققت ما حققت في مصر من انقلاب فاضح على الشرعية وتآمر علني على إرادة الأمة.

مكان الجريمة الأبشعِ في تونس منطقة "جبال الشعانبي" حيث تتحصّن مجموعات إجرامية غامضة الانتماء والتمويل تهدِّد الدولة والمجتمع والثورة وتخدم برامج استخبارية خارجية بيِّنة.

المنظر التونسي المصري منظرٌ واحد بمشهديه لِما كان من تلازم الثورتين قادحا أصيلا للتغيير في المنطقة العربية، إنهما بدون منازع الموجة الأولى للمدّ العربي من أجل حرية المجموعة وكرامة الفرد.

مسار الانقلاب في تونس
تلازم الثورتين التونسية والمصرية نشأة يجعل من الخطأ التحليلي الفصل بينها مسارا وتجددا وكذا بقية الثورات.

المسار في مصر انقلابي بامتياز، وهو في تونس كذلك وإن لم يُتِمَّ حركتَه الأخيرة التي أنجزها في مصر عندما أعلن العسكر في يوليو/تموز الفارط عن انتهاء "الفسحة الثورية" والعودة إلى المربع الأول إلى ما قبل 25 يناير/كانون الثاني 2011 بقناع تصحيحي جديد، وتقنية استخبارية طبخت على نار هادئة في دول الأقاليم المجاورة حيث مراتعُ أحصنة طروادة لا حدود لها.

حركة الانقلاب التونسي تفضحها تسارع تحركات الداخل والخارج لملاحقة النسق المصري وإلحاق ربيع تونس بالمشهد المعطل في مصر.

ففي الداخل اتحدت كل القوى السياسية وغير السياسية من نقابات العمال والأعراف من رجال أعمال منظومة النهب والفساد، ولكم أن تتصوروا نقابات العمال والأعراف في صف واحد إلى جانب النُّخب التي أنتجتها ثقافة الاستبداد من أجل إسقاط الحاكم المنتخَب والعودة إلى نقطة البداية في خطاب يُخفي صراعا غير معلن على السلطة تحركه مراكز قرار عالمية قررت الإجهاز على الربيع العربي مستفيدة من الحرائق التي صنعها أعوانها في الداخل.

استغلت قوى الثورة المضادة إذن كل الأخطاء التي ارتكبها الحاكم بعد الثورة وكان للأحزاب المحافظة -الإسلامية في الخطاب السائد- النصيب الأوفر من حملة الشيطنة المنظمة مستثمرة في ذلك رصيدا ضخما من التنفير استقر في المخيال الجماعي العالمي حيث ربط الإعلام الاستعماري ربطا محكما بين مكون العنف والإرهاب من ناحية والعرب المسلمين من ناحية أخرى حتى اقتصر العنف والإرهاب عليهم دون غيرهم من الأمم.

كانت قاصمة الظهر في تونس للأحزاب الحاكمة تنكرها للمد الثوري ولمطالب الجماهير المنتفضة بالقصاص والمحاسبة الفورية، فتصالحت في خيانة واضحة لمبادئ الثورة مع جلادي الأمس وتساهلت معهم

وهي شيطنة لا تبرئ الحاكم المنتخَب من أخطاء قاتلة ناجمة عن قراءة مسطحة للواقع، وإغفال لطبيعة الصراع ولطبائع العدو وقدراته الوظيفية.

بدأت بوادر الانقلاب تظهر إلى السطح مع تواتر غير مسبوق للاضطرابات والاعتصامات والدفع المعلن للدولة نحو الشلل التام والإفلاس من أجل الإجهاز على كل إمكانية للشروع في البناء قد تمتص بعض السخط الشعبي المتصاعد بسبب استهداف القدرة الشرائية للمواطن وخدماته الحياتية اليومية عصبا لتأجيج الغضب الشعبي الملتهب أصلا قبل الثورة.

كانت قاصمة الظهر في تونس للأحزاب الحاكمة تنكرها للمد الثوري ولمطالب الجماهير المنتفضة بالقصاص والمحاسبة الفورية، فتصالحت في خيانة واضحة لمبادئ الثورة مع جلادي الأمس وتساهلت معهم بل وتركت لهم نصيبا من السلطة ومن الإعلام.

كانت تظن أن في مهادنة الاستبداد ربحا للوقت وخطوة نحو التمكين، فما كان من الدولة العميقة إلا أن استعادت عافيتها وتصلب عودها، وهاهي تطالب برحيل المنتخَب جملة وتصفية كل المنجَز الثوري رأسا.

إثر ذلك كرست الدولة العميقة الحرائق الاجتماعية المفتعلة يقودها اتحاد النقابات العمالية برؤوسه اليسارية المتطرفة وحلفائهم من عتاة الاستئصاليين، وقد كانت هذه القيادات حتى هروب الرئيس التونسي الحليفَ الأبرز للنظام البوليسي القائم وجزءا لا يتجزأ من هيكل الاستبداد نفسه.

ثم تحالف مع هذه القاعدة الضخمة آلة بن علي الإعلامية التي رسخ قواعدها بنفسه وحدَّد شروط الانتماء إليها، فأوغلت في شيطنة الثورة والشباب الثائر وجاهرت ببث الفوضى والدعوة العلنية إلى العصيان.

فباسم حرية التعبير واستنادا على المراكز الوظيفية الحية في الدولة العميقة ساير إعلام تونس شقيقه المصري سليل نظام مبارك في استنساخ خطاب الاستبداد بعد أن شمله عفو سياسي غير معلن من طرف الحاكم المنتخب، وتواطؤ صامت من أحزاب المعارضة المزيفة.

فلم تثنه عن جرائمه مشاعر السخط والنقمة الشعبية العارمة لخيانته قيم مجتمعه وثوابت هويته ودماء شهدائه وثورته بل والتحالف العلني مع أعداء الوطن في الداخل والخارج، فاستحق بذلك دون منازع وعن كفاءة عالية لقب "إعلام العار" الذي منحه إياه شباب الثورة في تونس.

ثالثة الأثافي في المسار الانقلابي والتي ما كان لأي نظام استبدادي في التاريخ العربي أن يقوم دون تطويعها مُمثِّلة رُكن الفساد الركين منظومة القضاء وقد تحول زمن الوكالتين الأولى 1987-1956 والثانية 1987-2010 إلى العصا الضاربة والمشرِّعة لكل أنواع الظلم والقهر والنهب المنظم، تعضدها ذراع بوليسية من فولاذ فكّكت كل خلايا الوعي الاجتماعي الحية وأقامت محاكم تفتيش لكل رأي مخالف للوعي السائد مؤكدة أن "الظلم أساس خراب العمران".

مسار الانقلاب هذا وهو يعيد ألق الدولة العميقة بكل امتداداتها الداخلية وخطوط إمدادها الخارجية، ويُحيي الاستبداد فيبعثه كالعنقاء من تحت الرماد، واحد في الحالتين المصرية والتونسية.

واهمٌ من يعتقد بناء على ما ذكرنا أنه انقلاب يستهدف الإخوان هنا أو النهضة هناك مثلما يستميت الانقلابيون في التأكيد على ذلك، إنه عداء أصيل متأصل لكل مشروع حضاري قد يستدعي من المنوال الإسلامي العريق ولو بعض عناصر القوة الباعثة لخلايا تجديد وعي الإنسان العربي بنفسه بتراثه وبحاضِنته الثقافية وبالعالم.
ساير إعلام تونس شقيقه المصري سليل نظام مبارك في استنساخ خطاب الاستبداد بعد أن شمله عفو سياسي غير معلن من طرف الحاكم المنتخب، وتواطؤ صامت من أحزاب المعارضة المزيفة

إنه عداء وجودي لمنع أن ينتصب التراث العربي الأصيل بمحوره الإسلامي العلمي الضارب، وتفريعاته المعرفية غير المتناهية أساسا للخروج من مراتع العبودية عبودية الأنا قبل عبودية الآخر.

الجريمة السياسية والتغيير السياسي
ليست الجريمة السياسية غاية في حد ذاتها يقف مداها عند إنجازها مثل غيرها من الجرائم المدنية، بقدر ما هي قادح لحركة أخرى، ومثير لفعل آخر يتجاوزها في الزمن وفي الأثر وفي المدى، فزمنها يبدأ بعد إنجازها لا معها ولا قبلها.

أما أثر الجريمة السياسية الأساسي فهو خلق إحساس مباشر وقوي بالصدمة كردة فعل فورية عليه تؤسّس بقية الأهداف المطلوبة من عملية الاغتيال كما خططت لذلك غرفة العمليات المكلفة بإنجار المهمة.

أما مدى الجريمة السياسية فغير محدود، وقد يكون الحركة الأخيرة في مسلسل حركي متكامل ينقصه المشهد الأخير، مثل اغتيال ولي عهد النمسا فرنسوا فاردينان وزوجته (28 يونيو/حزيران 1914) قادحا للحرب العالمية الأولى التي كانت قد بدأت فعلا، لكن كان ينقصها المشهد الأخير، وهو النموذج الذي كان ينتظره الانقلابيون في تونس غداة اغتيال شكري بالعيد في محاولة أولى ومحمد البراهمي في محاولة ثانية.

وهو المنوال نفسه الذي نجده في اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق ( 14 فبراير/شباط 2005) من أجل تغيير الحضور السوري في لبنان.

الجريمة التونسية ليست تصفية جسدية تستهدف إزاحة شخصية ما وإخراجها من المشهد جملة لأنها تربك مشروعا هنا، أو تعطل خططا معينة هناك مثل اغتيال فرحات حشاد الزعيم النقابي التونسي (5 ديسمبر/كانون الأول 1952) من طرف فرق الموت الفرنسية "اليد الحمراء"، أو اغتيال المناضل صالح بن يوسف (12 أغسطس/آب 1961) وغيرهما من المناضلين لتخلُوَ الساحة لرجل المرحلة الحبيب بورقيبة.

نموذج التصفية ينسحب أيضا على اغتيال محمد بوضياف الرئيس الجزائري (29 يونيو/حزيران 1992) الذي اقترب من ملفات محرمة عسكريا، أو تصفية حسن البنا من طرف البلاط الملكي والمخابرات البريطانية (12 فبراير/شباط 1949) عندما شرع يؤسس لنوع جديد من المقاومة.

الجريمة التونسية من خلال اغتيال أبناء الجيش التونسي أو المناضليْن شكري بلعيد ومحمد البراهمي تمثل حسب هذه القراءة الحركة الأخيرة أو الحركة التي يُراد لها أن تكون الأخيرة في مسلسل انقلابي كبير هدفه تغيير معطيات طبيعية على الأرض.

فمسار ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في تونس وكذا في مصر مسار طبيعي ناجم عن تراكمات تاريخية واجتماعية وثقافية كبيرة ومركبة عصفت بمصالح قوى كبرى في المنطقة وخارجها، وهو مسار تريد القوى الخاسرة من الثورة قلبه قسرا بالقوة المادية القاهرة.

ضرب المؤسسة العسكرية
استهداف المؤسسة العسكرية إعلاميا وجسديا مؤشر انقلابي آخر، لأن الثورة المضادة لن تغفر للجيش التونسي عصيانه أوامر خارجية وداخلية منذ بداية الثورة بقتل المتظاهرين العزل كعادة أغلب الجيوش العربية التي لا تستأسد على غير شعوبها من المدنيين مثلما يفعل عسكر النظام وعصاباته الطائفية في أرض الشام أمام أهل سوريا العزل.

كان الجيش التونسي ومنذ صبيحة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 إلى اليوم جيشا جمهوريا لا ولاء له لغير الوطن مثلما أقسم على ذلك، وقد حمى بإمكانياته المحدودة وبروح قتالية ووفاء لا حدود لهما الثورة والوطن من كل المؤامرات التي كانت تحاك في الداخل والخارج من أجل نسف المنجز الثوري من أساسه.

ليست الجريمة السياسية غاية يقف مداها عند إنجازها مثل غيرها من الجرائم المدنية، بقدر ما هي قادح لحركة أخرى، ومثير لفعل آخر يتجاوزها في الزمن وفي الأثر وفي المدى

وليس الالتفاف الشعبي الكبير اليوم حول المؤسسة العسكرية إلا الدليل القاطع على هذا الاستثناء التونسي الذي لا يُراد له أن يبقى كذلك.

لم يكن هذا الجيش انقلابيا أو طائفيا أو جهويا طيلة تاريخه النضالي، ومنذ تأسيس نواته الأولى المقاوِمة للاستعمار الفرنسي جمع بين جنوده خيرة الشباب من الطبقات الفقيرة والأكثر فقرا، ومن بينهم كان شهداؤه بالأمس القريب في مرتفعات القصرين من الوسط التونسي، وهو ليس دولة داخل الدولة مثلما هو الحال في مصر وبقية حقول الاستبداد العربية.

هذا الاستثناء العربي كان الضامن الأول لنجاح ثورة الكرامة في تونس، وهو كذلك المانع الأول لنجاح الثورة المصرية وكذا الثورة السورية بعد الانقلاب الدامي على الثورتين السلميتين.

من هنا كان استهداف المؤسسة العسكرية التونسية -التي لا تزال عصيّة على الاختراق والتطويع هيكليا بخلاف المؤسسة الأمنية- جزءا من المخطط الذي يجمع بين إرباكها من ناحية والزج بها في الصراع القائم بين أطراف النزاع الذي تقوده النخب السياسية المتعفنة في تونس.

الجميع يعلم أن حياد المؤسسة العسكرية شرط مركزي لتأسيس دولة العدالة الاجتماعية، والضامن لاستقرار الدولة سياسيا ولاستمرار عمل مؤسساتها، وهو ما يفسر إلى حد كبير تركيز الجميع في الداخل والخارج على استهداف هذه المؤسسة دون غيرها من المؤسسات السيادية كالقضاء مثلا.

ومهما حاولت الدولة العميقة أن تعود بالقوة المادية القاهرة وبالانقلابات العسكرية وعبر "إعلام العار"، فإن الانقلاب الذي يستهدف طورا من أطوار نشأة الأمم قد ينجح في تعطيل مساره، لكن الانقلاب على إرادة الأمة نفسها محال أن ينجح، لأن صراع الإرادات لا يكون بالقوة المادية القاهرة.

إن دولة مثل تركيا وأغلب دول أميركا اللاتينية عانت دهورا من الانقلابات الأميركية بحلل عسكرية زاهية، لكنها انتصرت أخيرا وكذا أمتنا.

سيبلغ المكسب الثوري أشده في بلاد العرب ولو كره الانقلابيون، لأنه مؤسس على تطور طبيعي للحركة بعكس الانقلاب القائم على سعي عكسي لقلب حركة طبيعية بالعسف والإكراه والقوة المادية الغاشمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك