مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول



الصفحة الأولى من الحدث المصري هذا الأسبوع تُعطي انطباعا مزدوجا، فقد تميزت بالمستوى الفدائي العالي والوجدان الثائر في الميدان وتكثّف حضوره -وخاصة في ما أسمته حركة المقاومة المدنية للانقلاب جمعة الحسم- ورسائل التنوع في الحضور الشعبي الذي برز في مشاركة تيارات وتوجهات إنسان مصر الطبيعي غير المؤدلج، إضافة إلى توجهات فكرية مثل حركة "أحرار" المناهضة للانقلاب والرافضة لمشاركة الإخوان في تكتل معارض، وما يعنيه استهداف ستة من مناضليها الشباب برصاص القناصة وقتلهم.

في ذات الوقت قدمت اللوحة الفدائية للحركة الإسلامية في مصر مشهدا قويا أدهش كل المراقبين، لقوة موقفها السلمي رغم تعرضها لفظائع من القتل والتعذيب. ويكفي أن نستحضر أن هذه القيادات الإسلامية كانت تُساق للمعتقل بصورة مُهينة واستفزاز تتخلله حالات من الضرب على الوجه، كما جرى مع محمد بديع مرشد جماعة الإخوان بعد أيام قليلة من فقدانه ولده، وهو المشهد الذي تكرر مع عدد من قياداتها الأخرى.

هذه الرمزية العميقة -أي الفداء والسلمية والتمسك برفض الانقلاب- لها تأثير في وجدان أي شارع ثوري. والحركة الإسلامية في مصر باتت اليوم -مختارة أو منقادة- هي عمود الارتكاز لثورة يناير/كانون الثاني 2011 التي استؤنفت في رابعة بمداد الدم المصري.

وفي ذات الوقت فإن الانقلاب لم يُظهر تراجعا ولكنّه مستمر في بأسه وتجاوزه لكل الأعراف القانونية، وتوجهه إلى مزيد من البطش الذي انتهى إلى مفاجأة جديدة لتشكيلات حلفاء 30 يونيو/جزيران الماضي.

تحويل جزء من الجهد والحراك الشبابي من الميدان إلى صناعة شبابية تواجه العملية السياسية ثقافيا وإعلاميا عبر الشبكات الاجتماعية هو إحدى وسائط الثورات النافذة في أجواء القمع والمطاردة

هذه المفاجأة تمثّلت في أن هذا التحالف المكون من نظام مبارك الواسع النفوذ كترس رئيس ومفضل وشريك أساسي مع الفريق السيسي، وجناح الأحزاب والحركات العلمانية المؤيدة للانقلاب، أظهر سرعة في التحول، ظهرت في الانقضاض على بعض الحلقات الأضعف في التحالف في ما يشبه قصة الثورين الأبيض والأحمر.

وقد اتضحت تلك الصورة بجلاء مع استغاثة أحمد ماهر التي أعلن فيها أنه تحت التهديد بالتصفية الجسدية من النظام، والموقف الباهت والشريك من بعض شخصيات جبهة الإنقاذ ضده، وكأنما أُعطي نظام مبارك الضوء الأخضر لتصفيته وتصفية أو اختراق حركة 6 أبريل بعد الاستغناء عن مشاركتها.

هذه الخلاصات المهمة من المواقف في هيكل الحركات العلمانية المؤيدة للانقلاب تؤشر إلى دلائل اختراق مبكر لأحزابها التي كانت تلتقي مع المخابرات الحربية للتحضير لـ"30 يونيو"، وهذه اللقاءات كانت معلومة لكن الجديد هو ما أسفر عنه المشهد من أن هناك أطرافا داخل هذه التيارات كان لها تواصل خاص مع مخبري الفريق السيسي دون علم أحزابهم، ولذلك فإن إمكانيات تفكيك هذه الكتل الضعيفة شعبيا متوفرة جدا في ظل هذا الاستقطاب.

إن هذا الانهيار ومغازلة ترشح الفريق السيسي من أطراف رئيسية كحمدين صباحي تؤكد ما ذكرناه قديما من أن هناك قناعة ذاتية لضمان مشاركة حكم عسكري في مصر، لكونه الضامن لإبعاد الإسلاميين، ولأن هناك قناعة لدى الحركة العلمانية أن طوق النجاة لها سيظل بيد العسكر، وليس المقصود قصة مرحلة انتقالية لاستئناف مدار مدني حتى لو اشتغلت اللجان بهذه المرحلة، فالمحصلة ستبقي اليد العليا للعسكر ونظام مبارك.

أمام ذلك كله وواقعية قراءة المشهد، فإن أمام قيادة الحركة المدنية وخاصة الحركة الإسلامية ضرورات فهم ما يجري على الأرض في الداخل من حركة استقطاب مستمرة، بالسلاح تخويفا، أو بقناعة جزء من الشعب المصري يُشكل الأقباط قاعدة رئيسية منه، تنجح في تكوين مجتمع كامل ينساق خلف التضليل الإعلامي خلف السيسي كقائد ملهم يخطو خطواته الحاسمة.

أمام ذلك فإن التزام المحور الإسرائيلي الخليجي بات أقوى، وقد اتحد اليوم في مشروع خطير يحضر لإنهاء وضع غزة كليا، وبدأ مرحلة حصارها الشرس، في اندماج كلي لهذا التعاون من الداخل المصري إلى دعم الأسد الضمني أو المباشر من القاهرة وتل أبيب ومحورها الخليجي، الذي قد يشهد تباينا في هذا الملف من بعض أطرافه، لكنه في أساس مشروعه متفق مع هذا الاندفاع نحو تصفية غزة ونفوذ الإسلاميين في مصر، ونقض الثورة السورية، وإسناد بقاء الأسد.

وهذه الخلاصة الأخيرة هي عمق الموقف الإسرائيلي ومرجعية الغرب في الرؤية المتاحة لتطويق استقلال الدول العربية بربيعها، خاصة في عمق الشرق الأوسط، وهو ما ساهم في تراجع الضربة العسكرية لنظام الأسد في أجندة السياسة الغربية، وإن بقيت احتمالاتها واردة لخشية واشنطن من انقلاب الطاولة كليا عليها من المحور الإيراني الروسي، لكن هذا التوافق الجديد بين حكم السيسي وتل أبيب -بدعم المحور الخليجي أساسا- سيبقى في نظر الغرب يخدم تصورات محاصرة حركة التحرر الربيعي.
النجاح الذي أحرزته الثورة في الشارع لم يسوَّق بعد لجميع المصريين، فكيف سيعبر خطاب رابعة وقصة فدائها لأكبر مساحة من الوجدان المصري حتى يرى الحقائق ناصعة

هنا على الحركة الإسلامية وحلفائها العودة لقراءة كافة الملفات في الداخل والخارج، وليس المراهنة على صعود المشاعر الوجدانية لأنصار الثورة فقط.

فهذا الزخم العاطفي وهذه التضحيات لن تكفي لرسم طريق العودة الثوري، وهي تحتاج إلى طرح أسئلة الرؤية الإستراتيجية لعودتها، لا المضي وفقا لزخم الوجدان العاطفي فقط.

لقد مرت الحركة الإسلامية بتجارب صعبة في هذه الأحداث، دفعتها دفعا لما كررناه سابقا من أن مشروع الحركة الإسلامية يجب أن يتحول من حركة جماعة إلى حركة مجتمع وطني، وقد أضر هذا التأخير بفرص تطور أداء الحركة الإسلامية في مصر التي ثبت لها إخلاص أردوغان، وأثنت عليه وعلى تجربته، لكن مع الأسف الشديد لم تدرس تجربة الحركة الإسلامية في تركيا أردوغان جيدا.

إن وعي إشكاليات وقرارات الماضي مهم للبناء على التصور الجديد، وليس لملامة الحاضر أو الضحايا الذين يتحمل دماءهم، مثل ما يتحمل وزر عودة مصر لنظام مبارك من خرقوا المسار الدستوري وحرية التصويت، بغض النظر عن أخطاء الحركة الإسلامية وتقديراتها.

لقد طرح المراقبون المخلصون لمصر في مسارات الوضع السابق أهمية ضمان تدرج سلطة النفوذ، وتعزيز قدرات الشعب على مشروع الثورة في المؤسسة التشريعية لتأمينها من بطش الخصوم وانقلاب الأصدقاء، ولكن وقع المحذور وانقسم الشارع السياسي الذي يتلاعب بقسم منه الفريق العسكري اليوم.

وبدأت لعبة الحصار حتى وصلت إلى مستوى تهديد مرسي بالجيش في رسالة لم تُفقه في حينها، وكان خطأ ذلك الفقه واضحا في اعتقاد الإسلاميين أن رص الصفوف المقابلة لـ30 يونيو قد يُعيد التصور لدى القيادة العسكرية التي كانت قد حسمت أمرها وخطتها، ونفذت من الثغرات التي تركتها الحركة الإسلامية، مع الإقرار ببأس وعداوة الفريق العلماني المتطرف.

ثم حين استوت حركة رابعة على الجودي وأظهرت قوة شعبية وإرادة مدنية، طرحنا هذا التساؤل هل لدى الحركة القدرة على الزحف الشعبي وإعادة خيار الثورة أم أن عليها أن تنعطف سياسيا خارج عملية النظام وتستثمر هذا الزخم؟

وكانت الإجابة بمدافع السيسي هي الواقع الذي فرض على الشعب المصري مع تحريض إعلامي ومشاريع قتل وسجن لم تنته، وهذه التضحيات -حتى لو كان بعضها جراء اجتهادات خاطئة في تقديرها لبطش العلمانية الدكتاتورية التي تستقي تجربة أتاتورك- قد خلقت أرضية نضالية وجدانية كبيرة، واستقطبت قواعد شعبية لا بد لها من إعادة تصور كامل لقيادة الحركة المدنية، وانفتاح الحركة الإسلامية على فكرة المشروع الوطني الشامل للثورة أكبر مما قدمته.

ولذلك فالأسئلة اليوم مهمة جدا لخطوات المستقبل:
1- كيف تعيد الحركة الإسلامية تشكيلها الداخلي وتفريغ قسم شبابي وثوري للاندماج الكامل بقرار مستقل عن أي قيادة دعوية طريدة أو حرة، لتبني مع شركاء المرحلة والمبدأ قيادة ثورة يناير الجديدة.

2- كيف تنطلق الحركة المدنية بشعار رابعة إلى مفهوم عودة الثورة بأساسياتها المبدئية والدستورية، وليس الشرعية المرتبطة بشخصية الرئيس المظلوم محمد مرسي.

3 - كيف ستتعامل الثورة مع العملية السياسية للنظام ومع بعض الأطراف الإيجابية فيه، هل ستهجرهم كليا أم ستستثمر أي مساحة لا تعطي شرعية للعملية السياسية، استفادة من أي تقاطع أو تجارب للثورات المتعددة في هذا المضمار؟

يبقى تأسيس الرؤية التي تقهر أعداء الثورة، وتعيد القرار للشعب -وإن طالت وتعددت منعطفاتها- الطريق الأبرز  والأسلم لتحقيق وعد الشهداء بانتصار إرادتهم على مقصلة خصومهم

4- النجاح الذي أحرزته الثورة في الشارع الوطني لم يصل ولم يسوق بعد لجميع المصريين، ولا يزال هناك شارع كبير لا يلتفت لذلك، فكيف سيعبر خطاب رابعة وقصة فدائها لأكبر مساحة من الوجدان المصري ويرى الحقائق؟

5- كيف سيحافظ الميدان الثوري على زخمه وتقليل الخسائر البشرية وتنويع حراكه؟

6- كيف ستتعامل حركة الرفض المدني مع من استهدفهم نظام مبارك وسيستهدفهم من شركاء "30 يونيو"؟ وهل ستبني كتلة سياسية تضم من يعود عن تأييد الانقلاب أم سيُهجرون؟

7- ومن أهم الخطوات قدرات الحركة المدنية للتنشيط والتعاون مع مشاريع وطنية سياسية كجبهة الضمير وشخصيات وطنية تشتغل في خارج مساحة الاحتجاج الميداني لفتح المجال لشراكة -وليس لمجرد دعم فقط- في تحالف وطني واسع ضد الانقلاب.

8- إن تحويل جزء من الجهد والحراك الشبابي من الميدان إلى صناعة منظمات شبابية، تواجه العملية السياسية ثقافيا وإعلاميا عبر الشبكات الاجتماعية أو الميدان الشعبي العام، هو إحدى وسائط الثورات النافذة في أجواء القمع والمطاردة.

كل ذلك يأتي ضمن قراءة دقيقة تطرح الرؤية الإستراتيجية، تتجاوز الزخم العاطفي إلى نظرة العقل المؤمن بمبدئه ومشروع حرية وطنه، وهو ما يحتاج مصارحة ومداولة، رغم المطاردة البشعة والدماء النازفة من المناضلين.

ولن يستطيع أي عدو للثورة أن يلحق ضررا بها أكبر من إبقائها مطاردة، لا على المستوى الميداني فحسب وإنما على مستوى التفكير والتخطيط، فيما يبقى تأسيس الرؤية التي تقهره وتعيد القرار للشعب -وإن طالت وتعددت منعطفاتها- الطريق الأبرز والأضمن لتحقيق وعد الشهداء بانتصار إرادتهم على مقصلة خصومهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك