غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري



مخجلة هي ردات الفعل التي أعقبت إقرار مجلس الأمن للقرار 2118، ووقحة إلى حد الصلف، فبين تهليلات الرئيس الأميركي باراك أوباما أن إدارته انتصرت انتصارا باهرا، وأفراح بشار الأسد وحلفائه الممانعين بأنهم غيروا موازين قوى العالم وصعّدوا روسيا قوة دولية كبرى، استمر دم السوريين يسيل غزيرا.

وقد أوحى هذا المشهد بأن كل الملوثة أيديهم بدم الشعب السوري، وأولئك الذين أتاحوا للمشهد أن يكتمل، قد انتصروا: أميركا، روسيا، نظام الأسد، إيران وحزب الله، ومعهم إسرائيل، ووحدها العدالة الإنسانية من خسرت.

لم يستطع الرئيس الأميركي باراك أوباما إخفاء نشوة الانتصار حين وصف القرار بأنه انتصار باهر للإدارة الأميركية، لكنه لم ينتبه إلى حقيقة أن الانتصار على رئيس مافيا بالتضحية بدماء مائتي ألف شهيد سوري هو انتصار يشبه الفضيحة، التي لم يكن ينقص جلجلتها سوى تأكيد وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس أن مجلس الأمن الدولي "يستحق أخيرا اسمه".

والحال كذلك، يحق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزيره لافروف أن يسعدا، إذ جعلا لروسيا مكانا بين الكبار، صحيح أنهما حققا ذلك عبر ملف قذر عنوانه استثمار دماء السوريين للوصول إلى أهدافهم، لكن ذلك لا يهم حكومة استبدادية طالما تعاطت مع السياسة في الداخل والخارج بوسائل أكثر رخصاً وبشاعة.

لم يستطع أوباما إخفاء نشوة الانتصار حين وصف القرار بأنه انتصار باهر لإدارته، لكنه لم ينتبه إلى حقيقة أن الانتصار على رئيس مافيا بالتضحية بدماء مائتي ألف شهيد سوري هو انتصار يشبه الفضيحة

لم يكن أحد يعلم أن موت السوريين سيوزع تلك المساحة الهائلة من الانتصارات، وحده العالم المعاصر، بتراجع أخلاقه وتهافت منظومته القيمية، يستطيع أن يصنع من بساط دم السوريين سجادة يطأ عليها القادة المنتصرون، ويستطيع أن يرى في استمرار مشهد الموت ممكنات تغيير نحو الخلاص، فيما بدا كأنه نمط من الذرائعية الصارخة التي وقف خلفها أوباما، عبر إيحائه بأن هدف الاتفاق في النهاية تخليص الشعب السوري من الاستبداد.

متى؟ بعد أن تحقق القوى العظمى كامل أجندتها في المنطقة! بكل الأحوال الأمر لم يكن يخرج عن إحساس غربي، شعبي ورسمي، بضرورة عمل شيء ما لحماية الإسرائيليين بعد اكتشاف حقيقة المخزون الكيميائي السوري، وبعدها ليكمل السوريون سياق مذبحتهم بالطريقة التي يريدونها، هم ليسوا أفضل من شعب الكونغو بالنسبة لأوباما.

في الواقع ينطوي نموذج الاتفاق والروح الذي تأسست عليه على إحالة الحالة السورية برمتها إلى حقل جديد في واقع التعاطي الدولي يقوم على نزع كل ديناميات التوتر التي يمكن أن تنتقل لخارج الحيز السوري وتؤثر على السياق العام الذي تجري به مصالح القوى ذات العلاقة، وترك المقادير السورية تجري حسب أعنتها ريثما ينتهي اللبس الكامن في المشهد السوري.

ولا شك بأن الاتفاق الكيميائي يصلح قاعدة لهذا التفاهم ويؤطره، بحيث تصبح سوريا ومأساتها خارج دائرة العلاقات الأميركية الروسية الإيرانية.

وفي الواقع أيضا فإن أطراف الاتفاق لم تفعل سوى أنها استثمرت الأزمة السورية لإيجاد حلول راهنة لأزمات بنيوية عميقة في هيكل قواها ومكانتها الداخلية والخارجية، حلول أقرب إلى منطق الصفقات منها إلى تسويات ثابتة ومنطقية، فالرئيس أوباما قد يكون أحوج إلى ذلك، بعد الإخفاقات التي مرت بها قيادته للولايات المتحدة.

فالرئيس الذي تقود بلاده العالم، بدا صغيرا في الفترة الأخيرة، خاضعا لشروط الإمبراطورية الروسية الهرمة في الملف السوري، من دون أن تحقق سياساته الخارجية أي انجاز يُذكر، باستثناء قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

أما إيران التي أنهكها سعيها النووي فثمة مقدمات كثيرة تشي بقناعتها باستحالة إتمام هذا المشروع في ظل المعطيات الاقتصادية والمجتمعية المحبطة، وبأنه ما لم تجر بعض التعديلات في طريقة اشتباكها مع العالم الخارجي فإنها تسير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي أو ما يشبه بداية ربيع ثوري يطيح بنظام الجمهورية الإسلامية.

وبالطبع لن تجد إيران فرصة تاريخية مثل هذه حيث يتوفر رئيس أميركي متردد وضعيف ودم سوري يملأ ميزان قوتها لدرجة أن روحاني أوحى للعالم في نيويورك أنه يضع سوريا في جيبه، وللأسف وجد من يصدقه هناك!

لن تجد إيران فرصة تاريخية مثل هذه، حيث يتوفر رئيس أميركي متردد وضعيف ودم سوري يملأ ميزان قوتها لدرجة أن روحاني أوحى للعالم في نيويورك أنه يضع سوريا في جيبه، وللأسف وجد من يصدقه هناك
وحتى يكمل روحاني مشهد التدليس كان لا بد أن يؤدي رقصته في هذه الحفلة الكريمة، فبدأ من حيث يجب أن يبدأ، من توجيه التهنئة إلى اليهود بعام جديد، وهي مؤشر على تغير في الخطاب والنوايا الإيرانية تجاه إسرائيل، يستتبعه أيضا تغير في السياسات والتوجهات.

ولعلّ المفارقة الأكثر سطوعا في هذا المشهد المليء بالمفارقات أن يبدو الرئيس السوري بارعا في صناعة أدوار للدول على حساب موت جمهوريته، فقد نقل عنه حلفاؤه اللبنانيون أنه كان يشعر بالفخر والنشوة لأن روسيا حققت تقدما ملحوظا في تراتبية القوة الدولية وأن إيران التي سلمها مفاتيح مصير الدولة السورية تستطيع أن تفاوض العالم اليوم من موقع قوة، فيما حزب الله الموغل بالدم السوري والمرتكب جرائم حرب حسب منظمات حقوقية دولية بحق المستضعفين السوريين بات حسب رؤية الرئيس المؤتمن على الدم السوري قلعة مقاومة!

في الترجمة السياسية لكل ما سبق، فإن البناء السياسي المقدر له أن يتأسس على هذه الصفقة هو بناء عشوائي مخالف لكل معايير الإنشاء ولا يملك أرضية صلبة تحفظه من السقوط أمام أي اهتزاز.

ومن الواضح أن مؤتمر جنيف2 بوصفه الترجمة الحقيقية لهذا الاتفاق، ورغم استمرار المطالبة به إلا أن غايته الأساسية ستنحصر بتثبيت النتائج الحالية وتكريس بيئة الكيميائي وشروطه، بمعنى المحافظة على النظام من هنا حتى يفي بوعده، دون اعتبار أن هذا يتنافى مع مصالح الشعب السوري وشروط ثورته، بطريقة أخرى إبقاء عناصر الصراع وبيئته حتى إشعار آخر.

إضافة لذلك يبدو أن القوى التي وقفت وراء صفقة الكيميائي تذهب جميعها باتجاه إعادة تموضع جديدة بالنسبة للأزمة السورية، ينطلق هذا التموضع حسبما رشح من تلميحات بعض تلك الأطراف على إعادة تعريف عناصر الأزمة السورية وترتيب أهميتها.

فالواضح أن الانقسامات الحاصلة في هيكل قوى المعارضة وبروز القوى المتطرفة إلى السطح بدأ يأخذ مكان الصدارة في اهتمامات تلك الدول، وتأتي بدرجة ثانية من الأهمية على ما صرّح الرئيس أوباما مسألة "معالجة المخاوف الشرعية للعلويين وغيرهم من الأقليات"، فلا يوجد حل سياسي ممكن ولا إمكانية للتفكير بإسقاط نظام بشار الأسد دون إيجاد حل لهاتين المسألتين، والمشكلة أنه باتت بين هاتين المسألتين واستمرار نظام الأسد عملية تغذية عكسية تعمل على توليد دائرة صراع مغلقة يستحيل تفكيك حلقاتها.

المحصلة من كل ذلك أن العالم توصّل على هامش الأزمة السورية إلى حل بالتراضي بين جميع أطرافه، واشنطن أدركت أن سوريا المنزوعة السلاح الكيميائي لا تشكل مصدر خطر حقيقي بعد أن أضعفتها الصراعات الداخلية، فيما رأت إيران أن سوريا التي لن تستقر لسنوات طويلة لم تعد تستحق سوى استثمار أخير لأزمتها والعبور من هذه النافذة إلى التصالح مع العالم، أما روسيا فقد حققت أكثر مما كانت تسمح لها قواها الهرمة عسكريا واقتصاديا.

سيبقى للثورة السورية القدرة على إعادة خلط الأوراق و"لخبطة" كل الترتيبات وإفشال مختلف الصفقات ما لم يجر بناؤها على أساس حل الأزمة من جذرها، وهو إسقاط نظام الأسد وإخراجه نهائيا من المشهد السوري
بهذا المعنى يحق للأطراف أن تعلن انتصارها، فالسياسة ما لم تكن فن الممكن ليست بالمحصلة سوى هرطقات أيديولوجية لم يعد بإمكان العالم الجديد استيعابها، فكل الأطراف أجرت على هامش الأزمة اختبارا واسعاً لنطاق موازين القوى وساعدتها تلك العملية على اكتشاف آفاق التسويات في السقوف الممكنة، وهي الآن في صدد إنجاز تلك التسويات، وما تبقى من الحالة السورية فهو مجرد تفاصيل تنتظر الترتيبات الكبرى ليصار إلى إدراجها ضمن سياق مستلزمات الصفقة ومترتباتها.

غير أن الواقع يظهر أن مقاربة الأمور وفق هذه الطريقة لا يعدو كونه عملية بناء نماذج نظرية من النوع الذي يصعب التحقق من قدراتها التطبيقية، ذلك أن الأزمة السورية، وبعد حوالي ثلاثة أعوام من اندلاعها، استطاعت بناء شبكة من التفاعلات الداخلية والإقليمية بحيث بات يصعب الانفكاك منها بالسهولة التي قد يتصورها البعض، وستبقى تؤثر على الأمن الإقليمي برمته طالما بقيت عناصرها الأساسية مفعّلة أو في طور الاشتغال.
وبالتالي فإنه سيبقى لديها القدرة على إعادة خلط الأوراق و"لخبطة" كل الترتيبات وإفشال مختلف الصفقات ما لم يجر بناؤها على أساس حل الأزمة من جذرها، وهو إسقاط نظام بشار الأسد وإخراجه نهائيا من المشهد السوري.

ولعل التغيرات التي شهدتها بنية المعارضة السورية المسلحة تشكل الرد الأكثر وضوحا على ممكنات الحالة السورية وقدرتها على ضرب كل محاولات تهميشها. منذ البداية كان واضحا أن دم السوريين غير صالح للتوظيف ولا للاستثمار، والأطراف التي رأت غير ذلك استعجلت كثيرا قطف الثمار التي رواها الدم السوري.

ولن يمر وقت طويل قبل أن تدفع تلك الأطراف ثمنا مضاعفا لجنيها العجز.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك