ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني



باتت الثورة السورية، مع التدخلات الخارجية (العربية والإقليمية والدولية) فيها، وطول مدتها، والمآسي التي تمخضت عنها، تعرّف بأنها الثورة الأكثر تعقيدا، والأكثر صعوبة، والأبهظ ثمنا بين ثورات "الربيع العربي".

ويمكن التحقيب لهذه الثورة -العفوية، وغير المتوقعة، والتي شملت أغلبية السوريين- بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: وهي التي اتّسمت بالحراكات الشعبية، التي غلب عليها طابع الاحتجاج السياسي والمظاهرات والاعتصامات الشعبية، السلمية الطابع. وامتدت هذه الفترة من مارس/آذار إلى أكتوبر/تشرين الأول2011.

وكان من أهم مظاهر هذه الفترة الثورة العارمة في مدن درعا وحمص وحماه، وبعض مناطق دمشق وريفها.

وفي هذه المرحلة استخدم النظام جماعات الشبيحة وميليشيات "البعث" ورجال المخابرات، في مواجهة المتظاهرين والمعتصمين والمحتجين باستخدام الهراوات والأسلحة البيضاء والرصاص، كما تم في هذه المرحلة استهداف نشطاء الحراك السلمي بالتنكيل والاعتقال والقتل.

في المرحلة الأولى للثورة بلغ متوسط عدد القتلى حوالي 600 شهيد في الشهر، وثمة أضعافهم من الجرحى والمصابين والمعتقلين والملاحقين

وفي العموم، فقد كان الهدف من استخدام تشكيلات القمع باللباس المدني الإيحاء للعالم بأن ثمة منازعات أهلية، فحسب، ذات صبغة طائفية، وأن الأمر لا علاقة له بثورة شعبية، في محاولة لإنكار ثورة السوريين، ونزع مشروعيتها.

وقد بلغ متوسط عدد القتلى من السوريين في هذه المرحلة حوالي 600 شهيد في الشهر، وثمة أضعافهم من الجرحى والمصابين والمعتقلين والملاحقين.

المرحلة الثانية: يمكن التأريخ لها في الفترة من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2011، إلى يونيو/حزيران2012. وفي هذه المرحلة تم إدخال الجيش إلى المعركة، ليس بصفة جنود مقاتلين فقط، وإنما بأسلحة الدبابات والمدفعية والطائرات، مما نجم عنه تزايد واتساع ظاهرة الانشقاقات من الجيش، وتشكيلات "الجيش الحر"، الذي أعلن عن تأسيس نواته الأولى في أواخر يوليو/تموز2011.

وما تمكن ملاحظته أن ظاهرة "الجيش الحر" هذه شجعت بدورها على قيام جماعات الحماية الأهلية (المحلية) في الأرياف وفي أحياء المدن السورية المشتعلة، ولاسيما في ريف دمشق وحمص وحلب وإدلب ودرعا وشمال شرق سوريا، كردة فعل على العنف المفرط من قبل النظام.

هكذا جرى في هذه المرحلة التمهيد للتحول من الثورة الشعبية السلمية إلى الثورة المسلحة، مع بقاء حالة من المزاوجة بين النضال الشعبي السلمي، والصراع المسلح ضد النظام.

وقد تراوح عدد الشهداء السوريين في هذه الفترة بين 1000 و2000 شهيد شهريا.

ويذكر أن "المجلس الوطني" -وهو الهيئة السياسية للثورة في الخارج الذي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول- بدأ عمله في هذه المرحلة، دون أن يحقق النجاحات المطلوبة منه، في الداخل والخارج.

المرحلة الثالثة لهذه الثورة: يمكن التأريخ لها من أغسطس/آب 2012 إلى أغسطس/آب 2013، وبدأت هذه المرحلة بتحول الجماعات المسلحة المعارضة نحو السيطرة على مناطق في المدن السورية، وهو ما حصل تحديدا مع دخول "الجيش الحر" إلى حلب والسيطرة على مناطق واسعة فيها، كما في مناطق في شمال وشمال شرق سوريا، وريف دمشق، وحمص، وإدلب.

وقد نجم عن السيطرة على هذه المناطق إضعاف شوكة النظام وكسر هيبته، وإظهار ضعف سيطرته على الأوضاع. ولكن ذلك أدى أيضاً إلى شراسة النظام وإمعانه في التقتيل والتدمير في هذه المناطق، وتهجير سكانها، بحيث حولها إلى حقل رماية -بكل معنى الكلمة- لقنابل طائراته، وقذائف مدفعيته ودباباته، فضلا عن تشديده الحصار عليها، وجعلها بمثابة معتقلات كبيرة لمن تبقى فيها من السكان.

في المرحلة الثانية جرى التمهيد للتحول من الثورة السلمية إلى الثورة المسلحة، مع بقاء حالة من المزاوجة بين النضال الشعبي السلمي، والصراع المسلح ضد النظام

وفي هذه المرحلة استطاع النظام تفكيك وإضعاف المناطق السورية الحاضنة للثورة، وتحويل قطاعات شعبية كبيرة، من داعمة للثورة أو مساندة لها، إلى عبء عليها، بعد تشريدهم من بيوتهم، وتدمير ممتلكاتهم، وحرمانهم من مصادر رزقهم، بحيث بات العبء الإغاثي يستهلك عمل كثير من النشطاء، والجهود في الخارج، لإيجاد مأوى للاجئين، وتأمين حاجاتهم الأساسية.

ويعني ذلك أن النظام استطاع ليس فقط التخلص من ثقل الكتل الشعبية المتعاطفة مع الثورة وإنما حولها أيضا إلى عبء ومشكلة بالنسبة للثورة، مما أدى إلى خلق حالات من الإحباط بين الجماهير المؤيدة، التي وجدت نفسها وقد خسرت كل شيء بدون أن تستطيع أن تفعل شيئا، ومن دون أن تتيقن بالنسبة للمستقبل.

لعل ما فاقم من مشاعر الإحباط والضياع هذه، انسداد قدرة الجماعات المسلحة على رفع الحصار عن المناطق التي تخضع لسيطرتها، فهي لا تمتلك القوة لذلك، ولا تمتلك القدرة على مواجهة قصف الطيران والمدفعية، التي تعمل فتكا بالأحياء والسكان، هذا أولاً.

وثانياً، لم تثبت قيادات الثورة المفترضة -بتشكيلاتها العسكرية والسياسية والمدنية- القدرة على إدارة المناطق التي باتت تحت سيطرتها، بسبب نزاعاتها وضعف قدراتها، وانشغالها بمصارعة النظام، الأمر الذي نجمت عنه اختلالات أمنية، وحالة من الفوضى والخروج عن القانون.

ثالثاً، أثر بروز جماعات "القاعدة -مثل "جبهة النصرة" و"دولة العراق والشام"- سلبا على نظرة أغلبية السوريين إلى ثورتهم، ونمت المخاوف لديهم من المستقبل، ولاسيما أن هذه الجماعات العسكرية المتطرفة حاولت فرض وجهات نظرها بطريقة قسرية وتعسفية وفجة عليهم، علما أن قيادات هذه الجماعات -في أغلب الأحوال- لا تمت بصلة لمجتمع السوريين ولا لثقافتهم.

في المحصلة، وبناء على كل ما تقدم، يبدو أن مجتمع السوريين بات في واد وثورته في واد آخر، وباتت ثمة كتلة من عدة ملايين من السوريين مشغولة بأمنها وتأمين لقمة عيشها، أكثر من انشغالها بمواجهة النظام، وهي مسألة تتحمل مسؤوليتها الجماعات العسكرية للثورة، التي باتت تتحرك من دون تبصر، ومن دون خطة عسكرية واضحة، ومن دون مراعاة إمكانياتها في مواجهة النظام، أو مراعاة ضرورة الربط بين أي خطوة عسكرية وتحقيق منجزات سياسية.

المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي نعيش وقائعها الآن، وهي الناجمة عن قيام النظام بارتكاب مجزرة جماعية جديدة في غوطتي دمشق بالسلاح الكيميائي المحظور دوليا، تم انكشافها هذه المرة، وما نجم عنها من مصرع حوالي 1400 من السوريين.

وقد فتحت هذه الجريمة الباب على مصراعيه للتدخل الدولي، وعلى احتمال توجيه ضربة محدودة لمواقع قوة النظام، مما يضع الثورة السورية في مواجهة تحد جديد، وتعقيدات جديدة، يصعب الآن التكهن بتداعياتها أو نتائجها، لأن ذلك سيعتمد على حجم هذه الضربة، وحجم تأثيرها على القوة العسكرية للنظام، كما يعتمد ذلك على شكل ردة فعل النظام وحلفائه (إيران وحزب الله) عليها.

المرحلة الرابعة هي الناجمة عن قيام النظام بارتكاب مجزرة جماعية جديدة في غوطتي دمشق بالسلاح الكيميائي المحظور دوليا، وما نجم عنها من مصرع حوالي 1400 من السوريين

والقصد أن الثورة السورية في هذه المرحلة باتت في مواجهة منعطف جديد، على صعيد الاستحقاقات السياسية والعسكرية والمجتمعية، وهو الأمر الذي ينبغي تتبع ملامحه بكل اهتمام، لأنه ربما قد يقرر مصير سوريا وشعبها، وربما مصير الإقليم بكامله.

هكذا، وبعد مرور ثلاثين شهرا على اندلاع الثورة السورية، لم تعد المعادلة الصراعية قائمة على شعب في مواجهة النظام ومن معه، أو بين قوى شعبية تتوخى الحرية والكرامة والديمقراطية، وبين نظام سياسي قائم على الاستبداد والإفساد، إذ باتت ثمة عوارض أخرى مهمة وفاعلة ومقررة، كما بتنا نشهد.

وهكذا تبدو الثورة السورية في غاية الصعوبة والتعقيد والخطورة، ومصدر ذلك -كما لاحظنا- لا يتوقف فقط على شراسة النظام في الدفاع عن سلطته بالطائرات والدبابات والمدفعية، ولا في عدد الشهداء غير المسبوق، ولا في المدى الزمني الطويل، فعلى أهمية كل ذلك، ثمة أيضا واقع يتمثل في وجود عدة "طبقات" من الصراعات المتداخلة والمتشابكة، الأمر الذي يصعب معه تعيين حدودها أو تمييزها.

وكما ذكرنا، فعدا عن طبقة الثورة ثمة الجماعات المسلحة المتطرفة، التي لا تتوخى من إسقاط النظام الاستجابة لمطالب الشعب المتعلقة بالحرية والمساواة والكرامة، وإقامة الدولة الديمقراطية الدستورية، أو دولة المواطنين. فهذه الجهات تصرح بأنها تعمل من أجل مشروع آخر، يتجاوز سوريا، ويتأسس على إقامة دولة الخلافة، أو الدولة الإسلامية الدينية، بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى.

ولا يرى هؤلاء في الديمقراطية وغيرها إلا مجرد هرطقة ينبغي صدها أو التخلص منها. ولا شك أن هؤلاء أضروا بالثورة السورية، وبمقاصدها الأساسية، كما أثاروا المخاوف في مجتمع السوريين، بتكويناته المختلفة، فضلا عن أنهم شوهوا صورة الثورة السورية، وأضروا بها لدى الرأي العام العربي والدولي.

والأنكى أن هؤلاء لا يعتبرون أنفسهم ضمن هيكلية الثورة السورية من الأصل، ويصرحون علنا بأنهم غير معنيين بأهدافها.

أيضاً، بات ثمة تصارع الأجندات الخارجية، الدولية والإقليمية، على سوريا التي تمثل بلدا "مفتاحيا" في العالم العربي وفي الشرق الأوسط، وثمة فوق ذلك الدعم غير المحدود الذي تلقاه من إيران، ومن معها، إضافة إلى روسيا.

وإذا كان النظام لا يبالي بجعل البلد مرتعاً لإيران وميلشياتها (اللبنانية والعراقية)، فإن هذا النظام بالذات هو المسؤول عن استدراج التدخل الدولي باستهتاره بالمعايير الدولية، التي تحرم وتجرم استخدام الأسلحة الكيميائية، حتى في الحروب بين جيوش الأعداء، هذا أولاً.

وثانياً، بالنسبة للحديث عن الضربة العسكرية، فهذه إن حصلت لا تحصل دفاعا عن السوريين، ولا نصرة لقضيتهم، بقدر ما تأتي بحسب مصالح الغرب، ورؤيته لذاته، ولاسيما أن من تحرك اليوم تحت ضغط استخدام النظام للسلاح الكيميائي لم يتحرك طوال ثلاثين شهراً، رغم سقوط نحو 150 ألف ضحية، وأضعافهم من الجرحى والمصابين والمعتقلين، وملايين المشردين واللاجئين.

وعلى خلفية هاتين الحقيقتين، فمن المهم بالنسبة للثورة السورية -ومع حاجتها للدعم الخارجي- جذب التعاطف والدعم الإقليمي والدولي للثورة، لا جعل هذه الثورة ورقة في يد هذا النظام أو ذاك.

الثورة السورية اليوم في مواجهة منعطف جديد (سياسيا وعسكريا ومجتمعيا)  ينبغي تتبع ملامحه بكل اهتمام، لأنه ربما قد يقرر مصير سوريا وشعبها، وربما مصير الإقليم بكامله

وفي ضوء ذلك ثمة ضرورة للتمييز بين كل ما يجري، وعدم الخلط بين هذه الطبقات من الصراعات، التي باتت على هامش الثورة السورية، والتي تحاول التسلل إلى متنها، لحرفها والتأثير عليها.

وعلى العموم، لا ينبغي لمثل أمور كهذه أن تقلل من مشروعية الثورة، ولا من سلامة مسارها، ولا من نبل مقاصدها، بقدر ما يتطلب ذلك تحصين هذه الثورة المجيدة، وتعزيز نقدها لذاتها، وتنظيمها لصفوفها، وتوضيح ذاتها.

ومعلوم أن التاريخ لم يعرف ثورات خالصة أو كاملة أو نظيفة، وأن الثورات تتمخض أيضاً عن آلام ومآس وكوارث، مع الأسف، وكلما كان تشبّث القوى المستبدة بالسلطة، ودرجة العنف التي تستخدمها لوأد الثورة أكبر، كان الوقت أطول.

وما ينبغي إدراكه هنا أيضا أن الثورات ليست خيارا من بين خيارات، أو من بين كماليات، وإنما هي بمثابة ممر إجباري للتغيير، حين يستعصي التغيير بالوسائل العادية والسلمية والتدرجية، أي أنها أيضا ليست هواية ولا نزوة.

وبخصوص السوريين فربما كان الأفضل والأسلم والأجدى لهم ألا تكون ثمة ثورة من الأساس، لا مسلحة ولا حتى سلمية، ولا تدخل خارجي، ولا نقطة دم ولا دمعة من أم، لو أن النظام اكتفى بأربعين عاما ورحل بهدوء، متخليا عن فكرته الشائنة "سوريا الأسد إلى الأبد"، ومهد لمرحلة انتقالية، سلمية هادئة، تتحول فيها سوريا لكل السوريين، ومن دون أي تمييز.

هكذا وصلنا إلى هنا، وإلى هنا أوصلنا الطغاة الذين تحكموا بحياتنا ومصائرنا. هكذا يقف السوريون اليوم بين يدي القدر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك