عارف حجاوي

عارف حجاوي



ستظل أنجيلا ميركل جميلة لسنوات طوال.. البراءة التي تطل من عيني ميركل تنسيك شراسة تاتشر رحمها الله.

والحديدية الألمانية تشبه الحديدية البريطانية في كثير، فكلتاهما درست العلوم، على أن سيدة أوروبا الحالية تحمل شهادة الدكتوراه في فيزياء الكوانتوم، وقد عملت في الأبحاث النووية 12 سنة بعد الدكتوراه، وتملك شهادة امتياز في الرياضيات، وأخرى في اللغة الروسية التي تتكلمها بطلاقة (فلا تستغرب أنها لا تستخدم سماعة الترجمة في لقاءاتها مع بوتين).

سعدتُ بابتسامة ميركل العذبة وهي تحيي الأنصار عقب فوزها الأخير الذي وصف بالساحق في الانتخابات الألمانية.. وبالطبع تغيب البروفيسور يواخيم زاور زوجها (فيزياء) الذي يؤثر تجنب الأضواء.

وميركل (59 عاما) لا تحمل اسم زوجها، ولا اسم أبيها (كاسنر)، بل تحمل اسم زوجها السابق (الفيزيائي أيضاً) أولريش ميركل.

هذه الناشطة الشيوعية السابقة التي نشأت كزوجيها -إن جاز التعبير- في ألمانيا الشرقية، استطاعت بعد الوحدة أن تقرأ البوصلة السياسية.

لقد احتضنت ألمانيا الغربية بعد عام 1989 شقيقتها الفقيرة ألمانيا الشرقية، وأنفقت عليها من المال ما أنهك الاقتصاد الألماني لسنوات.. كان المال يضخ ضخا لإعمار ألمانيا الشرقية

دخلت في الحزب الديمقراطي المسيحي الذي كان ناخبوه من المحافظين الذين تربوا على كراهية الشيوعية والتوجس من أي شخص له أي علاقة بها.. دخلت هذا الحزب الذكوري الذي يميل إلى الكاثوليكية، دخلته رغم الوصمة الشيوعية، ورغم أنها بروتستانتية وابنة قسيس، ورغم أنها أنثى.. وفي هذا درس.

لقد احتضنت ألمانيا الغربية بعد عام 1989 شقيقتها الفقيرة ألمانيا الشرقية، وأنفقت عليها من المال ما أنهك الاقتصاد الألماني لسنوات.. كان المال يضخ ضخا لإعمار ألمانيا الشرقية.

وكان في الخلق والقوانين الألمانية من الصرامة ما جعل الألمان ينصهرون من جديد في شعب واحد، بلا منٍّ ولا تفرقة. وتوجوا هذا الخلق عام 2005 بانتخاب ميركل للمنصب الأول في البلاد، المستشارية. وها هي تفوز بأربع سنوات أخر، فإن أتمتها فضلت على تاتشر بسنة.

في ألمانيا عنصرية ضد الأجانب، ككل دول أوروبا، وأكاد أقول ككل دول العالم، وهي تعاني عقدة تاريخية بسبب سلوك النازية، أو بالأحرى بسبب الهزيمة الماحقة في الحرب الثانية.

مرت ألمانيا بمخاض التشرذم بضعة قرون، وكانت الخريطة الألمانية تدعى بالفسيفساء لكثرة ما فيها من الممالك والإمارات المتنافرة، ومرت بمخاض الوحدة على عدة مراحل، ومرت بمخاض الانتقال إلى التصنيع، بعد إذ تخلفت عن ركب الثورة الصناعية طويلا.

وكان المخاض الأخير التنافس الاستعماري والهزيمة الأولى التي أتت بهتلر، ثم الهزيمة الثانية التي شطرت ألمانيا وأفقدتها عدة أقاليم ذهبت لتشيكوسلوفاكيا وروسيا وبولندا وفرنسا، ثم كانت الوحدة الأخيرة قبل 24 عاما.

ما جعل ألمانيا تبقى ألمانيا هو اللغة، ومنظومة القيم الثقافية المشتركة.

عندما ذهبتُ إلى ألمانيا الغربية في السبعينيات أيام هلموت شميدت، وكانت تدور في الفلك الأميركي أكثر مما هي الحال الآن، ظننتُ أن كل الألمان يتحدثون الإنجليزية، وأنني قد أحتاج، وربما لا أحتاج، إلى تعلم اللغة الألمانية.

وفي المطار فوجئت.. سطعت في ذهني -كمصباح المائة شمعة- فكرة "الألمان يتكلمون الألمانية".

وكأنني لم أتعظ، فبعد نحو سنتين، وكنت أقف مع البروفيسور كالنبرغ في مكتبة كلية التاريخ بجامعة دارمشتادت بإزاء رف تصطف عليه مجلدات موسوعة بروكهاوس الألمانية الضخمة، سألت أستاذي "ولماذا كل هذا العناء، لماذا لم تترجموا أشهر موسوعة عالمية وهي البريتانيكا؟"، قال لي: البروكهاوس موسوعتنا نحن، وفيها ثقافتنا وتاريخنا، وطريقة نظرنا نحن إلى العالم ومن زاويتنا، وكثير من العلوم التي فيها ابتدعها ألمان.

لا أدري إن كنت فهمته حق الفهم، لكنني الآن أفهم أن اللغة والثقافة تسبكان الأمة سبكا.

مرت ألمانيا بمخاض التشرذم بضعة قرون، ومرت بمخاض الوحدة على عدة مراحل، ومرت بمخاض الانتقال إلى التصنيع، بعد إذ تخلفت عن ركب الثورة الصناعية طويلا

ولا بد أيضا من خلق سمح يتقبل الآخر ولا يصر على وصم كل إنسان بوصمة: هذا أبيض وذاك أسمر، وهذا ابن مدينة وذاك فلاح، وهذه امرأة مطلقة وتلك بكر، وهذا ابن الإقليم الفلاني فهو شحاذ ابن شحاذ، وأما هذا فهو ابن بلد ثري، وهذا شيعي وذاك سني، والثالث مسيحي.

ما زالت صورة ميركل بابتسامتها الجميلة تداعب خيالي، اسمحوا لي أن أتفرج على صورها في النت ثم أعود إليكم.

هذه المرأة الألمانية عالمة خطيرة، وهم لا يرون في اشتغالها بالسياسة خسارة للعلوم النووية، فعندهم مثلها آلاف.

وقصة أخيرة عن الاجتهاد الألماني.. كان مقر كلية التاريخ في جامعتي تلك حصن المدينة الأثري، وهو حصن شامخ عتيق، وجدوا أن خير طريقة لاستغلاله إسكان كلية التاريخ فيه. سألت زميلا لي عن تاريخ بنائه، فقال: سنة 1965، أهو جاهل أم هازئ؟

ثم عرفت أن الحصن تهدم حجرا حجرا في ليلة واحدة في الحرب، ليلة قتل فيها 11 ألف إنسان، وأصبح اسمها في قاموس المدينة "براند ناخت" أي ليلة الحريق، ثم أعيد بناؤه في عشرين سنة ليكون طبق الأصل عن الحصن القديم.

لا أظنني واعدا حفيدتي بالوحدة العربية. لكن إن عشت لأرى ابنا لها فسوف أقول له: سترى العرب أمة قوية، وعليك أن تؤمن بحرق المراحل، فهؤلاء السادة الكرام -من محيطهم إلى خليجهم- يملكون ثروة هائلة هي لغتهم العظيمة، وثقافتهم الراسخة التي سيجتمعون حولها، فإن رأيتهم الآن يحتقرون لغتهم ويرسلون أولادهم إلى المدارس الأجنبية لغير ما سبب سوى اكتساب لغة أخرى، وإن رأيتهم يتنابزون ويبرزون الاختلافات الثقافية الطفيفة بين بلد وبلد، وبين قرية وقرية مجاورة لها، فهذا كله شيء على السطح.

وقد أقترب من أذنه وأهمس: العرب يتكلمون العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك