فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي



تؤكد إيران حقها التام في برنامجها النووي بما فيه إكمال دورة تخصيب اليورانيوم وامتلاك تقنيات البناء النووي في مجالات البحوث والتطوير والمنشآت.

ولعل تعبير الرئيس الإيراني حسن روحاني في العاشر من شهر سبتمبر/أيلول الماضي "لن تتراجع حكومتنا عن الحقوق في المجال النووي قيد أنملة واحدة" يضع الجميع أمام واقع تفرضه الرئاسة الإيرانية الجديدة بما يتناقض أو يتوافق وآمال القوى الدولية والأخرى الإقليمية والكيان الصهيوني كقوة قائمة بذاتها في هذا المجال.

ولا بد هنا من العودة إلى تصريح رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي غيور إيلاند حول مآلات الأمور في حال امتلاك إيران لسلاح نووي فعلا، حين قال "سيكون هناك وضع تدار فيه الخلافات الشرق أوسطية في ظل مظلة نووية إيرانية، فلو أطلق حزب الله مثلا صواريخ على الجليل، وأرادت إسرائيل الرد فإن عليها أن تتخذ قراراتها حينذاك في إطار اعتبارات أخرى غير التي تحركها اليوم".

أما المحلل العسكري الإسرائيلي في نشرة "جينز" الأسبوعية لشؤون الدفاع، ألون بن دافيد، فيرى أن "هناك البعض داخل إسرائيل ممن يتحدثون بالفعل عن القنبلة الإيرانية كقضية مسلم بها يتعين التعايش معها ".

يشكك الكثيرون في قيام واشنطن مستقبلا بضرب المنشآت النووية الإيرانية لأسباب منها حاجة كل من أميركا وإيران إلى الآخر سواء في أفغانستان أو العراق، إضافة إلى بؤر للتوتر تخدم مصالح واشنطن في دول خليجية وعربية
يضاف إلى ذلك الصمت الإسرائيلي تجاه الملف النووي الإيراني منذ بضعة أشهر عدا الفترات التي تخوض فيها قوات الكيان الصهيوني مناورات عسكرية أو جوية.

وبحسب الـ"نيويورك تايمز" فقد أصيب الإسرائيليون والدائرون في فلكهم بحال من الشلل تجاه خطوة أوباما الضعيفة تجاه سوريا، مشددين على أن ذلك من شأنه أن يقوض قيادة الولايات المتحدة في المنطقة، ويرون فيه انتكاسة كبيرة، بعد أن وصلت كل من واشنطن وتل أبيب إلى نقطة اتفاق حول المسألة الإيرانية.

من جانبه صرح ميشيل هيرزوغ من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن "المسألة الخطيرة هنا أنه كلما لاحظت إسرائيل تزايد التردد لدى واشنطن، زادت رغبة تل أبيب في العمل بمفردها مع الإيرانيين، وهو ما لا ترغب فيه الإدارة الأميركية".

ويقود هذا الأمر بكل تداعياته إلى سؤال محدد يشترك فيه الجميع تقريبا، هو إذا كان هذا الحال مع سوريا، فكيف سيكون الحال مع إيران؟

هذا السؤال تحديدا كسر حاجز الصمت لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقال "إن أهم ما يشغل إسرائيل هو القدرات الإيرانية لصنع قنبلة نووية والتي تعد أكبر تهديد لدولة إسرائيل، لذا فإن إسرائيل لا تملك خيارا آخر سوى الاعتماد على نفسها".

من يراقب الأوضاع على الأرض خلال السنوات العشر الماضية قد يصل إلى قناعة مفادها أن أميركا ليست بحاجة إلى حرب مع إيران ذات القدرات السياسية والعسكرية المتصاعدة.

ولعل الكثير من النخب السياسية والأكاديمية والمحللين الغربيين والعرب باتوا في شك حقيقي من أن تقوم الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الإيرانية لأسباب عديدة منها حاجة كل من أميركا وإيران إلى الآخر سواء في أفغانستان أو في العراق، إضافة إلى بؤر للتوتر تخدم مصالح الولايات المتحدة العليا كتلك التي تحدث في بعض دول الخليج العربي واليمن والآن في سوريا ولبنان ومصر وغيرها، وما يعنيه ذلك من شعور بالحاجة الملحة لوجود القوة الأميريكية فعليا على أرض واقتصاد وقرار الكثير من دول المنطقة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حمايتها من المارد الإيراني.

كما سيعني ذلك لاحقا، وعند إعلان إيران اكتمال مشروعها النووي، اعتراف واشنطن بطهران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو دخول حرب معها، وقد تكون هذه اللحظة من أشد الأوقات إيلاما للحكومات العربية وبخاصة الخليجية منها.

إن إعلان إيران يوما ما امتلاكها للسلاح النووي، يضعها ضمن ما يسمى دول "الأمر الواقع نوويا" ومن هذه الدول باكستان والهند وكوريا الشمالية بالإضافة إلى الكيان الصهيوني.

ومعلوم أن الدول النووية رسميا هي خمس دول، هي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والتي امتلكت هذه الأسلحة عند توقيع معاهدة NPT عام 1968، وكل دولة تمتلك قدرات نووية هي عضو في هذه المعاهدة، وكذلك تلك التي كانت تمتلك أسلحة نووية وتخلت عنها كجنوب أفريقيا والبرازيل والأرجنتين.
مخاطرامتلاك إيران سلاحا نوويا بعضها سياسي يتصل بالتوترات والقلاقل الموجودة بالمنطقة، إضافة إلى مشاكل السيادة، والتدخل السافر في الشأن الداخلي لدول عربية، وبعضها الآخر عسكري، فضلا عن المخاطر البيئية
 
والمهم بالنسبة لنا أن إعلانا إيرانيا مفاجئا بامتلاك سلاح نووي سيضع المنطقة أمام حقائق رهيبة تقلب معادلات الشرق الأوسط وتدخل دول المنطقة في سيناريوهات قد تعيدهم إلى مربعات التعامل الأولى والتي كانت معتمدة أيام قوة وعنجهية شاه إيران محمد رضا بهلوي.

وسيكون المنطق الغربي حينئذ في اتجاه واحد، هو التعايش مع الواقع الجديد "إيران النووية"، ومحاولة كسب ودها على أسس إستراتيجية تطلب من الآخر (العرب) زيادة الاعتماد على رؤية الغرب وبخاصة الولايات المتحدة في كل ما يعترض علاقاتهم مع الجار المشاكس والذي ستنعكس وضعية امتلاكه للسلاح النووي على مجموعة مخاطر حقيقية.
وبعض هذه المخاطر سياسي يتصل بالتوترات والقلاقل يدفع أجهزة ومنظومات أمن هذه الدول إلى المزيد من الجهود المرتكزة على القلق والحذر إزاء التعامل مع كل المشاكل ذات المصدر الإيراني إضافة إلى مشاكل السيادة التي تتجاوز إيران عليها بشكل طبيعي كاحتلالها للجزر العربية الإماراتية الثلاث وتدخلها السافر في الشأن العراقي وشؤون البحرين واليمن وغيرها، وبعضها الآخر عسكري، بما يعنيه من ردع مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى المخاطر البيئية.

إيران تعيش حلم قرب بلوغ القوة العظمى الإقليمية والذي يمثل عصب الحياة لإستراتيجية الثورة الإيرانية، بعد أن استطاع العراق أن يعطل تنفيذ هذا الحلم لأكثر من عقد من الزمن، ثم واتتها الظروف من جديد لتحقيقه خاصة بعد دخول العراق إلى الكويت والقرارات الدولية والعربية التي عزلت العراق، ومن ثم مارست إيران دور المرأة اللعوب، فاتبعت سياسات وأساليب سيئة لتحقيق برامجها الإستراتيجية.

ومن ذلك فإنها ساهمت في تهيئة الأجواء لاحتلال العراق والتخلص من نظام الحكم القائم فيه والذي كانت تعتبره صخرة كبيرة في طريق تحقيق رؤى وتطلعات قائد ثورتها الإمام الخميني.

ومع ضعف نظام الأمن القومي العربي بشكل عام بعد حرب الخليج (الكويت) عام 1991، فقد سعت إيران إلى امتلاك برنامج نووي عسكري يفضي إلى إثبات دورها الإقليمي، وتوسيع هذا الدور ليكون الأقوى في المنطقة إن لم يكن الأوحد، وزامنت ذلك، بتطوير كبير لقدراتها الصاروخية، ومنظومات الدفاع الجوي والدفاع الساحلي، إضافة إلى توسيع نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي في العراق والخليج العربي وسوريا ولبنان وغيرها.

وكلما تحقق للقيادة الإيرانية تقدم بخطوة نحو الهدف النووي المنشود زادت رغبة الكثير من الإيرانيين بالتمسك بحق الحصول على السلاح النووي لإعادة أمجاد فترة الغطرسة الإيرانية في المنطقة، ولإعادة التعامل معها من قبل الغرب كقوة أساسية وقطب عالمي لا يمكن تجاهله في الحسابات الدولية.

نعود للصورة التي يمكن أن تكون قاتمة، لكنها قد تكون قائمة بعد حين سواء رضينا بهذا أم لم نرض، إيران النووية كـ(أمر واقع)، فوفقا لتصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية فإن "إيران مستمرة في توسيع نطاق قدرتها في تخصيب اليورانيوم لامتلاك التسليح النووي، بجانب توسيعها لنطاق قدرتها في إنتاج الوقود النووي وتوسيعها لنطاق منظوماتها الصاروخية البالستية".

السؤال الأكبر ربما يكون عربيا، يتعلق بأفضل الخيارات لمواجهة خطر إيران النووية، هل ستسعى لكسب ودها، أم ستسعى دول خليجية بعينها أو ربما غير خليجية للحصول على القوة النووية كعامل ردع وتوازن للقوى في المنطقة؟
فهل سيكون للمباحثات بين مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بشأن البرنامج النووي الإيراني لاحقا أية جدوى؟ خاصة وأن ظريف يرى أن هناك مبدأين مرتبطين بالمجال النووي، هما "أولا احترام حقوقنا في التقنية النووية ولاسيما تخصيب اليورانيوم، وثانيا تهدئة المخاوف الدولية (بشأن البرنامج)".

وفي موضوع التهدئة خصوصا يكمن الخطر الذي تداهن وتراوغ به إيران، فمثلما كسبت وقتا ثمينا طيلة هذه السنين لإكمال مشروعها النووي ستفعل ذلك لبضعة أشهر هي تحتاجها فعلا لإنتاج سلاح نووي، وعند ذاك ستضع طهران العالم أمام الأمر الواقع، وستستطيع أن تساوم من موقع أقوى.

وعند هذه اللحظة لن يتمكن أي طرف من التصدي للمشروع حتى إسرائيل التي تجد نفسها اليوم في ظرف بالغ الدقة والصعوبة، ويجد نتنياهو نفسه من خلاله أمام خيارات أحلاها مر فيما يجب فعله تجاه اقتراب إيران من الإنجاز الأخطر والأكبر على الكيان الصهيوني منذ اغتصابه لأرض فلسطين العربية.

السؤال الأكبر ربما يكون عربيا، وهو بشكل أدق عربي خليجي، ما هي أفضل الخيارات لمواجهة الخطر الإيراني في حالة اعتبار إيران دولة (أمر واقع) نووية؟ هل ستسعى دول الخليج لكسب ودها وتغيير إستراتيجياتها القائمة حاليا بشكل كامل ونهائي؟ أم هل ستسعى دول خليجية بعينها أو ربما غير خليجية للحصول على القوة النووية كعامل ردع وتوازن للقوى في المنطقة؟

أم أن إيران النووية ستفرض أجندتها الجديدة في المنطقة يساعدها في ذلك الغرب ضمانا لمصالحه وأمنه القومي؟ أم ستؤجل إسرائيل كل هذه التساؤلات بضربات مباغتة تشعل حربا مؤقتة جديدة في المنطقة وتؤخر الحلم الإيراني بضع سنين؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك