أكرم البني

أكرم البني

أكرم وجيه البني

لا يزال المشهد المصري يحظى باهتمام السوريين، وتتخلل أحاديثهم عن أوضاع وطنهم وما ينتظره أحاديثٌ عن التطورات الجارية في مصر وتداعيات ذلك على مستقبل التغيير والأمل المشترك بغد حر وواعد للشباب العربي المقهور.

قبلها، لم يقف السوريون عند شعورهم بالغبن حين بدأت أخبار مصر تطغى منذ 30 يونيو/حزيران الماضي على ما يجري في بلدهم من تنكيل وتدمير وتمنح العنف فرصة لإطلاق أدواته الفتاكة بمنأى عن التركيز الإعلامي، بل بقيت عيونهم مشدودة تراقب باهتمام تطور المشهد هناك، وتتفاعل معه عبر مروحة واسعة من الآراء والمواقف، بعضها ظهر جلياً وبعضها لا يزال موضع تشوش وغموض.

بداية، يصح القول إن هناك ما يشبه الإجماع لدى السوريين على اختلاف اصطفافاتهم على أن ما يحصل في مصر هو قضيتهم بامتياز وتعنيهم بقدر ما تعني المصريين، ربما بسبب العلاقة التاريخية الخاصة بين الشعبين اللذين صنعا أول وحدة عربية في التاريخ، وربما بسبب شيوع إحساس بأن نتائج ما يحدث هناك سوف تنعكس بشدة على أحوالهم وعلى وتيرة وأفق الصراع المستعر في بلدهم، وربما لأن الشعب المصري تميز باستقباله السلس لمئات ألوف اللاجئين السوريين، وتوفير السكن وفرص العمل والدراسة لهم، من دون تذمر أو منّة، بخلاف أحوالهم وما يعانوه في بلدان الجوار.

ثمة سوريون كثيرون يتخوفون من أن تفضي التطورات الراهنة في مصر إلى استئثار العسكر بالحكم وإجهاض آمال ملايين المصريين في التغيير الديمقراطي، وتالياً العودة إلى ما يشبه مرحلتي عبد الناصر وحسني مبارك

وما أن تتوغل أكثر في اختبار الأفكار والنفوس، حتى تظهر الاختلافات في المواقف والمشاعر، فثمة سوريون سارعوا لمجاراة الإعلام الرسمي والترويج لما يحدث في مصر كأنه نصر للنظام وهزيمة للإخوان المسلمين عموماً ولإخوان سوريا كونهم يحوزون وزناً لافتاً في المعارضة، وتالياً هزيمة للشعارات الدينية وللصورة النمطية ذات الطابع الإسلامي التي بدأت تسم الثورة السورية.

هذا الأمر شجع الطعن بصدقية الإسلام السياسي في رفع شعارات الحرية والدولة المدنية، وبأن التجربة المصرية هي أكبر دليل على عجز هذا النوع من القوى السياسية عن الوفاء بالتزاماته وبوعود أطلقها عندما كان في المعارضة! وفي المقابل ثمة من يأسرهم التناغم بين السياسي والديني ويميلون بمشاعرهم للتضامن مع الشرعية، وتسمع أصواتا، تعتبر عزل مرسي هجوماً مدروساً ومبيتاً على الإسلام والمسلمين لإجهاض حلمهم بنهضة شاملة دشنها وصول الإخوان إلى حكم مصر.

يعتقد بعض السوريين أن الأمور ستذهب نحو الأسوأ بعد استخدام العنف لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وبعد استمرار الاعتقالات لقادة الإخوان المسلمين وكوادرهم، وإذ يرجح البعض أن لا يسّلم إخوان مصر بهزيمتهم وأن يتوسلوا ما يمتلكون من قوى وقدرة على التأثير في الشارع، لا يحبذ البعض الآخر هذا المسار، ويعتقد بأنه سوف يكبد المصريين -شعبا ووطنا- أثماناً باهظة، مفضلاً التحلي بالشجاعة للتعامل مع ما حصل كأمر واقع والعمل على رفضه ثم تغييره سلمياً من خلال تصحيح العلاقة مع الشعب وإظهار جدية سياسية في المشاركة بوضع دستور جديد وفي العملية الانتخابية البرلمانية والرئاسية.

ثمة سوريون كثيرون يتخوفون من أن تفضي التطورات الراهنة في مصر إلى استئثار العسكر بالحكم وإجهاض آمال ملايين المصريين في التغيير الديمقراطي، وتالياً العودة إلى ما يشبه مرحلتي عبد الناصر وحسني مبارك، وتكرار الصورة النمطية التي كرسها ماض سياسي عربي زاخر بالانقلابات العسكرية، خاصة وأن الجيش المصري لا يزال يمتلك وزناً معنوياً وسياسياً في الشارع ويحوز من القوى والانضباط ما يسمح له بتكرار نموذج السلطة العسكرية، ولا ضير أن يلون المشهد ببعض الواجهات السياسية ومن خلفها يدير الجيش البلاد كما يريد.

وفي المقابل ثمة من يخفف من وقع الانقلاب العسكري، ويعتقد أن الثورة المصرية في صيرورتها وامتدادها قد تفتح الطريق أمام دور تاريخي جديد ومنتظر للجيش في الحياة السياسية العربية، بصفته أداة عمومية لحراسة أمن الوطن ومؤسسات الدولة الديمقراطية، وليس وسيلة للاستئثار والاستبداد وفرض السيطرة بالقوة العارية على السلطة والدولة والمجتمع.

ثمة آراء تجد أن الإخوان المسلمين لم يحسنوا التصرف في السلطة وارتكبوا أخطاء سمحت بتحول المزاج الشعبي ضدهم، من خلال محاولة الاستحواذ على مؤسسات الدولة وتقديم شرط الانتماء إلى صفوف الجماعة على شرط النزاهة والكفاء

وعند هؤلاء ثمة حيثيات جديدة تفرض نفسها اليوم، منها أن الدور الذي يقوم به الجيش جاء استجابة لتحركات جماهيرية واسعة، ومن ضمنها قطاعات كبيرة تعي مثالب تمكين العسكر من الحكم وحذرت منه وحاربته في المرحلة الانتقالية التي تلت إسقاط حسني مبارك، ومنها المناخ العربي والدولي الجديد الذي لا يحبذ أن تلعب الجيوش دوراً سياسياً مهماً ونافذاً، على عكس مرحلة الحرب الباردة. في تلك المرحلة، كانت الانقلابات العسكرية مجرد أدوات في "لعبة الأمم" وتلقى الترحيب والتشجيع من مختلف الدوائر العربية والعالمية.

ومنها أن مسألة الحريات السياسية والإعلامية صارت أشبه بخط أحمر يصعب على أية سلطة جديدة تجاوزه من دون أن تقع في مطب العزلة والرفض، وهي الحريات التي تشكل ألد أعداء السلطات الاستبدادية ونقطة ضعفها في الاستفراد بالحكم. ومنها أيضاً -وهذا شرط لازم- أن غالبية القوى السياسية المصرية تعي مخاطر وصول الجيش إلى الحكم وتحذر من تبعاتها وقد عانت منها كثيراً، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون أنفسهم، مما يرجح إذا تجاوزوا محنتهم الراهنة وبدؤوا العمل والتعاون مع مختلف القوى الديمقراطية، أن يتمكنوا من معالجة خطر تمكن الجيش من السلطة وإبعاد هذه الكأس عن مصر.

وبين هذا وذاك ثمة من يحذر من وضع اليدين في الماء البارد، والاستناد إلى بعض الطمأنات لإثارة أمل كاذب في النفوس، ويطالب على العكس بأن تشهد المرحلة القادمة أقصى درجات اليقظة والحذر وأيضاً الجهود لتعزيز المشتركات الديمقراطية وبناء الاصطفافات والتحالفات السياسية والمدنية القادرة على تحجيم محاولات الجيش التطاول على السلطة والدولة.

ويوجه أصحاب هذا الموقف انتقادات حادة لمن وضع بيضه في سلة الجيش المصري أو سارع لتبيض صفحة الحكم العسكري الاستبدادي متناسياً إخفاقاته الوطنية وما سببه من آلام ومآس، ومنتقداً أيضاً التراجع اللافت لفعاليات المجتمع المدني التي حشدت مظاهرات 30 يونيو/حزيران والتي عليها اليوم أن تقرن أقوالها الديمقراطية بأفعالها وتزيد من تراص صفوفها ودورها كي تمنع العسكر من التمدد والسيطرة.

من جانب آخر ترفض غالبية السوريين إزاحة سلطة الإخوان في مصر بالقوة، وإذا كانت هناك آراء تقف مع الشرعية وترفض بالمطلق أي انتقاد لها أو اعتراض عليها، بل تعتبر ما جرى مؤامرة مدبرة ضدها، فثمة آراء تجد أن الإخوان المسلمين لم يحسنوا التصرف في السلطة وارتكبوا أخطاء سمحت بتحول المزاج الشعبي ضدهم، مرة في محاولة الاستحواذ على مؤسسات الدولة وتقديم شرط الانتماء إلى صفوف الجماعة على شرط النزاهة والكفاءة، ومرة لتأخرهم في تقديم مبادرات موضوعية ترضي الناس في لحظات تصاعد الأزمة، كالموافقة على إجراء استفتاء لانتخابات مبكرة، أو إصدار إعلانات جريئة تلغي بعض القرارات المثيرة للجدل.

إخوان مصر هم أكثر الأطراف إدراكاً بأن تواضعهم وقربهم من هموم المجتمع هو الذي منحهم تعاطف الناس وثقتهم، وأن إدارة الظهر لهذه الطريق يفقدهم القوة الشعبية
فإخوان مصر هم أكثر الأطراف إدراكاً بأن تواضعهم وقربهم من هموم المجتمع هو الذي منحهم تعاطف الناس وثقتهم، وأن إدارة الظهر لهذه الطريق يفقدهم القوة الشعبية، التي من دونها لا يمكن، في الخصوصية المصرية، مقاومة الثورة المضادة أو دور الجيش المصري العريق، ولهم في التجربة التركية خير مثال، فاستمرار تواصل حزب العدالة والتنمية مع الناس واهتمامه بحقوقهم وحياتهم الكريمة مكّنه من الاستمرار في الحكم دورتين ومن إزاحة تدريجية لتأثير المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

وهنا يجد البعض أن ما حصل في مصر هو درس كبير لجماعات الإسلام السياسي، التي ما إن تصل إلى السلطة حتى تتراجع شعبيتها وقدرتها على تمثيل الصالح العام، وتفشل في الحفاظ على الثقة التي منحها الناس لها، الأمر الذي يفرض عليها مراجعة مفاهيمها وسياساتها وطرق عملها، واستنتاج العبر المناسبة، وأهمها التخلص من أوهام سلاسة الهيمنة السياسية على مجتمعاتنا لأنها مجتمعات إسلامية وحكر على هذه الجماعات بصفتها تنظيمات تستمد من الدين قيمها ومواقفها، وإدراك أن الاستئثار بالسلطة بمجرد الوصول إليها حتى ولو عبر الانتخابات الشعبية والإصرار على فرض الوصاية باسم الدين ونمط خاص من الحياة على المجتمع هو أمر خاطئ ومؤذٍ، وإن نجح لبعض الوقت فإنه لن يدوم.

ويعني ضرورة تجديد حضورهم بصفتهم قوى سياسية تهتم أساساً بحقوق البشر وشؤون حياتهم ومصالحهم، وتتمثل قول الرسول الكريم "أنتم أدرى بشؤون دنياكم" للنأي بالدين وقدسيته عن دنس الحياة ومستنقع السياسة، مما ينعكس أيضاً على التيارات السياسية الأخرى من يسارية وليبرالية، فيحررها من إطلاقيتها، ومن خوفها المزمن من قدرة الإسلام السياسي على ابتلاع المجتمعات ويزيل من النفوس حالة العداء وعدم القبول المتبادل.

على الجميع أن يعترف، بعد ثورة إعلامية أشاعت المعلومات ووسائط التواصل الاجتماعي الإلكتروني، بأن زمن الوصاية قد ولى، وأن موسم الأيديولوجيات قد انقضى، وأنه لم يعد من مشروعية ثورية اشتراكية أو قومية أو دينية أو غيرها يمكن أن تقنع البشر بتأجيل حقوقهم ودورهم ومشاركتهم، وأن خلاص مصر من الاستبداد كنموذج متقدم للثورات العربية لن يتحقق إلا عبر العودة إلى مصالحة شاملة وإلى وقف التوترات والاحتقانات واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف، والحض على التسامح ورفض الاستئثار أو الإقصاء لأي كان، بل منح الجميع الشروط والفرص ذاتها للمشاركة في صنع المستقبل المصري.

الديمقراطية لا تستمد معناها الحقيقي من أيديولوجية أو مشروعية ثورية، بل من رضا الناس وقبولهم وحرية اختيارهم، ومن نيل ثقتهم مما تقدمه السلطة لهم عملياً لضمان حقوقهم وحاجاتهم والأخذ بأيديهم في طريق التطور والارتقاء

فالديمقراطية لا تستمد معناها الحقيقي من أيديولوجية أو مشروعية ثورية، بل من رضا الناس وقبولهم وحرية اختيارهم، ومن نيل ثقتهم مما تقدمه السلطة لهم عملياً لضمان حقوقهم وحاجاتهم والأخذ بأيديهم في طريق التطور والارتقاء، وهي تالياً ليست صناديق الاقتراع فقط على أهمية احترام نتائج الانتخابات وما تقرره الإرادة الشعبية، بل عملية سياسية وتربوية شاملة، تبدأ بمرحلة انتقالية تؤسس لقواعد وتوافقات تقوم على مفهوم المواطنة وقيم الحرية والمساواة والكرامة والعدالة، ولا تنتهي بالانتخابات الدورية واحترام تداول السلطة وضمان حقوق الإنسان وفصل السلطات وسيادة القانون.

قلق السوريين من تطور غير محمود للأحداث المصرية عميق، ليس فقط لأنهم يناصرون الأساليب السلمية والمدنية، ويرفضون الاستبداد العسكري أياً تكن ذرائعه وقد عانوا منه الأمرين، وينبذون العنف الأعمى الذي ما من أحد مثلهم اكتوى بناره، وليس لأنهم يدركون التأثيرات السلبية على ثورتهم إذا فشلت جموع المصريين في تعزيز وحدتها الوطنية وإحياء روح المشاركة والعمل لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، بل أساساً بدافع من رغبة صادقة بأن لا تذهب الأمور نحو الفوضى والصراع الأهلي وتغرق مصر في دوامة التفرقة والقتل وحمامات الدم.

"لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل أن لا تحدث اندفاعات مغرضة تفقد الشعب المصري وقواه السياسية على اختلاف أطيافها أمله في بناء مجتمع العدالة والحرية"، يستهل أحدهم حديثه ويستدرك متمنياً نجاح الخيار السلمي، خيار مد الأيادي بين الجميع وللجميع، خيار الاحتكام إلى الناس وإلى الدولة ومؤسساتها في التوفيق بين المصالح والمواقف المتباينة غامزاً من هذه القناة إلى رفض حكم العسكر وأي استبداد جديد مهما تكن المسوغات، وإلى أهمية وحدة الشعب المصري وابتعاده عن الاستقطابات الحادة ونوازع التطرف والإقصاء والمغالاة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك