خالد وليد محمود

خالد وليد محمود



ما زال الغموض يلف الموقف الرسمي الأردني مما يجري في سوريا، فعلى مدى عامين تقريبا من اندلاع الثورة حاول الأردن أن ينأى بنفسه قدر الإمكان عن التورط في الصراع الدائر هناك، مكتفيا بتوجيه رسائل النصح واستقبال تدفق اللاجئين على حدوده الشمالية.

بعد اندلاع الثورة السورية اتسمت الدبلوماسية الأردنية بحالة من "الضبابية" والتردد والجدل الذي لم ينقطع حتى اللحظة، عكس الموقف الشعبي المساند بقوة للثورة السورية ولرحيل الرئيس بشار الأسد.

وحتى منتصف عام 2012 كانت ثمة قناعة لدى صانع القرار الأردني بأن بقاء النظام السوري أفضل من سيطرة جماعات إسلامية متطرفة على السلطة في دمشق، لأن ذلك سيؤثر على موازين القوى في الأردن.

كما يخشى من تحول سوريا أو على الأقل الحدود الشمالية إلى الأنبار العراقية حيث مرتع السلفية الجهادية وتنظيم القاعدة.

وعلى هذه المقاربة المبنية على تجنب الأردن الانزلاق في دهاليز المشهد السوري المعقد، انتهجت الدبلوماسية الأردنية موقفا تدير من خلاله المشهد بطريقة فيها الكثير من الحذر وإلى حد ما التردد.

الموقف الرسمي الأردني الذي يتسم بالحذر والسير على خيط رفيع من التوازنات الدقيقة بين الضغوط المتداخلة داخليا وخارجيا، لم يكن يرضي أطرافا دولية وإقليمية رغم أنه يستمد قوته من الموقف الأميركي

على الرغم من أنّ العاهل الأردني كان أول زعيم (ينصح) الرئيس الأسد بتقديم استقالته وتمهيد الطريق إلى انتقال سلمي للسلطة، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن قناعة صانع القرار الأردني تنطلق من حسابات أخرى في ظل ضبابية السيناريوهات والرهانات غير المضمونة في التعامل مع المشهد السوري.

فالأردن يريد اللعب وفق سياسة متوازنة تفرضها معطيات أرض الواقع. لهذا يؤكد العاهل الأردني مساندته للجهود السياسية لضمان انتقال سلمي للسلطة يجنب سوريا ودول الجوار بما فيها الأردن الفوضى والحرب الأهلية، وفي الوقت ذاته يدعم بشكل مباشر قرارات الجامعة العربية ضد المجازر التي يرتكبها النظام السوري، ويساند منح الائتلاف المعارض مقعد سوريا بالجامعة العربية.

ويسعى من خلال ذلك إلى الإبقاء على مساحة تفاهم مع دمشق وعدم الانزلاق إلى تصعيد أكبر سواء بطرد السفير السوري من الأردن، أو تقديم دعم عسكري للمعارضة السورية، في الوقت ذاته يسمح بتنظيم مسيرات للمؤيدين للثورة السورية وكذلك مسيرات موالية للنظام السوري.

كما يحاول التناغم مع أدوار إقليمية ودولية بشكل يمكنه من مجاراة وضع صعب ينعكس بأقل الكلف على الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الأردني.

الموقف الرسمي الأردني الذي يتسم بالحذر والسير على خيط رفيع من التوازنات الدقيقة بين الضغوط المتداخلة داخليا وخارجيا، واللعب على المتناقضات في التعاطي مع "المعضلة السورية" لم يكن يرضي أطرافا دولية وإقليمية رغم أنه يستمد قوته من الموقف الأميركي الذي لم يكن قد حسم بشكل نهائي في كيفية التعامل مع الشأن السوري.

لقد أعطى الموقف الأميركي صانع القرار السياسي الأردني هامشا للمناورة من خلال مقاربة (معتدلة) رسمها الأخير تتمثل في استعداد الأردن تقديم دعم للمعارضة السورية المدنية والاعتراف بها لمواجهة التيارات العنيفة الناشطة عسكريا مثل جبهة النصرة، والتعاون مع شخصيات سياسية محسوبة على المعارضة السورية مثل رياض حجاب رئيس الوزراء السوري المنشق وفتح قنوات اتصال مع آخرين من المعارضين لإيجاد حل سلمي ينهي الأزمة السورية.

وبين هذه المتناقضات يسير الأردن على حبال مشدودة، ستواصل عمان المشي عليها على الأقل لكسب مزيد من الوقت، والمراوحة بمنطقة يشوبها الكثير من الغموض كطوق نجاة لدبلوماسية عمّان، مع التزام أكبر قدر من الصمت للوقت الذي يمكن أن يتحرك به المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة من أجل فرض نمط جديد في التعاطي مع الأزمة السورية.

والأرجح أن هذه السياسة ستبقى على حالها ما لم تلق تطورات الأزمة بثقلها على الأردن نهجا ومقاربة.

فبالإضافة إلى العامل الإقليمي والضغوط السياسية الخارجية التي يتعرض لها صانع القرار الأردني في مواجهة ملف الأزمة السورية الشائك، والحالة الأمنية والعسكرية على حدوده الشمالية وتحديدا في محافظة درعا.

وهو ما دفع عمان لتشعر بالقلق بعد أن أصبح المقاتلون الإسلاميون على مرمى حجر من حدودها، وبدأت الأحياء المحافظة السورية الأقرب للمملكة تسقط بيد الثوار تباعا مع سقوط قذائف على شمال الأردن.

ستواصل عمان السير على حبال مشدودة، وبين متناقضات عديدة، كسبا للوقت، ومراوحة بمنطقة يشوبها الكثير من الغموض، مع التزام قدر أكبر من الصمت انتظارا لتحرك دولي فاعل

تلك الظروف والإكراهات جعلت صانع القرار الأردني يدعو إلى أخذ الاحتياطات والاستعدادات اللازمة للتعامل مع أي تطورات محتملة لحماية المملكة، خاصة وأن وجه المنطقة -التي تشهد فترة عصيبة فرضها واقع الأزمة السورية- سيشهد تغيرا كبيرا يدخلها في حسابات جديدة يجب التحوط لها والتعاطي معها بحكمة وبعد نظر.

وكان وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال الأردني محمد المومني قد أكد أن تداعيات الأزمة السورية وصلت مرحلة التهديد للأمن الوطني الأردني.

ولا شك أن من بين الأسباب التي تجعل الأردن فاعلا في الأزمة السورية هو أولا مستوى تأثير وتداعيات هذه الأزمة على الأمن القومي الأردني، وثانيا حجم تدفق اللاجئين السوريين إليه.

ويتعاطى الأردن مع قضية اللاجئين السوريين وفقا لمعطيات ومحاذير لم تكن ظاهرة في الملف العراقي سابقًا.

ووفق الأرقام الرسمية الأردنية فإن أعداد اللاجئين السوريين في الأردن وصلت إلى نسبة تقارب الـ9 بالمائة من مجموع الكلي للسكان في المملكة.

وترتفع هذه النسبة في بعض المحافظات التي تشهد وجودا كثيفا للاجئين السوريين، لتصل إلى أكثر من 25%، بينما يبلغ عدد اللاجئين السوريين الذين دخلوا الأراضي الأردنية منذ بداية الأزمة السورية نحو 514830 لاجئا، بحسب الناطق الإعلامي لشؤون مخيمات اللاجئين السوريين أنمار الحمود.

وفي مخيم الزعتري للاجئين وحده وصل العدد إلى 175230 لاجئا، ويستقبل الأردن ما يقارب ألفين إلى ثلاثة آلاف لاجئ سوري يوميا، وإذا استمر معدل التدفق خلال هذا العام 2013 حسب متوسط الربع الأول من نفس العام والذي بلغ 206 آلاف لاجئ فستتضاعف أعداد اللاجئين السوريين القادمين إلى المملكة، حيث يتوقع أن يصل عدد السوريين إلى أكثر من مليون لاجئ نهاية العام.

التصريحات الرسمية الأردنية تقدر تكلفة استضافة 460 ألف لاجئ دخلوا المملكة، وينتشر منهم حوالي 330 ألفا في المدن والقرى الأردنية، بحوالي 380 مليون دينار أردني (الدولار الأميركي يساوي 708.0 دينارات أردنية) للعام 2013، وسترتفع التكلفة بشكل كبير لتتجاوز مليار دولار في حال تضاعفت أعداد اللاجئين في المملكة كما هو متوقع، علما أن التكاليف الكبرى حاليا تأتي من الدعم السلعي، البالغ 130 مليون دينار، تليها تكاليف الطاقة (55 مليون دينار)، والصحة (أربعين مليونا)، والأمن (35 مليونا)، فالتعليم (13 مليونا)، والمياه (15 مليونا)، وغيره.

على المستوى الداخلي، يبدو أن ثمة اتفاقا لدى أغلبية الرأي العام الأردني في رؤيتهم للأزمة السورية يقضي بضرورة تغيير النظام في دمشق وتنحي بشار الأسد، ولكنهم ضد التدخل الأجنبي من أجل التغيير.

أما الموقف الرسمي الأردني فيقف بين غالبية الشعب التي تساند بقوة الثورة السورية خاصة الحركة الإسلامية المعارضة التي تقوم بمسيرات واعتصامات تهتف ضد النظام السوري، وترفع حجم ضغوطها على مطبخ القرار في عمان لاتخاذ مواقف أكثر صلابة ووضوحا من النظام في دمشق، وبين نخبة سياسية قومية ويسارية ترتبط بالنظام السوري ومحافظة قلقة من الوضع هناك تبعث برسائل تحذيرية للحكومة الأردنية من اتخاذ أي موقف "عدائي" في الشأن السوري أو الاستجابة للضغوط الغربية والخليجية.

وصلت أعداد اللاجئين السوريين بالأردن إلى نحو 9% من مجموع السكان، وهو ما يجعل الأردن يتعاطى مع هذه القضية وفقا لمعطيات ومحاذير لم تكن ظاهرة بالملف العراقي

وعليه، يتضح أن الإجماع الرسمي والشعبي في الأردن يتمثل في الدعوة لابتعاد الأخيرة عن أي ترتيبات عسكرية تنخرط بها لاستهداف سوريا أو أي وجود عسكري على الأراضي الأردنية، بينما يدور الخلاف بين مطالب شعبية تناصر الثورة وتتعاطف معها وتدعو إلى تنحي الأسد وبين عدم وجود إجماع داخل مراكز القرار نحو الموقف المطلوب من النظام السوري، مما قد يحدث انقسامات قد تتسع في المشهد الأردني -خاصة إذا ما طال أمد الأزمة دون حسم- بين النخب السياسية والشعبية أي بين مؤيدي الثورة وأنصار "نظام الأسد".

خلاصة

الثابت العلني لغاية كتابة هذه السطور في الموقف الرسمي الأردني تجاه سوريا يتمثل في عدم وجود أي استعداد للتدخل عسكريا، وعدم منح تسهيلات لأي قوات أجنبية يمكن أن تخطط للتدخل، وبالبحث عن حل يكفل عدم سيطرة الإسلاميين على الحكم بعد الأسد أو تقسيم سوريا أو تحوله حصنا للجماعات المتطرفة، وهذا هو جوهر توجهه السياسي في اللحظة الحالية.

وينطلق هذا الموقف لعمّان من عدة اعتبارات تبدأ من تداعيات الأوضاع المتدهورة في سوريا على الأردن خاصة التطورات المتتابعة والسريعة التي تشهدها الحدود الشمالية، مرورا بتدفق آلاف اللاجئين السوريين، وما لذلك من آثار اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية، وليس انتهاء بالضغوطات التي تمارس على النظام الأردني داخليا وخارجيا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات