غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


 
مبررات الحرب
سياقات التدخل
التداعيات

حرب جديدة تخوضها أميركا في الشرق الأوسط بعد تردد طويل، وبعد انتظار مليء بتفاصيل موت السوريين وتشردهم، ومن الطرافة غير المحمودة في لجج النار المشتعلة أن يكتشف السوريون أن هذا التدخل العسكري لم يكن صعبا تقنيا على نحو ما أوحت به تصريحات المسؤولين العسكريين الأميركيين طوال الفترة السابقة.

فالتحضيرات الجارية للتدخل العسكري تؤكد أن الأمر لم يتعد أكثر من تحريك بعض السفن ووضعها في مواضع قتالية، مما يعني أن التدخل لم يكن مرغوبا فيه لتنافيه مع السياسة العامة للإدارة الحالية، وأن التدخل الذي يحصل الآن يعني حصول تطور جذري لرؤية هذه الإدارة لمصالحها في المنطقة.

مبررات الحرب
تستند الحملة العسكرية لضرب نظام الأسد في سوريا على جملة من الاعتبارات القانونية والسياسية إذ يتأسس الموقف الأميركي على مرجعية قانونية دولية تتمثل باتفاقية جنيف لحماية المدنيين واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي لم توقعها سوريا.

وبذلك فإن المبرر الأميركي للتدخل يستند بشكل كبير على استخدام السلاح الكيميائي وبناء قضية دولية لمنع انتشاره وإحياء قوة الردع الأميركية في هذا المجال.

لو أعلنت القوى الغربية نيتها إسقاط نظام الأسد فإن ذلك يلزمها تبعات أخرى تتعلق بتوفير البدائل، وهو مأزق له تبعاته السياسية الأشد ضررا من مجرد توجيه ضربة عسكرية تضعف النظام

ولم يبتعد الموقف الفرنسي عن هذا الإطار حيث استند الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى مبدأ "مسؤولية حماية المدنيين" الذي أقرته الأمم المتحدة ليعلن مشاركة بلاده في العمل العسكري.

في حين أخذ الموقف البريطاني طابعا سياسيا أكثر وضوحاً إذ اعتبرت لندن أن السكوت على استعمال الأسد للكيميائي سيشجع دكتاتوريين آخرين على أنه بإمكانهم أن يفلتوا من العقاب حتى لو استخدموا الأسلحة الكيميائية بشكل أوسع.
أما النظام العربي (جامعة الدول العربية) فقد حمل النظام السوري المسؤولية التامة عن استخدام الأسلحة الكيميائية، ودعا إلى تقديم المتورطين في هذه الجريمة النكراء كافة إلى محاكمات دولية عادلة أسوة بغيرهم من مجرمي الحروب.

وبعيدا عن التبريرات القانونية والإنسانية التي توفرت أصلاً في الحدث السوري منذ زمن بعيد، وصحيح أن الغرب كان محرجا تجاه إجرام الأسد وتجاوزه للخطوط الحمر مراراً، لكن هذا الإحراج ليس هو الذي دفعهم للتحرك اليوم، وإنما المصلحة السياسية من جهة، ودفعُ سياسات دول عدة بهذا الاتجاه.

وأول هذه الدول إسرائيل التي كانت سياستها تقوم على أساس عدم التدخل في الحدث السوري، باعتبارها المستفيد الأول مما يجري من دمار لسوريا وإضعاف للفريقين، النظام والثوار، لكن مع دخول الكيميائي الميدان غيّر رئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيليان من مواقفهما، حفاظاً على سياسة الردع، ولئلا يصبح استخدام الكيميائي أمرا مقبولا ضمن الصراع الحالي في المنطقة، أي تجاه إسرائيل تحديدا.

سياقات التدخل
تذهب معظم التأكيدات الغربية إلى أن الضربة العسكرية هي نوع من العقاب وليس الانتقام، ولا تهدف لإسقاط النظام بل معاقبته، وبناء عليه تذهب معظم الترجيحات إلى الاكتفاء بضربات نوعية لأهداف تتبع لهذا النظام.

وفي الواقع يمكن تفسير هذه التوجهات كالآتي:
القوى الغربية وعلى رأسها أميركا لو أعلنت وبشكل واضح عن إصرارها على إسقاط نظام الأسد فإن هذا الأمر يلزمها تبعات أخرى تتعلق بتوافر البدائل عن هذا النظام، وهذا مأزق له تبعاته السياسية الأشد ضررا من مجرد توجيه ضربة عسكرية، تساعد على تقهقر النظام وبالتالي زواله سريعا.

ويؤكد هذا التوجه تسريبات صدرت عن اجتماع قيادات الأركان العسكرية في عمان من أن غاية الضربة ليست إسقاط النظام السوري، وإنما ردعه، وإن كانت الضربة المقررة ستضعفه بشدة وتسرّع من سقوطه.
غير بعيد عن حقيقة النوايا التي تضمرها الأطراف من هذا التدخل العسكري، إلا أن ثمة حقائق سترسخها الضربة الأولى وستتأكد بشكل أوتوماتيكي من اليوم الأول للمعركة

وقد دعّم هذا التوجه تقدير سعودي يقوم على أساس أن لا مصلحة بسقوط سريع وفوري للنظام السوري، وإنما الأفضل ترجيح كفة الثوار، وتعزيز قدرات الفصائل غير المتشددة، لتشكل بديلا طبيعيا عن النظام حال سقوطه بعد مدة.

التفسير الثاني أن ذلك لا يعدو كونه مجرد تخدير للقوى الحليفة للنظام السوري وخاصة روسيا وإيران وعدم استفزاز لها بالإعلان عن النية الصريحة بإسقاط النظام، كما أنه محاولة لردع النظام عن أي تصرفات متهورة وبعث الأمل في صفوفه بأن بقاءه واستمراره أمرا ممكنا في حال تعامل مع الأمر على أنه مجرد ضربة وسينتهي الأمر.

غير أنه وبعيدا عن حقيقة النوايا التي تضمرها الأطراف من هذا التدخل العسكري، إلا أن ثمة حقائق سترسخها الضربة الأولى وستتأكد بشكل أوتوماتيكي من اليوم الأول للمعركة:

أولاً: التدخل سيجرّ تدخلا آخر، وحين يجري كسر القاعدة وتجاوز كل التعقيدات الدولية والعملية والنفسية التي أحاطت بهذه الضربة، فإن أيّ ضربة أخرى تصبح مسألة بديهية وعادية وطبيعية، فالظروف لا تنضج كل يوم والقوى الكبرى عادة تعرف هذه المسألة تماماً وتعرف كيف تنتهز الفرص، وبلا شك تدرك القوى المشاركة في العملية أن الوقت ملح وقاطع سواء بالنسبة لرأيها العام أو بالنسبة للقوى الدولية الأخرى.

ثانياً: الضربة أصلا ذات طابع سياسي، إذ إنها ستكسر مبدأ عدم التدخل الخارجي في سوريا لصالح التدخل، ما يعني أنها ستؤسس لواقع جديد لم تعرفه الأزمة السورية، وستشرع الباب أمام مرحلة سياسية جديدة يبدأ معها العد العكسي لسقوط النظام السوري.

ثالثاً: الضربة العسكرية مهما كان حجمها ستولّد دينامية عسكرية ودبلوماسية، وتشكل تطوراً تأسيسياً في الملف السوري. فهي ستعني أنّ التوازن الذي نجحت روسيا في إقامته دولياً بتعطيل أيّ قرار يشرع التدخل في سوريا، انكسر لصالح المحور الداعم لهذا التدخل.

وفي معزل عما إذا كان تجاوز موسكو ينطوي على صفقة أو فرضته الأحداث المتصلة بالكيميائي، إلا أنّ النتيجة تبقى واحدة.

رابعاً: الضربة العسكرية تمنح المعارضة اندفاعة عسكرية وخاصة في ظل إمكانية تدفق العتاد العسكري عليها، مقابل حالة الإحباط والتضعضع المتوقع أن تصاب بها قوات النظام وحلفاؤها.

التداعيات
جملة واسعة من التداعيات يتم تقديرها من قبل الأطراف المتابعة للحدث، بعضها يقوم على بدهيات وحتميات تفرضها طبيعة التحالفات القائمة في المنطقة، وبعضها يقوم على حسابات قائمة على معادلات نظرية صرفة.

التقدير الأول: انهيار النظام بعد فترة قصيرة من بدء الضربات ضده، ويستند هذا التقدير على حقيقة فقدانه السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد، فضلا عن الإنهاك الذي أصاب مؤيديه جراء المواجهة المستمرة منذ سنتين ونصف، الأمر الذي قد لا يؤدي إلى سقوط الحلقة الضيقة للنظام بفعل الضربات الجوية والصاروخية، لكنه قد يتسبب في تداعي القاعدة التي يرتكز عليها، وربما في حالات هروب واسعة في صفوف قواته وأجهزته الأمنية.

وهذا احتمال وارد جداً، ولا يبدو أن الإدارة الأميركية تحبّذه لأنه يخل بتصوراتها عن الحل السياسي الذي يحتفظ بجزء معتبر من النظام بعد تنحية رموزه، ولأنه أيضا قد يؤدي إلى سيطرة شبه تامة لكتائب المعارضة غير الموحدة وغير المتفقة على البديل.

التدخل سيجر تدخلا آخر، وحين يجري كسر القاعدة وتجاوز كل التعقيدات الدولية والعملية والنفسية التي أحاطت بهذه الضربة، فإن أي ضربة أخرى تصبح مسألة بديهية وعادية

التقدير الثاني: أن ينفذ الأسد وحلفاؤه خيار شمشوم، "علي وعلى أعدائي" فيهاجم إسرائيل عسكرياً كما قال سابقا إنه سيفعل لجر المنطقة إلى أتون حرب كبيرة، علماً أنه يقدم على الانتحار بذلك؟

كما أن أميركا قلقة أيضاً من تهديد إيران بالرد مباشرة عليها وعلى حلفائها في الخليج إذا ضربت سوريا، الذي جاء على لسان عسكري رفيع المستوى.

ومن المؤكد أن عملا كهذا سيكون انتحارا لإيران، علما بأنه قد يكون جراء استحكام عقدة شمشوم نفسها بحكامها، ذلك أنه سيوفر لأميركا الذريعة لضرب البرنامج النووي الإيراني.

التقدير الثالث: أن تؤدي الضربة العسكرية إلى فتح أفق الحل في المنطقة لا الحرب، كما حصل بعد حرب العراق عام 1990، فيصار إلى فرض الحل على السوريين عبر جنيف2، وإنجاز تسوية إقليمية شاملة بدأت نذرها في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وانطلاقا من حقيقة أن تؤدي الضربة إلى إعادة خلط الأوراق ودفع الأمور نحو التسوية الإقليمية، وإعادة ترتيب البيت السوري على قواعد جديدة تخرج النظام الحالي من الحكم.

يبقى أنه من أخطر التداعيات المتوقعة، أن يعمد النظام إلى ارتكاب المذابح في المناطق التي تقع تحت سيطرته، ويقوم بإرجاعها إلى أخطاء عسكرية ارتكبتها القوات المعادية، وذلك بهدف الضغط على هذه القوى لوقف عملياتها ضده وإحراجها أمام الرأي العام الدولي.

وقد يحصل ذلك أصلا خارج إرادة النظام من قبل الكثير من التشكيلات العسكرية المليشياوية ذات الطابع الطائفي التي شكلها النظام في الآونة الأخيرة، والتي قد تعمد إلى القيام بعمليات انتقامية واسعة ضد السكان المدنيين وخاصة في لحظات انهيار النظام الأخيرة.

سوريا اليوم تحت النار، بعد مراوحة تحت الموت والدمار دامت لسنتين ونيف وبغض النظر عن كل تحفظ هنا أو هناك، حيال التدخل، يبقى أنه اليوم الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما تبقى من سوريا وإخراجها من حالة التعفن التي وقعت في مصيدتها، وإنقاذ المنطقة من الخراب الذي بات يتهددها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك