منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية

 أسباب الصراع 
عقبات على طريق الصلح
السلطة الإقليمية.. مشكلة أم حل

خرج الصراع في إقليم دارفور غربي السودان من عباءة المجموعات العرقية والإثنية، والتي كان يجافي فيها الخصائص والأصول السكانية لمجتمع متعدد ومتنوع مثل المجتمع السوداني، إلى صراع سمته السائدة التعصب القبلي.
 
وبعد أن كان تصنيف الاقتتال بين (عرب-زرقة) في إشارة إلى الانتماء إلى عرق عربي وآخر أفريقي، انتقل الآن إلى نزاع القبائل من أصل واحد تختلف مسمياتها القبلية مثل الصراع الدائر الآن بين قبيلتي المعاليا والرزيقات العربيتين.
 
حدث الصراع الأخير في ولاية شرق دارفور التي كانت بمنأى نسبيا عن العنف القبلي بينما كانت السمة الغالبة هي الاستقطاب الإثني الذي أخذ يجتاح ولايات دارفور منذ أوصلت النزاعات بالإقليم إلى حرب بدأت شرارتها عام 2003.
 
أسباب الصراع
بدأت الحرب في إقليم دارفور منذ عشر سنوات عندما حملت حركات دارفورية السلاح ضد الحكومة المركزية عام 2003، محتجة على تهميش المنطقة سياسيا واقتصاديا.
السبب الذي أدى لظهور القبيلة عنصرا فاعلا هو ضعف دور الدولة وانزواء أجهزتها الرسمية عن خدمة وحماية مواطني الإقليم، فكان اللجوء للقبيلة كقوة ولزعيمها كسند هو الملاذ في كسب الصراعات التي تبدأ صغيرة وتنتهي بحرب

ومنذ ذلك التاريخ مرت دارفور بالكثير من التوتر والعنف مع اتفاقيات عديدة لإحلال السلام في الإقليم. ورغم تراجع العنف قليلا في السنوات القليلة الماضية، فقد عاد مرة أخرى في تداخل لصراعات تفاقمت في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

تعود قبائل دارفور بشكل عام إلى إثنيات عديدة يصعب معها تحديد انتماءاتهم، وذلك لتداخل الأعراق بعضها مع بعض بحكم الجوار الأفريقي.

وبالاتجاه شرقا داخل العمق السوداني تتلاشى الاختلافات نسبيا في ولاية شرق دارفور أكثر من غيرها نسبة للمصاهرة مع القبائل العربية التي تتخذ من الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي لها. وتختلط الملامح المميزة لكل قبيلة، ورغم ذلك تصرُّ كل قبيلة على الاحتفاظ بمسمياتها وشكلها القبلي على حاله.

والسبب الذي أدى إلى ظهور القبيلة عنصرا فاعلا هو ضعف دور الدولة وانزواء أجهزتها الرسمية عن خدمة وحماية مواطني الإقليم، فكان اللجوء للقبيلة كقوة ولزعيمها كسند هو الملاذ في كسب الصراعات التي تبدأ صغيرة بصراع على مرعى أو أبقار وتنتهي بحرب.

وليس الدولة وحدها التي انسحبت، ولكن ساهمت في ذلك النخبة السياسية والثقافية أيضا والتي حاولت الاستفادة من هذا الوضع كقوة تضرب بها خصومها وتثير الفتن في ما بينها، فآزرت قبيلة ضد أخرى، ودخلت القبيلة كاسم مهم بدلا عن الأشخاص، وتم غض الطرف عن مقومات التنافس المبنية على الكفاءة لصالح اسم القبيلة.

وما أدى إلى استقواء القبيلة في دارفور أيضا وجود صراعات سياسية مبنية على العصبية القبلية وهي في الغالب تحركها مصالح شخصية وفئوية تسعى إلى كسب مناصب سياسية من خلال التكتلات والتناحر والمواجهات القبلية.

ما يدور الآن بين قبيلتي الرزيقات والمعاليا من صراع سبق أن وقع بذات الأسباب بين قبائل أخرى مثل السلامات والمسيرية، بين القمر والبني هلبة، وبين البني حسين والرزيقات.

والصراع بين هذه المكونات العربية خاصة قبيلتي المعاليا والرزيقات تعود أسبابه الأساسية إلى نزاعات حول الأراضي والمياه والمعادن، وقد برز عامل الأرض على خلفية الصراع بين قبيلتي الرزيقات والمعالية، ولم تنجح الدعوة إلى تسوية الخلاف حول الأرض التي نادى بها المجلسان القبليان لحل النزاع.

وتزايدت اتهامات الطرفين باستخدام أسلحة ثقيلة مع تزايد عدد الضحايا والنازحين من الجهتين، حيث ذكرت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور أن نحو 300 ألف شخص قد هجروا مناطقهم في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام 2013.

وقبل أعمال العنف الأخيرة التي سجلت هذا العام أقام حوالي 1.4 مليون شخص في ملاجئ بسبب النزاع في دارفور.

ما يدور الآن بين قبيلتي الرزيقات والمعاليا من صراع سبق أن وقع بذات الأسباب بين قبائل أخرى مثل السلامات والمسيرية، بين القمر والبني هلبة، وبين البني حسين والرزيقات

وتعود أسباب النزاع بين القبيلتين إلى صراع تاريخي بين القبيلتين منذ ستينيات القرن الماضي، زاد الآن بتورط بعض القوات النظامية في الصراع الدائر من جهة وتدخل الحركات المسلحة المعارضة من جهة أخرى.

وتجددت الصراعات بين القبيلتين لنفس السبب المتمثل في صراع حول ملكية أرض تدعي كل قبيلة تبعيتها لها.

أما دور حكومة شرق دارفور متمثلة في واليها عبد الحميد موسى كاشا فقد تجاهل الصراع في بدايته ورفض وصف ما يدور من صراع على أنه صراع قبلي، مشيرا إلى أن ما يحدث عبارة عن نزاع مسلح بين الرزيقات والمعاليا، الأمر الذي أغضب قبيلة المعاليا التي استنكرت وصفها بالتمرد، وعدته متواطئا مع قبيلته الرزيقات ضدها، ونجد أن كل ذلك قد ساهم في تأجيج الصراع وفشلت بعدها محاولات احتوائه.

كما أن هناك سببا آخر هو حل الإدارة الأهلية وإضعافها، فقد كان لها دور متعاظم في إبطاء إنهاء الصراع القبلي في دارفور بشكل عام.

وحملت هيئة شورى قبيلتي المعاليا والرزيقات الحكومة مسؤولية الأحداث بأن تركت الأمر للقبائل التي أصبحت دون إدارة أهلية.

واستنتج بعض المراقبين أن هذه الإدارة قد أضعفتها الحكومة عن قصد، وتم ذلك عبر حقب تاريخية وسياسية مختلفة، مما جعلها عاجزة عن القيام بدورها على أكمل وجه.

عقبات على طريق الصلح
لم تنجح الهدنة المبدئية بوقف الحرب بين قبيلتي الرزيقات والمعاليا، وكان كل من الطرفين قد زج بشروطه حتى تتم المصالحة.

اشترطت قبيلة المعاليا قبل توقيع الهدنة أن تعترف الرزيقات بأن الحرب بينهما كقبيلتين فقط وليس بين الرزيقات والحركات المسلحة، بالإضافة إلى سحب حشود الرزيقات المتواجدين في الجانب الجنوبي، واعتماد بعض العُمد التابعين لها في إدارة المعاليا.

ثم رهنت قبيلة المعاليا التوقيع على وثيقة وقف العدائيات بين القبيلتين إلى حين تحرير أفراد قبيلتهم المختطفين بواسطة الرزيقات، بينما اشترطت الرزيقات بضمانة وسلامة عدم التعدي عليهم من قبل المعاليا في البادية إلى حين عودتهم، ومن ثم الدخول في الصلح المتعلق بمشكلة الأرض محل النزاع الأساسي.

النزاع بين المعاليا والزريقات يعود إلى صراع تاريخي بينهما منذ ستينات القرن الماضي، زاد الآن بتورط بعض القوات النظامية في الصراع الدائر من جهة وتدخل الحركات المسلحة المعارضة من جهة أخرى

هذه النزاعات كانت من قبل تحلها الإدارة الأهلية نسبة لدورها المهم في الماضي، فمع غيابها يقف المشهد في مربعه الأول هذا إذا لم يتفاقم إلى الأسوأ.

والواقع أن قادة الإدارة الأهلية من عمد ومشايخ كانوا بمثابة الرقيب على تحركات أفراد القبائل المشتركة والوافدة، وكانت تلك الإدارة تقوم بحل المشاكل كسلطة محلية، وإن استعصى عليها الأمر تقوم بتبليغ الجهات الرسمية بالدولة لأخذ الحذر، لا سيما مع انعدام الأمن الذي جعل حدود السودان مفتوحة على مصراعيها لاستقبال نازحين ومتمردين من دول الجوار.

لم يتحقق من هذه الشروط إلا ما يتعلق بأفراد قبيلة المعاليا الذين اختطفتهم مليشيا مسلحة تابعة لقبيلة الرزيقات وتم الإفراج عنهم مؤخرا، وتم توقيع وثيقة وقف العدائيات في الأسبوع الماضي بين الطرفين لتقف بقية الشروط التي لم تتحقق في الظل إلى حين يتم الصلح الذي لم تبدأ جولاته بعد.

وهذا التوقيع على الوثيقة الذي سبق مشاورات حل الأزمة قد يجعل من الوثيقة نفسها حبرا على ورق، كديدن كل الاتفاقيات السابقة، مما يؤكد فشل الحكومة المركزية والسلطة الإقليمية في الوصول إلى حل جذري وشامل يوقف شلال الدم بين القبائل المتناحرة.

إن ما تحتاجه المنطقة برمتها بما فيها ولاية شرق دارفور هو آلية غير تقليدية لمناقشة قضايا الإقليم تكون نتيجتها ترتيب البيت الداخلي الدارفوري، وهذا لا يتطلب مجرد وضع كل قبيلة لشروطها الخاصة لتقوم الأخرى بتلبيتها، ولكن يجب أن تبتدع آلية مناسبة وحاسمة لحل مشكلات الأرض والموارد بين القبائل المختلفة في إقليم دارفور.

السلطة الإقليمية.. مشكلة أم حل
إن أحد أبرز المعيقات التي تكبل السودان كقطر ودارفور كإقليم مترامي الأطراف، وتمنع انطلاقته نحو تعزيز الديمقراطية والسلام والتنمية، وتقف حائلا دون رؤية ملامح مستقبل مشرق هو العنصر البشري نفسه.

فما زالت تواجه البلاد التي تحررت من الاستعمار قبل أكثر من نصف قرن من الزمن معضلة وضع الفرد داخل المجموعة متمثلة في القبيلة أو الانتماء المعين، كما أنه يواجه بشكل آخر وضع الجماعة داخل كيان الدولة.

هذا التغيير غير المتوقع متمثلا في استقلال جنوب السودان والتغييرات الإقليمية المحيطة، أصابت السودان بعجز حال دون قيام الدولة بتبعات هذا التغيير على مستوى الفرد والقبيلة.

وقد انعكس كل هذا على مناطق المجموعات التي تقع خارج مركز الدولة، وأصبحت الحاجة ماسة لإحاطة هذه المناطق بأقل متطلبات تحقيق الأمن.

ازداد وضع إقليم دارفور أهمية لضرورة تقسيم الأدوار بين جهاز الدولة المركزي والأجهزة الأخرى التي ينبغي أن تعطى صلاحيات تستطيع الإنابة عن الحكومة المركزية في إقامة نظام حكم تم التعارف على أنه حكم إقليمي.

وهذا الأسلوب هو نظام فرضته تعقيدات العلاقات الاجتماعية وتطور وظائف الدولة المعاصرة في أواخر القرن التاسع عشر.

ورغم أن فرصة حل قضية توزيع المسؤوليات هذه بين الحكومة المركزية وإقليم دارفور تبدو متوفرة في الأدبيات السياسية السودانية، تتطلب ندرتها كواقع في الإقليم نوعا من تعزيز هذا الشكل من الحكم حتى يتخذ منهجا يساهم في التوصل إلى حلول لقضايا السلام والتنمية، وذلك بفرض الرقابة الذاتية على الإقليم.

إن أحد أبرز المعيقات التي تكبل السودان كقطر ودارفور كإقليم مترامي الأطراف، وتمنع انطلاقته نحو تعزيز الديمقراطية والسلام والتنمية، وتقف حائلا دون رؤية ملامح مستقبل مشرق هو العنصر البشري نفسه

عندما أقيمت السلطة الإقليمية في دارفور كان ذلك لمواجهة المشاكل الداخلية والظروف المحلية، خاصة عند النظر في أن إبقاء السودان دولة موحدة متعددة القوميات يعتمد على قاعدة تطبيق الحكم الذاتي الإقليمي.

ولتطبيق ذلك لا بد من شروط تتمثل في توزيع السكان بتنوعهم للتعايش السلمي داخل نطاق السلطة الإقليمية ثم دمج هذه التكوينات لتتعايش سلميا داخل الدولة الواحدة.

بدأ تطبيق السلطة الإقليمية بمرحلة السلطة الانتقالية، وهي من مخرجات اتفاقية أبوجا عام 2006.

جاءت هذه السلطة الانتقالية برئاسة مني أركو مناوي الذي فشل في تنفيذ بنود اتفاقية أبوجا كاملة.

وكان لهذا الفشل جملة من الأسباب تمثلت في عدد من العقبات أبرزها عدم تعاون حكام ولايات دارفور مع رئيس السلطة الانتقالية، مما قاده إلى الخروج على اتفاقية أبوجا التي وقع عليها ليعود ثانية إلى حركته المسلحة.

بعد ذلك حلت السلطة الإقليمية لولايات دارفور محل السلطة الانتقالية، وفق وثيقة الدوحة لسلام دارفور، مع عدد من الحركات الدارفورية التي انشقت عن حركاتها الأصلية، تحت اسم (حركة التحرير والعدالة)، برئاسة د. التيجاني السيسي.

ويعد هذا الشكل من الحكم جزءا هاما من خصائص الدول الواسعة مثل السودان. وكان بالإمكان الاستفادة من هذا النظام لأقصى مدى، وتوطيد الوحدة بين أبناء القبائل المختلفة في دارفور من جهة وبينهم وبين البلاد كلها من جهة أخرى، مما يعزز من تماسك الدولة ويحفظ استقرارها.

ولكن الخطأ الذي ارتكب في هذا التكوين هو قيام السلطة الإقليمية على أساس قبلي باختيار اثنين من كبرى قبائل دارفور هما التيجاني السيسي من قبيلة الفور وبحر إدريس أبو قردة من قبيلة الزغاوة.

هذا الاختيار جعل القرارات الإستراتيجية والسياسية تتخذ باسم القبيلة وليس باسم السلطة ككيان سياسي، مما زاد من هشاشة الوضع وجعله قابلا للانفجار والصراعات بين الحين والآخر.

إنّ أكثر ما يثير القلق في قضية دارفور هو إبقاء عجلة الصراعات القبلية تدور إلى الوراء، حيث بدأ الصراع بين قوتين كانتا من قبل تتنازعان إثنيا على أساس (زرقة-عرب)، الأولى أصّلت لتاريخ المنطقة، والثانية أصبحت تجسد دور الغازية بعد أن كانت من المكان وبه.

المصدر : الجزيرة

التعليقات