عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي



ظل العالم طيلة أسابيع يترقب بقلق الحالة الصحية للزعيم الجنوب أفريقي والشخصية العالمية البارزة نيلسون مانديلا.
ومع زوال حالة الخطر التي رافقت وضعه، فإن جنوب أفريقيا والعديد من الجهات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان استعدت للاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين، كعنوان للتسامح وأحد أبرز الداعين في العالم لتحقيق المصالحة الوطنية في إطار العدالة الانتقالية، دون ثأر أو انتقام أو كيدية.

وكانت دعوة مانديلا إلى "المصالحة"، وهو الذي قضى 27 عاماً في السجن، بمثابة المسمار الأساسي لتصفية نظام الفصل العنصري "الأبرتايد"، وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات لكل الأعراق والأصول والسلالات من أجل انتقال ديمقراطي سلس، ووضع حد للعنصرية "الأقلوية" البيضاء، التي تعتبر شكلا من أشكال الاستعمار الاستيطاني، الذي دام نحو قرنين من الزمان.

وبزوال نظام جنوب أفريقيا لم يتبق في العالم سوى "إسرائيل" نظاما عنصريا استيطانيا إجلائيا.

وقد خلدت حادثة إطلاق الرصاص على تظاهرة شارفيل في جنوب أفريقيا العام 1960 وقتل 69 متظاهرا مناسبة لإحياء ذكرى الضحايا، الذين كانوا يحتجون على "قوانين المرور" العنصرية، حيث أخذ العالم كله يحتفل بذكرى تلك المجزرة العنصرية الشنيعة منذ العام 1966، حين دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى مضاعفة جهوده من أجل القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وذلك بصدور القرار 2142 (الدورة الحادية والعشرون/1966).

يعتبر الإعلان الدولي ضد العنصرية أن أي مذهب للتفرقة العنصرية أو التفوق العنصري هو مذهب خاطئ علميا ومشجوب أدبيا وظالم وخطر اجتماعيا

لقد كان موضوع التمييز العنصري محط نقاش وجدل طيلة السنوات التي أعقبت تأسيس الأمم المتحدة، وذلك قبل التوصل إلى اتفاقية دولية بهذا الخصوص، تلك الاتفاقية التي تعتبر تطورا كبيرا في القانون الدولي وفي مناهضة العنصرية والتمييز العنصري.

ولم تنشأ العنصرية ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وقانونية وفكرية ونفسية دفعة واحدة، بل مرت بمراحل عديدة واتخذت أشكالا مختلفة، حتى غدت خطرا يهدد العلاقات الإنسانية والتفاهم والسلم والصداقة بين الشعوب، ناهيكم عن كونها تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان.

وباستفحال ظاهرة العنصرية والتمييز العنصري فقد سعى المجتمع الدولي وعبر جهود مضنية لإصدار إعلان ضد العنصرية في العام 1963 تضمن أربع نقاط رئيسية، حيث اعتبر أن أي مذهب للتفرقة العنصرية أو التفوق العنصري هو مذهب خاطئ علمياً ومشجوب أدبياً وظالم وخطر اجتماعياً، وأن التمييز العنصري هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية وإخلال بالعلاقات الودية بين الشعوب وبالتعاون بين الأمم وبالسلم والأمن الدوليين، وهو لا يقتصر على إيذاء الذين يستهدفهم، بل يمتد أذاه إلى ممارسيه.

كما حدد الاعلان هدف الأمم المتحدة الذي يتلخص في بناء مجتمع عالمي متحرر من جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

وفي 21 ديسمبر/كانون الأول من العام 1965 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (2106 في الدورة العشرين)، وهو عبارة عن اتفاقية دولية دعت فيها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والأعضاء في أية منظمة من المنظمات الدولية المتخصصة المرتبطة بها أو أية دولة أخرى، الانضمام إليها لكي تصبح طرفاً فيها بالتوقيع والتصديق عليها.

وتضمنت الاتفاقية ديباجة مطولة و25 مادة. وعبرت الديباجة عن التوجهات الأساسية للجمعية العامة، التي ينبغي أن تكون الأصل في ما يتعلق بمواقف الدول عموماً إزاء مسألة حقوق الإنسان.

ومن هذه التوجهات:
- البشر متساوون ويولدون أحرارا ولا ينبغي التمييز بينهم لأي اعتبار.
- التمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الجنس يمثل عقبة حقيقية في سبيل تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الأمم والشعوب، والإخلال بالوئام بين الأشخاص الذين يعيشون جنبا إلى جنب، حتى في داخل الدولة الواحدة، كل ذلك إلى جانب أن وجود الحواجز العنصرية، يشكل أمرا منافيا للمثل العليا لأي مجتمع إنساني.

وحول تعريف التمييز العنصري جاء في المادة الأولى: "كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الجنس، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الميدان الاقتصادي أو الميدان الاجتماعي أو الميدان القضائي أو أي ميدان آخر من الميادين العامة".

إذا كان مؤتمر ديربن نصف انتصار حققته مؤسسات المجتمع المدني العربية، إلا أنه لم يؤد إلى التراكم المطلوب، حيث سرقت الأضواء منه بعد عدّة أيام أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة

ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في العام 1969 بعد أن صدقت عليها أو انضمت إليها 27 دولة.

وقد انضم إليها حتى الآن أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الأمم المتحدة. وتعتبر هذه الاتفاقية من أقدم اتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وأوسعها نظاما من حيث التصديق عليها.

جدير بالذكر أن الأمم المتحدة واصلت دعواتها ومؤتمراتها بخصوص مكافحة العنصرية والتمييز العنصري. وذلك في السنة الدولية لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري (1971) وخلال عقدين كاملين 1973-1983 و1983-1993 عقدت مؤتمرين دوليين للغرض نفسه في جنيف العام 1978 والعام 1983، وتوج ذلك بعقد أكبر مؤتمر دولي لمناهضة العنصرية في ديربن بجنوب أفريقيا في 31 أغسطس/آب إلى 8 سبتمبر/أيلول من العام 2001، وذلك بعد تحضيرات لمؤتمرات إقليمية أوروبية وأميركية وأفريقية وآسيوية، ومن بينها مؤتمر تمهيدي انعقد في عمان، وهو المؤتمر الذي عقدته المنظمة العربية لحقوق الإنسان برعاية الأمم المتحدة، وكان له فضل طرح موضوع عنصرية الصهيونية وممارسات "إسرائيل" فبراير/شباط 2001.

وفي مؤتمر ديربن كان للجنوب دور مهم في وضع جدول أعمال المؤتمر (بخلاف الكثير من المؤتمرات الدولية) وبخاصة لمؤسسات المجتمع المدني التي زاد حضورها على ثلاثة آلاف منظمة.

ومن العلامات المميزة التي تجدر الإشارة إليها أن الآسيويين كان أحد شواغلهم مسألة الاتجار بالبشر وبخاصة النساء والأطفال، وانشغل الأفارقة بموضوع الاعتذار والتعويضات، وأخذ موضوع الأصول الأفريقية بالنسبة لأميركا حيزا، وكان الهم الأوروبي يتركز على ارتفاع موجات العنصرية وكراهية الأجانب.

وتصدّر الموضوع الفلسطيني، وبخاصة العنصرية "الإسرائيلية"، أولويات الجانب العربي والإسلامي، خصوصاً المطالبة بتأمين حماية دولية للفلسطينيين وإعمال اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبخاصة الاتفاقية الرابعة بشأن المدنيين، والعمل على وقف بناء المستوطنات تمهيدا لتفكيكها، وتأكيد حق الشعب العربي الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.

كما احتل موضوع دمغ الممارسات "الإسرائيلية" بالعنصرية بالاهتمام والإثارة وردود الفعل.

لقد حاولت الولايات المتحدة أن تؤثر في المنظمات غير الحكومية بإطلاق العديد من التهديدات لمقاطعة المؤتمر، ومثلها فعلت "إسرائيل" وبعض الدول الغربية، وسعت لابتزاز بعض الدول والحكومات، بما في ذلك الضغوط التي قامت بها على المفوضية السامية لحقوق الإنسان وعلى السيدة ماري روبنسون، وبخاصة بعد تقريرها الصادر يوم 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 عقب زيارتها للأراضي العربية المحتلة، والذي يبين أن السلطات "الإسرائيلية" لا تمارس شكلا واحدا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، بل تمارس عدة أشكال في آن واحد.

وإذا كان مؤتمر ديربن نصف انتصار مهم حققته مؤسسات المجتمع المدني العربية، إلا أنه لم يؤد إلى التراكم المطلوب، حيث سرقت الأضواء منه بعد عدّة أيام أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة، وانكفأ العرب بعد إعلان الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب والتي أعقبها احتلال العراق في العام 2003.

لا يزال فيروس العنصرية مستشريا بأشكاله القديمة والجديدة، وإن لم يتم القضاء عليه سيظل يلوث حياة البشر وعلاقاتهم الإنسانية سواء على المستوى الدولي، أو الداخلي في الكثير من البلدان والمجتمعات

فما أن انعقد مؤتمر ديربن الثاني، أو مؤتمر جنيف الرابع حول العنصرية في أبريل/نيسان 2009، حتى تمكنت "إسرائيل" ومن خلفها واشنطن من استعادة زمام المبادرة، وعلينا الاعتراف من باب النقد الذاتي ونحن في ذكرى اليوم العالمي ضد العنصرية ومرور 12 عاماً على مؤتمر ديربن، بأن "إسرائيل" تتعلم من دروسها، فهي لا تترك شاردة أو واردة إلا وتدقق فيها وتعيد النظر بحساباتها، في حين لم نستثمر نحن البيئة الدولية المناسبة التي أنتجت قرارات ديربن الأولى.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة على النطاق العالمي لمكافحة العنصرية، فإنها ما تزال موجودة بكثرة في ربوع العالم، وتعاني منها الكثير من المجتمعات والأفراد، حيث يستمر الظلم والتمييز والاستعلاء، فضلا عن وجود نظام يمارس العنصرية كسياسة للدولة، وهو النظام الذي يرتكز على عقيدة عنصرية أدانتها الأمم المتحدة في قرارها 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، والذي ألغي في العام 1991 بسبب اختلال موازين القوى الدولية.

ولا يزال فيروس العنصرية مستشريا بأشكاله القديمة والجديدة، وإن لم يتم القضاء عليه فسيظل يلوث حياة البشر وعلاقاتهم الإنسانية سواء على المستوى الدولي، أو الداخلي، في الكثير من البلدان والمجتمعات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك