سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني



في أيّ سياق يسير الوضع السوري؟ هل نحو "حل سياسي" أم نحو حل عسكري؟
من الواضح أن الواقع يشير إلى أننا أمام أحد هذين الحلين، رغم أن ما يجري على الأرض يشير إلى تصاعد الفعل العسكري، لكن أيضاً مع استمرار الحديث عن الترتيب لجنيف 2.

فالتواصل الروسي الأميركي مستمر ومكثف من أجل ذلك، وبالتالي يصبح السؤال هو هل ما يجري على الأرض هو من أجل جنيف 2 أو من أجل إجهاضه؟

مع إعلان التوافق الأميركي الروسي حول سوريا ظهر وكأن الأمور تسير نحو حل سريع كان يؤمل أن يكون في مايو/أيار أو يونيو/حزيران الماضيين، لكن ذلك ارتبط كما قيل بتعديل وضع الائتلاف الوطني السوري لكي يكون قادراً على المشاركة.

وقد جرى الدفع نحو توسيع الائتلاف لخلق توازن ينهي سيطرة جماعة الإخوان عليه، وطرح دخول "كتلة ديمقراطية" بزعامة ميشيل كيلو كحل يسمح بذلك.

لكن شابت ذلك إشكاليات تمثلت في أن الإخوان مسيطرون على الائتلاف أصلا فكيف يمكن أن يقبلوا بصيغة تلغي سيطرتهم وهم يرون أن المسار السياسي يفرض تهميش دورهم، وإنهاء حلمهم في أن يصلوا السلطة في سوريا، إسوة بإخوتهم في تونس ومصر، وقبل ذلك في غزة.

التوافق الأميركي الروسي سمح للروس وللسلطة بالسعي لتغيير موازين القوى، فبدأ الروس بإرسال أسلحة حديثة ومتطورة، ودعموا دخول حزب الله وإيران في الحرب

لهذا جرى تعطيل توسيع الائتلاف في اجتماع مايو/أيار، وبات مصير جنيف 2 مجهولاً، الأمر الذي فرض الحديث عن يونيو/حزيران، ثم تأجيله إلى يوليو/تموز، قبل أن يرحل إلى سبتمبر/أيلول.

وخلال ذلك كان التوافق الأميركي الروسي قد حظي بدعم "أصدقاء سوريا" ومجموعة الثماني. لكن الأمور على الأرض سارت في اتجاه كان يلقي بظلال الشك على هذا المسار، ويظهر فشله إلى الحد الذي أوصل إلى أن عقد مؤتمر جنيف 2 غير وارد.

فقد بدأت السلطة هجوماً على مدينة القصير لـ"تحريرها"، ومن ثم توسّع الهجوم إلى تلكلخ، ووصل إلى حمص، وطال ريف دمشق وأطراف دمشق.

وكان واضحاً أن السلطة تريد استعادة كل هذه المناطق، وأنها تريد تغيير ميزان القوى لمصلحتها، وأنها مصممة على استعادة حلب ودير الزور وكل المناطق التي كانت قد انسحبت منها، أي باختصار حسم الصراع عسكرياً.

لماذا هذا التحول؟
حين تحقق التوافق الأميركي الروسي كان واضحاً أن ميزان القوى مختل لمصلحة الثورة، حيث بات جزء كبير من سوريا خارج سيطرة السلطة، وأصبحت قواها مهزوزة بعد الضربات التي تعرضت لها، وبعد الأعداد الكبيرة من القتلى في صفوف قواتها وشبيحتها (حسب بعض الأرقام وصل العدد إلى 40 ألف قتيل).

وبات الجزء الأكبر من الجيش خارج إمكانية الاستغلال نتيجة الاحتقان الذي تنامى لديه، والذي فرض على السلطة حصره في المعسكرات دون إجازات أو تواصل. وبالتالي قاتلت السلطة بـ"قوتها الصلبة"، المتمثلة في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة، وهي القوات التي منيت بخسائر فادحة، مما سمح للكتائب المسلحة بالتقدم في أكثر من منطقة حساسة، بما في ذلك في دمشق.

كل وعود التسليح من أميركا و"أصدقاء سوريا" لم تكن صادقة، فقد تراجعت كل الدول التي وعدت، والتي قالت أثناء لقاء "أصدقاء سوريا" بالدوحة إن هدف التسليح هو الحفاظ على التوازن القائم فقط

وكان واضحاً أن فوضى الكتائب وغياب التنسيق وقلة الخبرة، ونقص التسليح كلها أسباب منعت سقوط السلطة.

لكن يبدو أن التوافق الأميركي الروسي قد سمح للروس وللسلطة بالسعي لتغيير موازين القوى، فقد بدأ الروس بإرسال أسلحة حديثة ومتطورة، كما دعموا دخول حزب الله وإيران في الحرب التي تخوضها السلطة ضد الشعب.

ونتيجة لذلك أرسل حزب الله عشرات آلاف المقاتلين، وأرسلت إيران قوات من الحرس الثوري، ودعمت إرسال عصابات طائفية من العراق (كتيبة أبو الفضل العباس)، وهذا ما سمح بسقوط القصير وتلكلخ، وهيأ لحصار حمص والبدء بمحاولة السيطرة عليها عسكريا.

في الوقت نفسه بدأت معركة استعادة أطراف دمشق الشرقية والجنوبية، والتقدم للسيطرة على الغوطة الشرقية واستعادة دوما وحرستا، مستغلة النجاح الذي تحقق في القصير خصوصاً.

كما تحرّكت جبهة النصرة (أو دولة العراق والشام الإسلامية) لفرض سيطرتها على الشمال في لحظة دقيقة، هي بالضبط لحظة هجوم السلطة للسيطرة على كل تلك المناطق.

وبدا أنها تغرق الكتائب المسلحة والشعب هناك بصراعات تشل مقدرتهم على الدعم أو التحضّر لهجوم محتمل للسلطة على هذه المناطق.

وبات الصراع هناك هو مع جبهة النصرة، سواء عبر التظاهر ضدها أو بالاشتباك المسلح معها، خصوصاً بعد أن بدأت تظهر بعض الخيوط التي تشير لرابط ما بينها وبين السلطة.

وربما تسير الأمور هنا في اتجاه تصفية هذه الجبهة التي مثلت ثورة مضادة هدفها إرباك الحراك الثوري وتشويهه، ومن ثم اتخاذها شماعة لعدم الدعم من قبل القوى الإمبريالية، التي هي من أنجبها (خصوصاً هنا أميركا).

إن تغيير ميزان القوى يفرض كما يبدو خلخلة وضع المناطق "المحررة"، وربما التمهيد لإعادة السيطرة عليها. هذا ما زاد من حجم جبهة النصرة (أو دولة العراق) في الفترة الأخيرة، ومن تحرشها بالكتائب المسلحة وبالناس.

إلى الآن لم تستطع السلطة السيطرة على أيّ من هذه المناطق، وبدا أن قواتها تستهلك كما استهلكت من قبل، وأن الدعم الإيراني وقوات حزب الله لم يستطيعا أن يغيّرا من معادلة الصراع.
سيظهر في الأيام القادمة أن أي محاولة لتعديل ميزان القوى العسكري لن تفعل أكثر من إطالة أمد الحرب، دون أن تحقق السلطة ما يريده الروس

على العكس من ذلك يظهر الآن أن الكتائب المسلحة تحقق تقدماً في العديد من المناطق في الشمال (حلب وما حولها)، وفي ريف دمشق، وأيضاً في بعض مناطق حوران. ورغم أن كل وعود التسليح من قبل أميركا و"أصدقاء سوريا" لم تكن صادقة كما ظهر في الواقع، فقد تراجعت كل الدول التي وعدت، والتي قالت أثناء لقاء "أصدقاء سوريا" في الدوحة إن هدف التسليح هو الحفاظ على التوازن القائم فقط.

ويبدو أنها لم تجد ضرورة لذلك، ما دامت الكتائب المسلحة قادرة على "الردع" دون دعم، وبات الهدف من تصريحاتها حول الدعم العسكري هو الضغط على السلطة لكي تذهب إلى جنيف 2 كما صرّح أكثر من مسؤول أوروبي في الفترة الأخيرة.

السلطة بطبيعة الحال ما زالت تحاول تغيير موازين القوى، وهي تزيد في عنفها من أجل ذلك، لكن هل سيقتنع الروس بأن ميزان القوى المختل لغير مصلحة السلطة هو الأساس الذي يجب أن يبنى عليه مؤتمر جنيف 2؟

سيظهر أكثر في الأيام القادمة أن أيّ محاولة لتعديل ميزان القوى العسكري لن تفعل أكثر من إطالة أمد الحرب، دون أن تحقق السلطة ما يريده الروس، وهذا ما يفرض -ربما- اهتماما روسيا وربما تسريعا للخطى من أجل عقد هذا المؤتمر.

وهل سيقبل الروس استمرار الصراع والتدمير والعنف في منطقة باتت مرتكزهم للعودة إلى "الشرق الأوسط"؟ خصوصاً هنا بعد أن حصلوا على الاعتراف الأميركي والموافقة "الغربية". هذا يعيدنا إلى مؤتمر جنيف 2، حيث يمكن أن يعود الروس عن دعمهم السلطة في سياستها تعديل ميزان القوى.

في الطرف الآخر نجحت مسألة "توسيع الائتلاف الوطني" بعد ضغوط أميركية وتركية/فرنسية، ودور سعودي نشط، حيث أعيد تشكيل هيئاته على ضوء ذلك.

وظهر أن "التيار الديمقراطي" هو الذي سيطر ونجح مرشحوه في الوصول إلى الرئاسة وإلى الأمانة العامة، وهنا ظهر أثر السعودية واضحاً.

بالتالي بات الفريق المهيمن على الائتلاف الآن -بعد تهميش الإخوان المسلمين وإعلان دمشق- مستعداً، أولا: للتفاهم مع معارضة الداخل (هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي)، وثانياً: قابلا للذهاب إلى مؤتمر جنيف 2.

بات الفريق المهيمن على الائتلاف الآن مستعداً للتفاهم مع معارضة الداخل، وقابلا للذهاب إلى مؤتمر جنيف 2

وتكون عقدة تمثيل المعارضة في المؤتمر قد سويت، وأصبح الأمر يتعلق بالزمن الذي سيعقد فيه، بعد أن كان فشل المعارضة في توحيد ذاتها ورفض القوى المسيطرة على الخارجية منها هو السبب الذي فرض تأجيل المؤتمر.

إذن، بعد التأكد من العجز عن تغيير ميزان القوى من قبل روسيا وترتيب وضع المعارضة، هل سيعقد مؤتمر جنيف 2؟

أظن أن الوضع السوري قد وصل إلى حالة من الإنهاك تفرض ذلك، كما أن الوضع الدولي بات يميل إلى الوصول إلى حل بعد كل القتل والدمار الذي حدث.

ولعل روسيا التي باتت تمسك الملف السوري من كل جوانبه، تريد انتهاء "الأزمة" لكي تتحرك شرقاً وجنوباً، أي نحو العراق ومصر، من أجل تحقيق مكاسب على ضوء ما جرى في مصر مؤخراً، والذي ربما يفتح على عودة بعد رحيل دام أربعة عقود.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك