علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

 

إحداث انقلاب ديمغرافي
حملة الاقتلاع التاريخي
بانتوستانات جديدة
مواجهة لا تتم بالنحيب والبكاء


خطوة تصعيدية جديدة ذات معنى كبير، وذات أبعاد إستراتيجية، تخطوها حكومة الائتلاف اليميني الصهيوني في "إسرائيل"، فبعد تحضيرات مكثفة أقر الكنيست (البرلمان) في الدولة العبرية يوم السادس والعشرين من يونيو/حزيران 2013 ما بات يعرف بقانون "برافر" بقراءته الأولى، ليتم إقراره نهائيا بعد القراءتين الثانية والثالثة.

وهذا القانون هو مشروع استعماري إجلائي استيطاني تهويدي يستهدف تهويد ما تبقى من أراضي منطقة النقب المحتلة منذ العام 1948. فكيف نقرأ هذا التصعيد "الإسرائيلي" في وقت تستعد فيه بعض عواصم المنطقة لاستقبال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في جولته السادسة، وما التأثيرات البعيدة لقانون "برافر"؟

إحداث انقلاب ديمغرافي
نبدأ القول بأن عملية تهويد ما تبقى من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 عملية "إسرائيلية" تراكمية متواصلة، لم تنقطع يوما واحدا منذ العام 1948، في ظل مشاريع قامت على الأرض ومسحت من الوجود مئات القرى والبلدات العربية وأقامت مكانها المستعمرات والمدن اليهودية الخالصة كنهاريا وناتانيا وريشون ليتسيون وهرتزليا وأشكلون.
مشروع "برافر" يعني إلغاء الهوية العربية للنقب، وتفكيك القرى العربية المتناثرة في منطقة النقب بذريعة إعادة تنظيم الوجود العربي الفلسطيني في النقب

وبعضٌ من تلك المشاريع موجود داخل الأدراج بانتظار الوقت المناسب، وعلى رأسها مشروع تهويد ما تبقى من مناطق الجليل (شمال فلسطين)، وتهويد النقب (جنوبي فلسطين) تحت مسمى مزيف عنوانه "تطوير الجليل والنقب"، في مسعى "إسرائيلي" صهيوني لتفتيت مناطق الوجود العربي داخل حدود العام 1948، وحصره في بقع ضيقة، وإحداث انقلاب ديمغرافي لصالح أكثرية يهودية مطلقة على حساب الشعب الفلسطيني داخل 1948.

من هنا يمكن القول إن عملية استصدار القانون الجائر (برافر) لم تأت دون مقدمات، فعملية تهويد النقب والجليل عملية "إسرائيلية" تراكمية لم تنقطع يوما واحدا، لكن الجديد فيها أن تلك العملية ستتسع الآن أكثر فأكثر حال إقرار القانون بصورة نهائية.

ويتوقع لها عندئذ أن تأخذ طابعا "مشرعنا" داخل دولة الاحتلال للتخفيف أو الحد من أي انتقادات دولية محتملة، باعتبار أن العمليات التهويدية تجري داخل حدود ما يسمى بالدولة العبرية وليس فوق أراضي المناطق المحتلة عام 1967، وباعتبار أنها تهدف لإعادة تنظيم واقع الناس والديمغرافيا البشرية باتجاه التنظيم الحضاري والعمراني.

وقبل وقت قريب وتحديدا في 28 يوليو/تموز 2010، قامت الجرافات الإسرائيلية باقتلاع أربعين منزلا بقرية العراقيب الواقعة داخل عمق فلسطين المحتلة عام 1948، وتحديدا شمال مدينة بئر السبع في منطقة بادية النقب، كما أخلت نحو 300 من سكانها بحجة البناء من دون ترخيص، في ممارسات تجسد مأساة الشعب الفلسطيني في أوضح صورها في منطقة النقب جنوبي فلسطين المحتلة.

وترافقت تلك العملية مع قيام اللجنة الوزارية الصهيونية لما يسمى "تطوير النقب والجليل" بالمصادقة على مخطط لتوطين (300) ألف يهودي في منطقتي النقب والجليل، في مشروع عرضه الوزير اليهودي المغربي الأصل وأحد رواد عمليات التهويد والاستيطان (سلفان شالوم) النائب الأول لرئيس وزراء الاحتلال ووزير تطوير النقب في حينها، حيث عمل على صياغة الخطة مسؤولون كبار في وزارة تطوير النقب والجليل على مدى عدة أشهر، بغرض تحقيق ثلاثة أمور:

أولها: توطين المزيد من القادمين الجدد بموجات الهجرة في الجليل والنقب.

وثانيها: دعم "النقاط الاستيطانية" التهويدية التي أقيمت في تلك المناطق بقصد إنشاء مدن وبلدات يهودية صافية كبيرة لجلب المزيد من المستوطنين من أصقاع المعمورة.

وثالثها: إقامة نقاط إضافية يسكنها المتدينون اليهود من مجموعات (الحريديم) ومجموعات الأرثوذكسية اليهودية وحتى مجموعات اليهود المتطرفين الأميركيين الذين يحملون الجنسية "الإسرائيلية" إضافة لجنسيتهم الأميركية.

حملة الاقتلاع التاريخي
وكانت سلطات الاحتلال قد أقدمت على عمليات متتالية من مصادرة أراضي منطقة النقب، وقضم مساحات متزايدة وبالتدرج من أراضي العرب البدو من أجل ما تسميه عملية تطوير "المجتمع اليهودي".

قانون "برافر" استمرارا لحملة الاقتلاع التاريخي للفلسطينيين من وطنهم وإحداث نكبات متتالية بحقهم بهدم مئات البيوت، وسلب ما تبقى لأبناء الداخل المحتل عام 1948 من أراض بمنطقتي النقب والجليل

وتمكنت حتى الآن من حشر نحو 56% من بدو النقب في سبعة بلدات، هي: رهط وحورا وتل السبع ولقية وشقيب السلام وكسيفة وعرعرة النقب.

وتفتقر هذه البلدات إلى البنية التحتيّة الملائمة أصلا، كما تحصل على خدمات حكومية غير كافية، شأنها شأن باقي القرى والبلدات العربية داخل "إسرائيل" في الجليل والمثلث والساحل.

وبالطبع، فإن استهداف منطقتي الجليل والنقب بعمليات ومشاريع التهويد يهدف لتحقيق أغلبية سكانية يهودية في تلك المنطقتين، وخلخلة وتقطيع الوجود السكاني العربي ومع التواصل الجغرافي على الأرض بين البلدات والتجمعات العربية الفلسطينية داخل "إسرائيل".

إضافة لتحقيق جملة من الأهداف التالية ذات البعد الإستراتيجي، فمنطقة الجليل التي تتميز بمرتفعاتها العالية شمال فلسطين تطل على سوريا ولبنان، فيما تعد منطقة النقب من المناطق الحيوية الواقعة جنوبي فلسطين المحتلة، نظرا لاتساع مساحاتها نسبيا، وقربها من مصر عبر مجاورتها لحدود طويلة مع منطقة سيناء، ومجاورتها لشريط جنوب الأردن، وإطلالها على البحر الأحمر من خلال فتحة مدينة أم الرشراش (إيلات) التي تعد جزءا من منطقة جنوبي النقب.

فضلا عن اكتناز المنطقة للعديد من الثروات الباطنية التي لم تصرح بها سلطات الاحتلال حتى الآن، بينما أكدتها العديد من المصادر الأخرى، ومن بينها بعض العناصر النادرة في الجدول الدوري الكيمياوي كاليورانيوم وغيره.

كما تعد منطقة النقب من المناطق الرئيسية لوجود القواعد الجوية لسلاح الجو "الإسرائيلي"، ومراكز التدريب والكليات العسكرية لجيش الاحتلال، إضافة لمفاعل ديمونا النووي وملحقاته.

إن مشروع أو قانون "برافر" يعد استمرارا لحملة الاقتلاع التاريخي للفلسطينيين العرب من وطنهم وإحداث نكبات متتالية بحقهم عبر هدم مئات البيوت العربية، وسلب ما تبقى لأبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 من أرض في منطقة النقب والجليل.

فقانون "برافر" يمهد لمصادرة نحو (850) ألف دونم من مساحات أراضي منطقة النقب جنوبي فلسطين، وتهجير ما يزيد عن أربعين ألف فلسطيني من (بدو النقب) يقيمون في عشرات القرى التي لا تعترف بها دولة الاحتلال منذ العام 1948، وتحرمها من أبسط مقومات الحياة.

"برافر" سيحصر العرب الذين يشكلون 30% من سكان منطقة النقب في نحو1% فقط من أراضي هذه المنطقة، مع قطع أسباب الرزق والعمل عنهم ليتحولوا إلى مجرد عمال لدى الاحتلال

فالمشروع في أحد مدلولاته يعني تفكيك القرى العربية المتناثرة في منطقة النقب بذريعة إعادة تنظيم الوجود العربي الفلسطيني في النقب، في هدف يخفي في جوهره السعي لتفكيك الهوية العربية الفلسطينية للنقب استكمالا لمشروع تهويد الجليل في السبعينيات، ومشروع تهويد القدس وغور الأردن وأجزاء واسعة من الضفة الغربية.

بانتوستانات جديدة
إن مشروع "برافر" سيحصر العرب الذين يشكلون 30% من سكان منطقة النقب في نحو 1% فقط من أراضي هذه المنطقة، مع ترحيلهم بالقوة إلى مجمعات من الكتل الإسمنتية تلغي وتقطع عنهم أسباب الرزق والعمل، وتنهي أراضيهم الزراعية وأراضي الرعي المخصصة للماشية ليتحول المواطن العربي في النقب لمجرد عامل "مياومة" تحت سلطة الاحتلال، وفي مشاريع دولة الاحتلال.

فسكان ومواطنو منطقة النقب من العرب الفلسطينيين (البدو) يعتمدون في حياتهم المعيشية والاقتصادية ومصادر رزقهم على الزراعة ومنها زراعة الحبوب، وعلى تربية المواشي كالأغنام والبقر والجمال.

ويتزامن تمرير قانون برافر مع زيارة الوزير الأميركي جون كيري للمنطقة في جولة هي السادسة له منذ تعيينه وزيرا للخارجية في الفترة الثانية من ولاية الرئيس باراك أوباما.

ولم يستطع كيري حتى الآن تحقيق نتائج ملموسة على صعيد إعادة تحريك قاطرة التسوية المتوقفة والغارقة في أوحال مشاريع التهويد والاستيطان لمناطق القدس المحتلة عام 1967.

والسؤال المطروح هو كيف يُمكن لوزير الخارجية الأميركي جون كيري أن ينجح في مساعيه لـ"إعادة إحياء المفاوضات السلمية"، وزحف الاستيطان والتهويد يأكل الأخضر قبل اليابس ليس في المناطق المحتلة عام 1967 فقط، بل وداخل مناطق 1948، في استهداف مباشر للوجود العربي الفلسطيني لمن تبقى من الفلسطينيين داخل حدود 1948.

وعليه فإن أي تراخ أو تراجع فلسطيني في الموقف الرافض للعودة لطاولة المفاوضات دون الوقف الكامل لأعمال التهويد والاستيطان سيشكل غطاء سياسيا وموافقة ضمنية على مشروع التهويد في منطقة النقب ولاحقا في منطقة الجليل، وسيساعد على تمرير قانون "برافر" وترجمته على الأرض.

وخلاصة القول أن قانون "برافر" يشكل انتهاكا صارخاً للمواثيق والمعاهدات الدولية، خاصة منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية بخصوص حقوق الشعوب الأصلية في أوطانها.

قانون "برافر" يشكل انتهاكا صارخا للمواثيق والمعاهدات الدولية، خاصة منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمعاهدات الدولية بخصوص حقوق الشعوب الأصلية في أوطانها

وهو كذلك بمثابة الخطوة الأخطر التي تواجه ما تبقى من الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي داخل حدود العام 1948، فهو قانون "يشرعن" من الوجهة "الإسرائيلية" تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العرب هم غالبية سكان القرى الفلسطينية البدوية في النقب وهدم وتدمير قراهم، بهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني البدوي ووضع أكبر عدد منهم بأقل مساحة على الأرض، من خلال حشرهم في تجمعات مغلقة هي الأقرب لتجمعات "البانتوستانات"، فضلا عن سكان منطقة الجليل، لأن القانون القادم بصدد مناطق الجليل سيأتي حال نجحت حكومة نتنياهو بتمرير القانون الحالي المتعلق بمنطقة النقب.

مواجهة لا تتم بالنحيب والبكاء
إن مواجهة قانون "برافر" لا تكون بالنحيب والبكاء واللطم، بل تكون بنزول الناس للشارع كما يحدث الآن من قبل الجماهير العربية داخل "إسرائيل" التي تتكاتف بعضها مع بعض في نزولها للشارع ورفضها القانون الجائر، وإصرارها على خياراتها الوطنية ودفاعها عن الأرض، تماما كما فعلت بهبتها الكبرى يوم الأرض عام 1976 أثناء مواجهة مشاريع التهويد الكبرى لمنطقة الجليل، عندما نزلت واحدة موحدة بكامل تياراتها وأحزابها ووقفت معها منظمة التحرير الفلسطينية.

فأبناء الداخل المحتل عام 1948 كانوا اليوم وسيكونون في الأيام القادمة على موعد مع "برافر لا يمر" في فعاليات الإضراب العام التي رددوا في يومها الأول وبصوت واحد "شعبي يقرر شعبي حر.. عمر برافر ما حيمر".

إن دور الفلسطينيين داخل "إسرائيل" هام جداً جداً لإسقاط قانون "برافر"، ولكن الدور العربي والإسلامي والفلسطيني ضروري جدا في الوقت نفسه، للقيام بحملة سياسية دولية وفي كل الأوساط المؤثرة بالعالم بما فيها الأمم المتحدة والدول الكبرى لكبح سياسات الدولة العبرية تجاه المواطنين العرب الفلسطينيين ووقف استهدافهم واستهداف وجودهم فوق أراضي وطنهم التاريخي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك