زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني



عندما كتبنا في مطلع اندلاع الحراك الشعبي الذي اجتاح العديد من بلاد أمتنا العربية أن "لا شرعية لثورة، فلسطين ليست شعارها"، وأن فلسطين هي القضية الأم، لم نكن بذلك نعبر عن عصبية خاصة تجاه وطننا الصغير، لأن أي بقعة منه ليست أغلى عندنا من حبة تراب في وطننا العربي الكبير، بل دعوة ولفت نظر إلى جدلية نرى أن إهمالها يعني التيه في حقول الألغام الكثيرة التي تعترض طريق نهضتنا الحديثة.

وكتبنا أيضا ضمن توقعاتنا أن ما جرى في بعض الدول من تغيير في رأس السلطة ليس إلا مرحلة انتقالية، نتوقع أن تطول نحو عقد من الزمن. فبلادنا (بلاد العرب) أهم من أن تترك شعوبها المعتمدة على تراث تاريخي طويل كي تقرر ما تريد.

وخصوصا إذا كان الغرب الاستعماري (وحين نقول الغرب الاستعماري فإننا نلفت الانتباه إلى أن هناك دولا غربية معادية للاستعمار مثل اليونان) يرى أن خروجها من سيطرته المباشرة سيؤثر سلبًا في موقعه العالمي.

وكتبنا أيضا أن العامل الاقتصادي يمثل التحدي الأبرز الذي على الحراك الشعبي مواجهته وحل معضلاته.

والآن، وبعد مرور ما يزيد على العامين والنصف على اندلاع الحراك الأول في تونس، نرى تململا واضحًا في العديد من تلك الدول، حيث وصل الأمر درجة الانفجار في مصر في نهاية يونيو/حزيران الماضي، مع أن ليبيا لم تشهد بعد مرحلة هدوء.

نرى اليوم تململا واضحًا في العديد من دول الحراك العربي، حيث وصل الأمر درجة الانفجار في مصر في نهاية يونيو/حزيران الماضي، أما ليبيا فلم تشهد بعد مرحلة هدوء

لا يهمنا ما التسمية التي تطلق على ما جرى في مصر، فالمهم الجوهر وليس القشرة، والمهم موقف العامة مما جرى وليس التحليل القانوني لأن الأساس هو المصلحة العليا للشعب والوطن.

لكن الأيام ستثبت على أي حال من كان محقًا، لأن التاريخ ثابت فقط ضمن حركته الدائمة.

فإذا أضحى الدستور أو القانون -من منظور الجماهير- أداة تخلف وليس أداة تقدم وجب تغييره بطريقة أو بأخرى، وإلا ما قامت ثورات ولا انتفاضات، لكننا نرفض على نحو قاطع اللجوء إلى السلاح ضد الأشقاء في الوطن مهما كانت أخطاؤهم.

ومن الواضح أن أحداث 30 يونيو/حزيران 2013 جاءت في أعقاب أزمة اقتصادية طويلة أنهكت المصريين، والطبقتين الفقيرة والمتوسطة معهم على نحو خاص.

وعندما نقول إن فلسطين البوصلة فإنما نعني أن كل دولة عليها مواجهة مشاكلها الاقتصادية ضمن منظومة السوق العالمي وتحت إشرافه، إن أرادت أن تكون جزءًا منه، حيث تتحكم المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من أدوات الهيمنة الإمبريالية، على مقدرات الشعوب.

وعندما تواجه دولة ما من الدول الفقيرة، أو النامية، مشكلة اقتصادية فليس من طريق أمامها، ضمن تلك المنظومة، سوى اللجوء إلى المؤسسات الاقتصادية العالمية للحصول على دعمها، وليس في هذا العالم من يقدم مساعدة مجانية، اللهم إلا إذا كان الأمر على شاكلة "قطعة جبن في مصيدة فأر".

على الدول المتسولة الدعم الخضوع لإملاءات المؤسسات المالية العالمية التي تفرض عليها شروطًا لصالح رأس المال العالمي، هي ذاتها الشروط التي أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، ومن ثم إلى الانفجار.

وهكذا تبقى تلك السلطات تدور في حلقة مفرغة. فهي من ناحية عليها تنفيذ رغبة الشعب في إتمام استقلاله السياسي عبر الاستقلال الاقتصادي، ومن ناحية أخرى لا ترى الكثير منها طريقا للخروج من مآزقها إلا بالارتماء المستمر في حضن المؤسسات المالية الكبرى التي لها هدف أساسي واحد هو فتح كافة أسواق العالم أمام الرأسمال الأقوى، أي الرأسمال الغربي الاستعماري، بما يؤدي إلى تبعية المتسول والضعيف اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وثقافيًا وفكريًا.

إذا أضحى الدستور أو القانون -من منظور الجماهير- أداة تخلف وليس أداة تقدم وجب تغييره بطريقة أو بأخرى، وإلا لما قامت ثورات ولا انتفاضات

لا شك أن سيادة النظام الرأسمالي عالميًا بعد هزيمته النظام الشيوعي جعل من الاستقلال في كافة المجالات السابقة مسألة غاية في الصعوبة، وفي الوقت نفسه، فإن سعي الإمبريالية الأميركية للهيمنة على العالم عبر حروبها المتكررة في يوغسلافيا وصربيا والصومال وأفغانستان والعراق وليبيا ومالي، جعل بعض القوى الرأسمالية المهمة والصاعدة مثل روسيا والصين والهند والبرازيل تشعر بأخطار التوسع الأميركي المستمر، مما دفعها لمحاولة التكتل في تحالفات اقتصادية وبالتالي سياسية مثل تكتل البريكس وإعلان شنغهاي وغيرهما.

الآن، قلنا ونكرر قناعتنا بأن أساس الحراك الشعبي في بلادنا "القمع" الاقتصادي بالدرجة الأولى، وهذا يعني أيضًا القمع السياسي وما يستتبع ذلك في مجالات الأمن والثقافة والتعليم والفكر.

ونكرر قناعتنا بأن الجماهير لا تكترث بمن يحكمها وإنما ما يهمها كيف يحكم. طبعًا يبقى جزء من الشعب متناه في صغره، يتمثل أساسا في مجموعة مثقفين ذات أصوات عالية إن وجدت حاضنة لها تمتلك أدوات الإعلام والتضليل، مؤثرة وداهية، تتوهم أنها مؤهل على نحو أفضل للحكم، لكن هذا لا يتناقض مع قناعتنا بوجود مثقفين ثوريين يضعون مصلحة الشعب -كما يرونها- قبل كل المصالح الأخرى.

فعندما تكون الأغلبية الساحقة من السكان مرتاحة اقتصاديا، وليس بالضرورة سياسيًا، فلا يمكن لأي قوة التأثير فيها وكسبها للانضمام إلى حراك ما، مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

لقد تبين من التجارب الأخيرة التي مرت بها بعض البلاد العربية أن المطلب الأساسي للناس يتمثل في حياة كريمة حرة، وهو ما لا يمكن الوصول إليه بالخضوع لإملاءات المؤسسات المالية العالمية آنفة الذكر.

والواقع أن تلك المؤسسات تضع شروطا قاسية على حكومات الدول الطالبة للدعم، ومن ذلك فتح السوق وخصخصة الاقتصاد ووقف دعم المواد الأساسية (الخبز، المحروقات) التي تؤثر في مستوى معيشة غالبية السكان وخاصة منهم الفقراء.

علينا أن نتذكر أن سبب الثورة الفرنسية في نهاية القرن السابع عشر التي أطاحت بالملكية هناك هو فقدان الخبز! ولنتذكر أيضا أن أول قرارات الحكومة "الثورية" هناك كان دعم سعر رغيف الخبز، واستمر ذلك حتى الثورة التصحيحية في منتصف القرن الثامن عشر.

لأن إسرائيل تشكل مكونا عضويا في المنظومة الأميركية فإن أي دولة تطلب الدعم الاقتصادي من مؤسسات التمويل العالمية، سيطلب منها الخضوع لسياسة واشنطن فيما يخص إسرائيل

نحن لا ندعي أن الدعم هو السبيل الاقتصادي الأمثل لتخفيف عبء الحياة وتكاليفها عن الطبقات الفقيرة والمسحوقة، لكننا فقط نقدم توصيفا للواقع.

إن رفض أي حكومة لإملاءات صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من مؤسسات الهيمنة الاقتصادية، وبالتالي السياسية، سيعني الدخول في صدام مع النظام الإمبريالي العالمي، ليس بالضرورة أن يكون ماديًا.

ولما كانت إسرائيل تشكل مكونا عضويا، فكريا ومذهبيا وسياسيا وعسكريا في المنظومة الأميركية الاستعمارية التي لم تفقد الأمل ولم تتوقف عن السعي للهيمنة على العالم وعلى مقدرات الشعوب، فإن قرار أي دولة تطلب الدعم الاقتصادي من تلك المؤسسات الخاضعة للهيمنة الأميركية، لا بد أن يأخذ في الاعتبار أنه سيطلب منها الخضوع لسياسة واشنطن في المشرق العربي، وتحديدًا ما يتعلق بإسرائيل ومستقبلها.

الولايات المتحدة تعلم تمامًا أنه لا مستقبل لتك الدولة في بلادنا، ولذلك تراها تحاول تثبيت وجودها شرعيًا أي قانونيًا.

فهي على سبيل المثال من أجبر دولة جنوب أفريقيا على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل مع أن الأخيرة كانت أقوى حليف للنظام العنصري الكريه.

وهي من فرض على الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف إعادة العلاقات مع إسرائيل مقابل دعمه اقتصاديًا. والأمثلة كثيرة، وتعكس حقيقة مهمة للغاية تتعلق بالطرف الأقوى في العلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب، وكذب الادعاءات القائلة بسيطرة اللوبي اليهودي الصهيوني، وبالتالي إسرائيل على قرارات واشنطن.

بعض بلدان الحراك الشعبي التي تتوهم أنها حققت الانتقال إلى نظام جديد، تواجه اليوم -وإن بصمت مريب- مآزق اقتصادية كبيرة، ستنفجر قريبًا فيها وفي غيرها، حيث أضحت كل دول العالم العربي مهيأة للتغيير الكبير، وعندها ستمد يدها تتسول الدعم، بسبب سياسات اقتصادية وسياسية وفكرية عقيمة، بعضها سببه إملاء خارجي والبعض الآخر نتاج تكلس فكري وعقلي.

عندما تطلب تلك الأنظمة دعما اقتصاديا من المؤسسات المالية الغربية، عليها الاختيار بين الخضوع للإملاءات، أو البحث عن طرق أخرى لحل مشكلاتها.

الخضوع للإملاءات سيعني بالضرورة الخضوع لشروط واشنطن بخصوص القضية الفلسطينية وما ينجر عن ذلك من تبعات وتداعيات.

وهذا يقودنا إلى لهاث واشنطن وضغطها لاستئناف المفاوضات بين سلطة رام الله وتل أبيب من أجل فرض سياسة الأمر الواقع في بلداننا قبل أن تفلت من بين أيديها، بالنظر إلى تصاعد مؤشرات معاداتها في المنطقة، وما قد يتبع ذلك من تداعيات على مجمل الأوضاع في المنطقة.

نشك في قدرة سلطة رام الله على التوقيع على اتفاق مع إسرائيل، سيكون بكل تأكيد أقل بكثير مما رفضه الراحل ياسر عرفات في كامب ديفد، رغم إدراكنا أنها أكثر رغبة وقابلية واستعدادًا وحماسًا للتنازل عن كل حقوق شعبنا.

حماس واشنطن لاستئناف المفاوضات بين سلطة محمود عباس وتل أبيب يبين على نحو واضح أن فلسطين هي المسألة، وأنه لا معنى لأي حراك لا يرفع شعار: فلسطين بوصلتنا

وما تصريحات رئيس السلطة محمود عباس بشأن رفضه حق العودة، والتي اضطر في نهاية المطاف لسحبها بعد ساعات على إطلاقها بسبب موجة الرفض الوطنية العارمة، حتى في داخل حركة فتح التي تم ترويضها قبل عقود، إلا دليلا على المدى الذي قد تصل إليه السلطة أو هي مستعدة للذهاب إليه لإنهاء ملف القضية الفلسطينية.

وإذا وضعنا في الاعتبار أن لا مؤسسة اليوم تمثل الشعب الفلسطيني وتطلعاته، فيجب أن نؤكد أن لا شرعية قانونية أو شعبية لأي اتفاق محتمل، ونذكر بمشاريع مشابهة: من التقسيم، إلى المملكة العربية المتحدة، إلى روابط القرى، إلى كامب ديفد.

وفي المحصلة فإن حماس واشنطن لاستئناف المفاوضات بين سلطة محمود عباس وتل أبيب يبين على نحو واضح أن فلسطين هي المسألة، وأنه لا معنى لأي حراك لا يرفع شعار: فلسطين بوصلتنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك