وائل مصطفى

وائل مصطفى

من مواليد كفردان بجنين في الضفة الغربية بتاريخ 30/8/1971م يعمل بقسم العلوم الصحية في كلية العلوم الطبية المساندة بالجامعة العربية الأميركية بفلسطين المحتلة.

 

تعاطي الإشاعة والدعاية المغرضة وإثارة الذعر والرعب والفوضى في الواقع المصري كانت وما زالت من أهم تلك الأساليب والألاعيب الأمنية والعسكرية التي انتهجها انقلابيو مصر من أجل إحكام السيطرة على الشارع المصري، وطمس حركة المناوئين للقبول بحكم الأمن والعسكر.

هذا ناهيك عن نهج تفعيل بؤر التآمر والتخابر، وتوظيف مفاعيل نظرية المؤامرة، واختلاق الأزمات على اختلافها، وكله لغسل عقول وأدمغة من يؤمنون بشرعية الانتخاب والحرية في اختيار الحاكم على أسس شورية وديمقراطية.
 
من خبرة الأمن المصري والمؤسسة العسكرية بنفوس بعض "الغلابة" المصريين تراهم آخذين وبكل ضراوة ببث وإثارة كل تلك القضايا والمضامين القابلة للتصديق، وذلك من خلال توظيف العديد من وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، المتحيزة منها والمأجورة، والتي ثبت أنها لا تعير أدنى اهتمام لأي أخلاق أو معايير مهنية.

هذا بعد أن عملوا على إسكات جميع الوسائل الإعلامية التي قد تبذل ما بوسعها من أجل الحق وإظهار الحقيقة، حيث كان ذلك العمل المشين مباشرة بعد تلاوة الفريق أول عبد الفتاح السيسي لنص وثيقة الانقلاب والدعوة إلى تعطيل الدستور.
المشهد المصري بمجمله ليس إلا أزمة مفتعلة لتبرير ما قد يتبعها من قرارات اتخذت مسبقا بحق كل من يقول لا لقبضة الأمن، لا لحكم العسكر، ولا للانقلاب على الشرعية

بث ما يصعب تصديقه أو تكذيبه جراء غياب ما قد يلزم من تلك المعايير التي قد تعين على التأكد من صحة ما هو مقروء ومسموع ومشاهد هو ديدن من انقلبوا على الشرعية.

إذ كيف بإنسان يسعى ومنذ عقود -إن لم يكن منذ قرون- همه إشباع حاجاته الفسيولوجية المحروم منها بفعل فاعل التأكد مما يقع على حواسه من معلومات؟ فحسب قواعد الحرب النفسية ومبادئ إدارتها لا يتمكن في هذه الحالة من فحص ما هو صادق مما هو كاذب وملفق.

ولا يفوتنا التذكير بحادثة قتل الصبية بعد الإلقاء بهم من فوق سطوح سيدي جابر، ومن ثم الإشاعة بأن شباب الاخوان وأشياعهم هم من يفعلون ذلك بصبية مصر!

أما فيما يخص الدعاية المغرضة، فقد كان محورها الرئيسي وعن خبث ودهاء وسوء نية، طرح ما يتناغم والوضع الداخلي لمصر ورأيها العام، بل ما يتناغم مع ما هو إقليمي وعالمي، حيث العزف على وتر مواجهة ومحاربة العنف والإرهاب.

فهذا الوتر الحساس هو الهاجس في حس الكثيرين ممن هم مناهضون للإسلام وحكم الإسلاميين، وهو الشغل الشاغل للمؤسسات الأمنية في كل بلد عربي وغير عربي، وما الأمر في جوهره إلا مجرد فبركات دعائية، الهدف منها تأليب الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي على كل من يصور على أنه مناهض للأمن والأمان، فحاجات الإنسان في الدرجة من حيث الترتيب والأهمية بعد الحاجة إلى الهواء والماء والإدام، هي الأمن بامتياز.

ولكي يتقبل الرأي العام المصري وجهة نظر المؤسسة الأمنية والعسكرية بشأن الانقلاب على الشرعية، روج الانقلابيون بأن الإخوان أبالسة وخونة، مرتبطون بجهات خارجية معادية، كأميركا، وأن مشروعهم في مصر بعيد كل البعد عما هو قومي ووطني، وأنهم مشعوذون وتجار دم يتمسحون بالدين لأغراض سياسية ومصالح اقتصادية.

كل هذا يحدث خلسة في الوقت الذي يراهن فيها الأمن والعسكر على نفسية من يتوجهون إليهم بمثل تلك المضامين الشيطانية، حيث العلم بتوفر الاستهواء والقابلية للتلقي والإيحاء لدى جمهور كبير من المصريين الرافضين لسبب أو لآخر لنتائج ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وما أفرزته انتخابات مصر الأخيرة من فوز جماعة الإخوان المسلمين ومرشحها الدكتور محمد مرسي.

ناهيك عن علم الأمن والعسكر بتوفر عامل الاستعداد النفسي للاستجابة من البعض لمخططهم الانقلابي جراء خوفه وقلقه وتوتره مما هو إسلام سياسي، وعدم الثقة بأهله حتى وإن كانوا محل ثقة.

فقد سبق للإعلام المصري وما أنتجته السينما العربية من مسلسلات وأفلام أن مهدت الطريق لمثل هذه النتيجة، وما فيلم "الإرهابي" عن هذا الأمر ببعيد.

لا عجب أن توجد ثورة مصرية مضادة هدفها العودة بمصر إلى ما قبل ٢٥ يناير/كانون الثاني، وعلى رأس هذه الثورة من حرموا تلك المكتسبات من أفراد شرطة ورجال أمن مركزي وغيرهم من المنتفعين

ولإنجاح ما سبق عمد الأمن والعسكر بحكم عقيدتهم الأمنية والعسكرية إلى إثارة الذعر والرعب والفوضى في الشارع المصري، والمتمثل بما شهدته أحداث دار الحرس الجمهوري والمنصة في رابعة العدوية، وكأن من وجهت لهم تلك العمليات هم أعداء حقيقيون للشعب المصري والوطن المصري، لا مواطنون مصريون أصحاب حق قد اغتصب.

وبهذا صار اللبس والخلط السيكولوجي، بحيث أضحى رجل الأمن المصري وكأنه لا يميز بين ما يؤمن به كرجل أمن من أجل حماية الوطن والمواطن وما يتمثله ويؤمن ويعتقد بصحته كشخص.

وفي نفس المسار، ومن أجل تحقيق الغايات المرجوة ومنها تفويت الفرصة من إمكانية عودة مرسي المنتخب إلى كرسي الحكم، وقطع الطريق على الشرعية الدستورية وانتصار الجماهير المؤيدة لها، كان ما يروج له أمنيا أن المتظاهرين هم من شرع بإطلاق النار على الأمن والعسكر ونواديهم ومراكزهم، وأنهم مسلحون بكل أنواع الأسلحة، بما فيها الثقيلة، وكله لإثارة الذعر والرعب والفوضى في النفوس لكسب المزيد من الرأي العام المصري بل الإقليمي والعالمي، والتسليم بأن هنالك عنفا وإرهابا يتهدد الأمن القومي المصري، لا بد من مواجهته، والعمل على استئصاله واجتثاثه من جذوره.

وعلى القاعدة "الهتلرية" نفسها، ما قام به الأمن والعسكر في مصر كان يهدف إلى إثارة الهلع في صفوف المعتصمين أنفسهم، ممن ينظر إليهم على أنهم أعداء لمصر ولشعب مصر، ممن هم معتصمون في الشوارع والميادين، وعلى رأسها ميدانا رابعة العدوية والنهضة.

فمن أقوال هتلر في مثل هذا السياق "إن أسلحتنا تقوم على ضمان اضطراب الذهن وتغذية الأحاسيس والمشاعر المتناقضة، وخلق جو من الحيرة والتردد والرعب الذي ندخله في قلوب الأعداء".

إن توظيف الطائرات، سواء الحربية منها أو العمودية، للتحليق والتجوال فوق رؤوس المحتشدين ما هو إلا لتحقيق غرض الذعر والرعب والفوضى في النفوس، خصوصا أنها كانت تلقي مناشير تحمل في طياتها للمحتشدين رسائل الترهيب والترغيب، ومطالبتهم بفض اعتصاماتهم، مع ضمان عدم الملاحقة الأمنية لأي منهم.

كما وظف الأمن والعسكر البلطجية وتلك العناصر الإجرامية والجنائية في الاعتداء على المحتجين والتعرض لهم، ولنفس الغرض والغاية.

وكان الأخطر بعد تحقيق ذلك التفويض المشبوه للسيسي، هو قتل الناس وهم صيام ركع سجود في صلاة الفجر.

التهديد بقطع الكهرباء والماء، واحتمال اللجوء إلى الحصار والتجويع والفض بالقوة هو أيضا من تلك الأساليب والألاعيب، التي عمد الأمن من ورائها إلى إضعاف الروح المعنوية لمن هم خصوم، ودفعهم نحو المزيد من الهلع والتشتت الذهني.

المؤامرات واختلاق الأزمات نهج سيكولوجي آخر، فمنذ البداية والأمن والعسكر يحبكون المؤامرة تلو الأخرى، ويفتعلون الأزمات لتبرير أقوالهم وأفعالهم بحق خصومهم.

إن نقمة رجل الأمن المصري تكمن في سخطه على كل من ثار في مصر أيام مبارك، وحرمه من تلك الإتاوات والرشا التي كان يجمعها من المواطنين والزائرين والعابرين والمقيمين والمغتربين

ابتداء، قاموا باستغلال أحداث شبه جزيرة سيناء الأمنية، والقائمة أصلا منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، بتصويرها على أنها أعمال عنف وإرهاب من تدبير الإخوان ومن هم متحالفون معهم، وأن هنالك تخابرا بهذا الشأن مع حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين، وعلى وجه التحديد مع حركة حماس في غزة.

كما أن اللجوء إلى تضخيم بعض الأحداث الصغيرة، كحادث انفجار قنبلة مقر أمن المنصورة، ومقتل أحد عناصر الأمن جراء ذلك الانفجار، وعلى أن الخطر قادم وداهم ما لم يوضع حد لمثل هذه الأعمال، ما هو إلا أسلوب آخر من تلك الأساليب الأمنية، الهادفة إلى غرس بذور الخوف والرعب في النفوس.

وما المشهد المصري بمجمله إلا أزمة مفتعلة لتبرير ما قد يتبعها من قرارات اتخذت مسبقا بحق كل من يقول لا لقبضة الأمن، لا لحكم العسكر، ولا للانقلاب على الشرعية الدستورية في مصر.

كمحلل نفساني، أرى أن هنالك جهودا أمنية وعسكرية مصرية جبارة، مبتغاها غسل العقول والأدمغة من تلك الأفكار والقناعات التي يحملها كل من يناهض تدخل الأمن والعسكر في عالم السياسة والاجتماع.

ومن هنا صار يوظف لنفس الغرض كل ما هو ممكن من إعلام ووسائل إعلام وبحوث إجرائية، غايتها حمل المحتجين على انقلاب 3 يوليو/تموز ٢٠١٣ على تغيير تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم، لجر وتحويل الاتجاه العام المصري نحو الواقع الجديد، الضامن لإبقاء مصر ضعيفة مكبلة ينهش من خيراتها ومقدراتها كل من يتربص بها، سواء كان قريبا من أبنائها أو بعيدا من أعدائها.

وما الإعلان عن قبول المليارات الخليجية المقدمة من السعودية والكويت والإمارات إلا لإقناع الإنسان المصري البسيط بأن الخيرات بلا مرسي وبلا اخوان وبلا انتخابات قد أقبلت.

كما أنه وفي بعض الحالات يعمل وعن قصد بتسريب بعض الأخبار عمن هم معتقلون ممن هم في غياهب السجون بأنهم يهانون ويضربون ويحقق معهم لساعات طوال، وعلى رأسهم محمد مرسي.
وكل ذلك بهدف حمل كل من هو مناوئ على الاستسلام لسياسة الأمر الواقع، ومن ثم الانصياع والإذعان للمرحلة القادمة وتبعاتها، وفقدان الثقة بالعمل السياسي وكل ما يمت إلى السياسة بصلة.

بل وظفت في السياق نفسه أطنان من المقالات ومقاطع الفيديو التي تتحدث عن أولئك الذين أسسوا للعمل الإسلامي والجهادي في مصر وفي غيرها وعن أنهم راجعوا أنفسهم ليمنّ الله عليهم بكشف الغمة، وأن أي عمل ضد من هو في الحكم ما هو إلا وهم وما هو إلا عمل مأجور ومرهون لجهات غير وطنية، بل عمل مشبوه يرتبط أصحابه بأميركا وإسرائيل، وغيرهما.

يعمد الأمن أحيانا وعن قصد لتسريب بعض الأخبار عن تعرض بعض المعتقلين للإهانة والضرب والتحقيق لساعات طوال، ومن بين هؤلاء الرئيس مرسي

وكلها ألاعيب وأكاذيب أمنيّة لضمان نجاعة ونجاح عمليات غسل العقول والأدمغة مما يحمله أصحابها من أفكار ومعتقدات.

‫وقد نذهب الى ما هو أبعد من ذلك لنجمل القول بأن نقمة رجل الأمن المصري تكمن في سخطه على كل من ثار في مصر أيام مبارك، وحرمانه من تلك الإتاوات والرشا التي كان يجمعها من المواطنين والزائرين والعابرين والمقيمين والمغتربين، لأن معاشه الحقيقي لا يشتري له "جزمة"!

لذا لا عجب أن توجد ثورة مصرية مضادة هدفها العودة بمصر إلى ما قبل ٢٥ يناير/كانون الثاني، وعلى رأس هذه الثورة من حرموا تلك المكتسبات من أفراد شرطة ورجال أمن مركزي وغيرهم من المنتفعين.

فكل ما يحدث في مصر من بعد حشود 30 يوليو/تموز 2013 من عبث ما هو إلا طمع في استعادة ذلك "المجد" الأمني المفقود، وإن كان زائفا.

ثم استطاع هؤلاء المسخّرون ومن يقف وراءهم من سياسيين نفعيين وبرجوازيين مرتبطين بأنظمة إقليمية ودولية لا يروق لها تحرر الإنسان المصري مما هو عليه توريط من يفترض بهم أن يكونوا حماة مصر وشعب مصر (الجيش) في معركة سياسية داخلية قد تعصف بالجميع وإلى غير رجعة.‬

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك