عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


 
- تقدير الموقف
- نتائج الضربة
-التدخل اللوجستي

تعلن القوى الدولية والإقليمية المتحمسة للضربة العسكرية ضد النظام السوري أنها تأتي كرد فعل على مجزرة الغوطة، واستخدام النظام للسلاح الكيميائي، وتبدو إسرائيل في قلب هذا الهجوم الوشيك، على الأقل بالنظر لتبعاته الميدانية ونتائجه العملياتية.

وربما السؤال الأكثر تكرارا في تل أبيب اليوم: هل سترد سوريا على الضربة بتوجيه قذائفها المدفعية نحو المدن الإسرائيلية أم تكتفي برفع سقف تهديداتها الخطابية فحسب دون حراك ميداني؟ وهل ستقوم بذلك بالأصالة أم عبر حلفائها في المنطقة؟ ولو حصل ذلك، كيف سيكون الرد الإسرائيلي على الفعل السوري المستبعد؟

 تقدير الموقف
تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من تقديرات الموقف التي تزودها بها الأجهزة الاستخبارية، وصدرت العديد من التصريحات التي أكدت أن إسرائيل ستعرف كيف تدافع عن نفسها في وجه من يحاولون مهاجمتها، ولسان حالها يقول: "عيوننا على سوريا، وأصابعنا على الزناد"، متخذة كافة الاستعدادات لمواجهة السيناريوهات المحتملة بالتزامن مع توجيه الضربة الأميركية.

ترى إسرائيل أن فرض حظر جوي على سوريا يوجب الاحتكاك الطويل مع منظومات الدفاع الجوي، فيما الهجوم المحدود على بعض الأهداف سيمكن الأميركيين من إظهار الفِعل دون تورط

وتقول الكثير من التقديرات الإسرائيلية إن الأسد اضطر "أوباما" لأن يفعل فعلا، ويتخذ قرارات لا يريد اتخاذها، لكنه مُجبر ليعيد ثقة العالم بالولايات المتحدة، مع أدنى قدر من تعريض قواتها ومصالحها للخطر.

ولما كانت عملية برية في سوريا غير مأخوذة بالحسبان، فقد بقي الهجوم الجوي بطائرات وبصواريخ بحرية، ويمكن أن تكون أهداف الهجوم إستراتيجية كجعل سماء سوريا منطقة حظر طيران، أو تكتيكية كضرب أهداف محدودة متصلة بمنظومة السلاح الكيميائي، وبصواريخ أرض-أرض، أو كل هدف رمزي آخر لردع الأسد عن استعماله مرة أخرى.

وترى إسرائيل أن فرض حظر جوي على سوريا يوجب الاحتكاك الطويل مع منظومات الدفاع الجوي، مما يرفع مستوى التوتر، فيما الهجوم المحدود على بعض الأهداف للردع عملية قصيرة الأمد ستُمكّن الأميركيين من إظهار الفِعل دون تورط، وقد يرجح كفة المسلحين مقابل العملية التكتيكية التي لن تُغير توازن القوى.

ولذلك فإن ما يرجحه الإسرائيليون أن الهجوم على التقديرات التكتيكية قد يتجاوز الحدود الإستراتيجية التي صدت تدخلا عسكريا في سوريا، وإذا كان الافتراض الإسرائيلي أن تكتفي روسيا بتنديد شديد، ولا تُرسل قوات لحماية النظام، ولا تُقرب سفناً حربية من ميناء طرطوس، فسيبقى سؤال "اليوم التالي": من سيتمتع بثمرات الهجوم؟ ومن سيتولى الحكم إذا سقط الأسد؟

هنا يستطيع "أوباما" أن يُنعم سياسيا على نفسه بأن يهاجم عدة أهداف في سوريا، ويُظهر تمسكه بالخط الأحمر الذي خطه قبل سنة، وهو تقدير مهم لرئيس شعبيته تتدهور، لكن حينما يُجهدون قوة كبرى لتضرب دولة أخرى، أو تُسقط نظاما، فمن المناسب أن يكون السبب والنتيجة تلائم القوى العظمى، مما يعني أن استعمال السلاح الكيميائي قتل أكثر من 1200 إنسان، وقُتل بالسلاح التقليدي أكثر من 100 ألف آخرين، وهذا سبب جيد وبقدر كاف لإسقاط النظام.

نتائج الضربة
يأخذ الإسرائيليون في الحسبان أن يستغل الأسد أي هجوم عليه ليوسع المعركة مع إسرائيل ليظهر كبطل سوري عربي، وهنا خرجت بعض الأصوات الإسرائيلية المحذرة مما أسمته "شراء المواقف المغرورة" التي يطلقها قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتهدد بأنّه إذا تجرأت سوريا على استهداف إسرائيل فستعيدها للعصور الوسطى، مطالبة بالتعاطي بشك مع هذه التهديدات، لأنه في الطريق لذلك سيصاب آلاف الإسرائيليين.

وهو ما دفع لأن توجد "المسألة السورية" في قلب النقاشات الإستراتيجية بين إسرائيل وحلفائها في الفترة الأخيرة، لأنّه في حال شعر الأسد بأن نظامه يتعرض لخطر ملموس، فإن كل السيناريوهات ينبغي أن تؤخذ في الحسبان عقب تنفيذ الضربة التي يفترض الإسرائيليون أن تكون في مرحلتها الأولى مقلصة ومركزة، سواء للامتناع عن التورط العسكري، أو الخشية من أن يدفع شن هجوم واسع الأسد لاستخدام الكيميائي ضد معارضيه، على قاعدة أنه لم يعد هناك ما يخسره.

لكن التحدي الأساسي يكمن في بقاء إسرائيل خارج الصورة، رغم خشيتها من أن تحاول سوريا أو حزب الله أو إيران توجيه النيران نحوها من أجل إرباك الموقف، أو توحيد العالم العربي ضدها، ولذلك من المعقول أن نرى تنسيقا معززا مع واشنطن التي ستدافع عن تل أبيب في حال هوجمت من قبل سوريا وحلفائها.
إذا كان الافتراض الإسرائيلي أن تكتفي روسيا بتنديد شديد، ولا ترسل قوات لحماية النظام، فإن سؤال اليوم التالي: من سيتمتع بثمرات الهجوم؟ ومن سيتولى الحكم إذا سقط الأسد؟

وقد تم تزويد إسرائيل بمعلومات أميركية مؤكدة أن الضربة لن تؤدي لانهيار النظام، بل لكبح جماحه ومعاقبته، وفي هذه الحالة قد لا يكون الأسد مضطراً لـ"تكسير الأدوات"، عبر مهاجمة إسرائيل، وتعريض نظامه لخطر السقوط.

ورغم أن هناك قطاعا واسعا من دوائر صنع القرار الإسرائيلي يستبعد احتمال أن تشنّ سوريا هجوماً صاروخياً ضد إسرائيل في حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بمهاجمتها، لكنها في جميع الأحوال عليها أن تكون مستعدة من الناحيتين الهجومية والدفاعية، لأنّه في حال شن هجوم أميركي فسيتم إخطارها مسبقاً.

اللافت في إسرائيل تلك القراءة الاستخبارية لـ"سيكولوجية شخصية الأسد"، فطالما كان بإمكانه البقاء بعد أي هجوم أميركي فلن يهاجم إسرائيل، ولن يدخلها كقوة ضده، لكنه في اللحظة التي يشعر فيها أن مصيره حُسم فقد يرى في عمل ضدها أمراً جذاباً، وما يقلقه بهذه المرحلة كيف يخلص نفسه وعائلته من المصير الذي ينتظره، ولذلك فلن يرد على إسرائيل لو هاجمته الولايات المتحدة، لعلمه أن عنده الكثير مما يخسره إذا قام بذلك.

كما أن استبعاد إسرائيل لقيام النظام السوري بالرد على العملية العسكرية يعود لكونه في صراع على البقاء، ولن يغامر بفتح مواجهة معها، لأن هذه الخطوة ستضعفه في مواجهة الثوار المسلحين الذين قد يستغلون الهجوم الجوي الأميركي للتقدم الميداني على الأرض.

لكن ذلك لا يلغي القناعة الإسرائيلية بقدرة سوريا على الرد، رغم أن التقديرات العامة تشير إلى أن الأسد لن يخاطر في المرحلة الحالية -وهو يصارع للبقاء في الحكم- بتوجيه ضربة أو شن أي هجوم ضد إسرائيل، خاصة أنه لم يرد عسكريا على الضربات التي تعرض لها في العامين الأخيرين.

كما أن احتمالات قيام حزب الله بإطلاق الصواريخ على إسرائيل ضعيفة، في ظل الانتقادات الموجهة له داخل لبنان.

التدخل اللوجستي
في البدء، دأبت إسرائيل أكثر من مرة على إعلان أنها ليست طرفاً في الأزمة السورية، ولا تتخذ موقفاً معلنا منها، بل إن رئيس الحكومة أوعز لوزرائه بعدم الحديث العلني عن الهجوم على سوريا، منعا لحرج هنا أو إرباك هناك للقوات المهاجمة، رغم أن حماية أمنها يقع في صلب الهجوم المتوقع على سوريا.

ولمنع وقوع أي مفاجآت غير متوقعة في الهجوم الغربي على سوريا، وخوفا من تعرض إسرائيل لرد فعل انتقامي منها، التقى وفد أمني إسرائيلي رفيع المستوى -برئاسة مستشار الأمن القومي "يعكوف عميدرور"- مع كبار المسؤولين الأميركيين، على رأسهم نظيرته "سوزان رايس"، تمحورت حول التطورات في سوريا في ضوء أحداثها الجارية، والاستعدادات لإمكانية توجيه ضربة عسكرية.
وقد تم تسريب بعض حيثيات الزيارة، وجاءت خلاصتها بأنّ إسرائيل تلتزم بمصالحها الأمنية، عبر استمرار التنسيق مع الولايات المتحدة، وعرض مساعدة استخبارية وقت الحاجة، ومتابعة ما يجري، مع الحفاظ على استعداد وتيقظ إذا بدأت الضربة.

واتفق الجانبان في التقدير على أن الأسد غير معني بإقحام إسرائيل في الحرب المحتملة، لأنه يخشى أن يكون ردها مصيريا بالنسبة لمستقبله، وسترد بحزم إذا تعرضت لهجوم، كما أن مستوى تأهب الجيش الإسرائيلي كاف للرد سريعا، والدوائر الأمنية تجري تقييمات مستمرة في ضوء الحديث عن هجوم غربي وشيك.
تم تزويد إسرائيل بمعلومات أميركية مؤكدة أن الضربة لن تؤدي لانهيار النظام، وفي هذه الحالة قد لا يكون الأسد مضطراً لـ"تكسير الأدوات"، عبر مهاجمة إسرائيل، وتعريض نظامه لخطر السقوط

أما على الصعيد الميداني، فقد جاءت الاستعدادات الميدانية في إسرائيل، من خلال رفع حالة الاستنفار في غرف العمليات الخاصة بالمدن الشمالية، وتحديث الاتصالات مع الجبهة الداخلية و"نجمة داود الحمراء" وسلطات الإطفاء والشرطة، وإنعاش إجراءات فتح الملاجئ العامة، وإعداد مركز لإدارة الأزمات والاتصالات وفتح مسارات أخرى، وتوزيع مليون من الأقنعة الواقية من الغازات السامة على الإسرائيليين، وبالأخص من يقطنون في الشمال، بجانب باقي المدن الرئيسية.

كما رفعت إسرائيل في الأيام الأخيرة مستوى الاستعداد العسكري تجاه سوريا، ليس في الجوانب الاستخبارية فقط، بل والعسكرية، لأن المنطق ليس هو الغالب دائما في الشرق الأوسط -كما تقول- وقد يكون الرد السوري غير عقلاني، وهو ما تمثل بزيادة الجيش من استعداداته على الحدود الشمالية، كي يتابع عن قرب ما يجري فيها، ولاسيما حركة الجيش السوري، لأنه إذا حصل هجوم أميركي عليها فلن يؤدي لكسر الحياة الروتينية للإسرائيليين، أو الدخول في معركة واسعة، طالما أن الهجوم سيكون موضعيا.

في ذات السياق، أعلنت قيادة المنطقة الشمالية في الجيش، وأجهزة الأمن المختلفة أنها مستعدة لمواجهة أيّ سيناريو، وستنتقل لمنظومة عمل تستنفر فيها جميع منظوماتها الدفاعية لاعتراض أي تهديد محتمل من سوريا.

وأكدت أن الاستعدادات تشمل اعتراض عمليات إطلاق الصواريخ بواسطة منظومات صواريخ "تامير" التابعة لمنظومة القبة الحديدية، والتهديدات الجوية بواسطة صواريخ "باتريوت" وطائرات سلاح الجو، فيما قررت قيادة الجبهة الداخلية تعزيز العديد من قواتها البرية وطواقمها الطبية المدنية، لزيادة استعدادها في أعقاب الضربة.

أخيرا، فإن مخاوف إسرائيل من رد فعل عسكري سوري تجاهها انتقاما من أميركا، سيكون بمثابة انتحار من قبل الأسد، وهناك شكوك كبيرة حول تفضيله لهذا الخيار!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك