زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني



سأخصص مقالي هذا للدخول في حوار من طرف واحد، ولنقل: إنه تفكير بصوت عال علّني أجد إجابات شافية على ما أطرحه من نقاط تبدد شكوكي أو تثبتها، وربما تهز قناعاتي أو تعمقها، رغم ثقتي بصحة رأيي ومواقفي من الموضوع.

المسألة التي أرى أن من الضروري مواجهتها هي قضية فلسطين، بصفتها قضية استعمارية ذات خصوصية محددة، ومواقف بعض الشخصيات والقوى البارزة مؤخرا من حلها.

قضية فلسطين تنفرد بأن لا مثيل لها في العصور الحديثة، لكن يمكن القول: إنها تشبه إلى حد ما حدث في الأميركتين وأستراليا حيث قام المستعمر الغازي باستحضار مهاجرين أوروبيين لاستيطان المنطقة وتغيير هويتها. لكن الفرق الرئيس الأول بين ما حدث هناك وما جرى في فلسطين أن ذلك الأمر تم قبل قرون. والفرق الرئيس الثاني أن المستعمر الأوروبي عمل في أغلب الأحيان، على إبادة السكان الأصليين مع مجهود ضئيل لتنصير من نجا من المجازر الجماعية.

أما في فلسطين، فقد نفذ الغازي الأوروبي الصهيوني المستعمِر مجموعة من المجازر المخطط لها، ولأنه لم يكن بإمكانه القضاء على السكان كما في فعل في الأميركتين وأستراليا وغيرها، نفذ برنامج التطهير العِرقي، حيث أجبر الفلسطينيين على مغادرة مدنهم وقراهم ووطنهم ونفذ عملية طرد جماعي بحقهم إلى الدول العربية المجاورة، التي شاركت حكوماتها التي كانت قائمة حينئذ في المأساة، وصارت تفاصيل ذلك التآمر والتواطؤ معروفة للقاصي والداني.

في فلسطين نفذ الغازي الأوروبي الصهيوني المستعمِر مجموعة من المجازر المخطط لها، ولأنه لم يكن بإمكانه القضاء على السكان، نفذ برنامج التطهير العرقي

كان الهدف من المجازر والتطهير العرقي من منظور الحركة الصهيونية، تأسيس حقائق سكانية جديدة يشكل فيها اليهود غالبية السكان، وهذا ما حصل.

الآن، عندما نتكلم في القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في وطنه، فإننا لا ننطلق من القرارات الدولية ولا من القانون الدولي وما إلى ذلك، لأن الأمر لا يتعلق بحكومات ودول ترى أنها ملزمة باحترام المواثيق الدولية وغيرها، دون أن يعني ذلك أننا نسوغ لهم مواقفهم.

ولأن حديثنا كذلك ليس موجها إلى الدول التي ستجد آلاف الأعذار القانونية الدولية للتنصل من قضية فلسطين على الأساس العادل الوحيد، أي إقامة دولة فلسطين الديمقراطية العِلمانية -بمعنى اللادينية- مع أن صفة العلماني للشخص تعني من منظورنا، أن المعني غير متدين، وليس ملحدا أو لا ديني كما يحاول البعض تشويه المعنى.

لا بد الآن من تأكيد أننا لا نخاطب المتصهينين من العرب السفهاء الذين يرددون عن وعي وسابق إصرار وتصميم ادعاءات العدو بأن الفلسطينيين باعوا بلادهم. هؤلاء ليسوا معنيين بأي قضية ولسنا معنيين بمحاورتهم.

اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى مستوطنة يهودية أو كيان يهودي، جعل سكانها يجمعهم أمر واحد هو الدين، أي أنها دولة دينية، رغم محاولة الالتفاف على ذلك عبر عدم وضع دستور. أما القوانين الأساس السارية في ذلك الكيان فتنطلق في أغلبها من منظور توراتي وتأويل تلمودي.

وإضافة إلى ما سبق، فاغتصاب فلسطين، وفكرة خلق الدولة اليهودية في فلسطين، لم يكن أمرا تقدميا، بل فكرة رجعية من الأساس، تستند إلى نحو كامل وكلي إلى أساطير وخرافات توراتية، تبناها الغرب الاستعماري في مطلع القرن الماضي، وأناط ببريطانيا التي كانت تقود العالم الاستعماري وقتها تنفيذ المشروع عمليا، ثم نقلت المسؤولية إلى الولايات المتحدة الأميركية بعدما أفل نجم الأولى.

الغرب الاستعماري، رغم عِلمانية دوله، كثير من مكونات فكره مرتبطة بمفاهيم دينية، خصوصا لدى الطوائف البروتستانتية. وثمة الكثير من المؤلفات الأكاديمية الغربية عن الموضوع، أصدرتها دور نشر جامعات أوروبية وأميركية مرموقة، ما يعفينا من مسألة الخوض في هذه المسألة وبإمكان المهتم العودة إليها.

وهذا ما يقودنا مجددا إلى جوهر موضوعنا وهو موقف بعض القوى والشخصيات العربية النشيطة في العمل السياسي من القضية الفلسطينية ضمن الحراكات التي تشهدها بلادنا، فرديا أو حزبيا أو تنظيميا.

من غير الممكن أن يكون الشخص معاديا للصهيونية فقط لأن مشروعها يمس حقوق أمتنا في جزء من وطننا. فمعاداة الصهيونية ناتجة عن طبيعة فكرها العنصري والمتخلف

في هذه الأيام، ولنقل منذ اندلاع الحراكات -أو سمها كما شئت- في العديد من البلاد العربية، ظهرت إلى العلن قوى وشخصيات رفعت شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها لشعوبها، بغض النظر عن معاني تلك المصطلحات، بل إن بعضها سوغ اللجوء إلى السلاح والاستعانة بقوى خارجية وطالب به، لتحقيق هدفها المعلن، أي إسقاط النظام القائم في هذا البلد العربي أو ذاك وتسلم الحكم فيه.

المشكلة الآن أن بعض الشخصيات والقوى المطالبة بالحرية لشعوبها -حتى ولو أتت معتلية دبابات حلف الناتو، وكلنا يرى نتائج ذلك في العراق وليبيا- اتخذت ولا تزال مواقف معادية لحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه خصوصا عبر التزام صمت مريب عن معاناته.

ومن تلك الشخصيات من جهر سابقا بتأييده لاتفاقات أوسلو، ونحن نعلم أن أي اتفاق مع إسرائيل لا يضمن حق الشعب الفلسطيني في العودة والتعويض كحد أدنى، ينتقص من حريته وحرية شعوب أمتنا العربية جميعها لأن فلسطين قضية استعمارية/قومية بامتياز، ولا مجال هنا لوجهات نظر متعددة بخصوص حقوقنا الوطنية والقومية.

لكننا نعلم أيضا أن من تلك الشخصيات والقوى نفسها من جهرت بمعاداتها لاتفاقات كامب ديفيد، والسبب، كما هو واضح وجلي، أن المزاج العام بين الأنظمة العربية حينذاك كان معاداة الصلح مع إسرائيل والذي لا يمكن أن يتم إلا على ركام الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية/القومية، ما منع تلك الشخصيات والقوى من اتخاذ مواقف مخالفة. والأمر ذاته يسري على اتفاقية وادي عربة.

الآن، ولأن قضية الحرية في وطننا العربي الكبير لا تتجزأ لأن كل قضايانا تؤثر في بعضها، ما يجعلها قضايا وطنية/قومية بكل ما في الكلمة من معنى، فإن الموقف منها يجب أن يكون منسجما إلى حدوده النهائية، حتى يكتسب من يدعي تمثيل الحراكات أي مصداقية.

لنوضح أكثر: من غير الممكن أن يكون الشخص معاديا للصهيونية فقط لأن مشروعها يمس حقوق أمتنا في جزء من وطننا. فمعاداة الصهيونية ناتجة عن طبيعة فكرها العنصري والمتخلف والمستند إلى خرافات وهذيان وسعار توراتي يتجلى هذه الأيام بأقبح صوره.

فالإنسان الحر المطالب بالحرية معاد للعنصرية بحق البشر السود البشرة، فإنه وقف ضدها مع أنها لم تمس أيا من شعوبنا أو حقوقنا في بلادنا. فالمواقف المعادية لهذا الفكر القبيح المتخلف والمتعالي على الغير ليست مرتبطة بجغرافية محددة، والأمر ذاته يسري على مواقف الإنسان المنادي بالحرية لكل الشعوب.

ما نحاول فهمه سبب أو أسباب وقوف شخصيات وقوى، تطالب بالحرية لشعوبها في الوقت الذي لا تربطه بالحرية لشعب شقيق ضحية مؤامرة استعمارية يعاني منذ عقود طويلة تبعات طرده من وطنه، ولا يزال يحمل قضيته -قضية العرب الأولى- على كتفيه منذ قرن ونصف من الزمن.

الحرية قضية لا تتجزأ، لكن إن جزأها البعض فمن حقنا محاصرة كل مطالبه ونواياه وحركاته وسياساته وشعاراته المعلنة وغير المعلنة، بالشكوك
من يطالب بالحرية لنفسه ولشعبه ولقومه، إن كان صادقا حقا، عليه ربطها بحقوق الآخرين. والمطالبة بحقوق شعبنا في فلسطين هي في الوقت ذاته مطالبة بالحرية لليهود في فلسطين الذين هم ضحايا الفكر العنصري والسعار التوراتي. تحرير اليهود من الفكر الصهيوني العنصري المتعالي على الآخر لا يمكن من دون استبدال دولة فلسطين الديمقراطية بالكيان الصهيوني. وغير ذلك وهم. فحرية الشعوب والأقوام قضية لا تتجزأ، خصوصا في منطقتنا.

فالقضاء على الفكر النازي العنصري كان يستدعي بالضرورة تدمير تجلياته الكيانية، أي الدولة الألمانية الفاشية التي أطلق عليها اسم الرايخ الثالث، أي الإمبراطورية الثالثة، في إشارة إلى الإمبراطورية الرومانية الأولى قبل انشقاقها إلى شرقية وغربية، والثانية التي أطلق عليها اسم الإمبراطورية الرومانية المقدسة للجرمان أو الآريين.

لذلك، وحتى يكتسب كلام دعاة حرية شعوبهم مصداقية، عليهم عدم تجزئة قضية الحرية، خصوصا عندما تمس حقوق أمتنا العربية. وعلى المطالب بحقوق شعبه أن يكون منسجما حتى النهاية في مواقفه من قضايا حرية الغير.

فالحرية، كما قلنا، قضية لا تتجزأ، لكن إن جزأها البعض فمن حقنا محاصرة كل مطالبه ونواياه وحركاته وسياساته وشعاراته المعلنة وغير المعلنة، بالشكوك، وعندها يكون لكل حادث حديث.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك