رشيد الحاج صالح

رشيد الحاج صالح

رشيد الحاج صالح

 

لا شك أن تصريحات الناطق باسم البيت الأبيض مؤخرا بأن الأسد لا يستطيع أن يحكم سوريا, وأن حكمه يقتصر على جزء من سوريا, تشكل نقطة تحول كبيرة في مسار الموقف الأميركي الذي طالما طالب مرارا وتكرارا بتنحي الأسد ورحيله. الأمر الذي يعني في نهاية الأمر أن أميركا قد تقبل بأن يحكم الأسد جزءا من سوريا, طالما أن أيا من طرفي النزاع لم يستطع الإطاحة بالآخر.

فالولايات المتحدة تريد أن تقول من وراء هذا التصريح إنها تعرف جيدا ما يدور من أحاديث وخطط خلف الكواليس، يسعى النظام من خلالها إلى تقسيم سوريا إلى عدة دويلات طائفية وإثنية, بحيث يأخذ كل طرف المكان الذي يسيطر عليه وينشئ دويلته المستقلة, وإنها لا تمانع ولا تضع (فيتو) على مثل هكذا مخططات.

والسؤال الذي نريد أن نتوقف عنده بمناسبة هذا التصريح الخطير: من هي الدول والأطراف التي لها مصلحة في إعادة رسم الخارطة السورية وتقسيمها إلى عدة دويلات؟

ليس بمقدور أي فريق في المدى المنظور حسم المعركة لصالحه، فالثوار يقدمون بطولات سيذكرها التاريخ طويلا, ولكنهم يعانون قلة السلاح النوعي، وضعف الدعم, وتحكم دول داعمة للثورة بهم

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن أي تسوية سياسية للأزمة السورية أصبحت الآن في غاية الصعوبة, وأن كل الأطراف الداعمة -من إيران إلى روسيا إلى الغرب- وكل الأطراف المباشرة في النزاع -من النظام السوري إلى الجيش الحر إلى الفصائل الكردية إلى الكتائب الإسلامية التي تصفها الجهات الغربية بـ"المتشددة"- أصبحت تدرك تماما أن القوة العسكرية في الميدان لها الكلمة الفصل في حل الأزمة, وأن أي تسوية لن تكون سوى صدى لما يجري في الميدان.

وقد أكد ذلك أحمد الجربا عندما قال: إن الائتلاف الوطني لن يذهب إلى جنيف2 إلا إذا كان الثوار أكثر قوة وتماسكاً. وأكد ذلك الأسد أيضا عندما ذهب في خطابه بمناسبة ليلة القدر إلى أن الحل في سوريا لن يكون إلا عبر القضاء على "الإرهابيين", وأنه لن يتفاوض مع معارضة "ساقطة أخلاقيا".

وعلى اعتبار أنه ليس هناك أفق لأي حل سياسي فإن الحسابات الميدانية, والتوازنات في القوة هي التي يجب أن يحسب لها حساب, وعلى أساسها تجري التحليلات.

وحساب التوازنات يؤكد أنه ليس بمقدور أي فريق في المدى المنظور حسم المعركة لصالحه، فالثوار يقدمون بطولات سيذكرها التاريخ طويلا, ولكنهم يعانون قلة السلاح النوعي، وضعف الدعم, وتحكم الدول الداعمة للثورة بهم.

أما النظام السوري فقد بات واضحا أنه منهك, ويعاني من أزمة اقتصادية, وأنه يدافع بصعوبة عن المناطق التي يسيطر عليها, بل إنه أخذ يتراجع في بعض المناطق, ولاسيما في شمال حلب وبعض مناطق درعا وريف اللاذقية, حيث بات الثوار على بعد عدة كيلو مترات من بلدة القرداحة مسقط رأس الأسد.

وسط هذا التوازن المرعب في القوة، وانسداد الأفق السياسي لجأت بعض الأطراف إلى التفكير في الحلول الأكثر إيلاما.

ويبدو أن أول من فكر في الأمر هو النظام السوري, ثم أخذ ينسق مع الأكراد وحزب الله وإيران, بينما أبدت الأطراف الغربية عدم مبالاة بالأمر, طالما أنه لا يمس مصالحها الكبرى.

إن الأطراف الأربعة: النظام السوري, وإيران وحزب الله, والأكراد, والغرب، أدركت أنه ليس بالإمكان أفضل مما سيكون, وأن تقسيم سوريا إلى عدة دويلات -علوية في الساحل, وكردية في الشمال والشمال الشرقي, ودولة أو أكثر في باقي مناطق سوريا- أمر لا مفر منه, ولاسيما أن النظام السوري استمات في التمسك بحمص بغية العمل على تأمين المناطق المجاورة لدويلته المفترضة, و ضمان عدم قيام دولة واحدة في المناطق الأخرى, وتقسيم سوريا الداخلية إلى دولتين, واحدة في شمال حمص وأخرى في جنوب حمص.

فبالنسبة للطرف الأول -وهو النظام السوري- فإن الحديث عن انسحابه في النهاية إلى الساحل وإقامة دويلة هناك، هو حديث نسمع به منذ فترة ليست بالقصيرة, واليوم أصبح احتمالا تؤكده السياسات العسكرية للنظام الذي لم يستنفر قوته وقوة حلفائه -من حزب الله وبعض العناصر الشيعية من العراق- في الجزيرة السورية وحلب كما استنفرها في القصير وحمص, لما يمكن أن تشكله المنطقتان الأخيرتان من أهمية إستراتيجية لمخططاته في إعادة رسم الخارطة السورية.

النظام السوري بات منهكا, ويعاني من أزمة اقتصادية, ويدافع بصعوبة عن المناطق التي يسيطر عليها, بل أخذ يتراجع في بعض المناطق, ولاسيما في شمال حلب وبعض مناطق درعا وريف اللاذقية

يضاف إلى ذلك أن احتمالات إنشاء النظام السوري لدويلته في الساحل هو ما جعله يعتمد على حلفاء لن يعترضوا على هذا الأمر إذا ما اضطر للجوء إليه في المستقبل، فحلفاؤه الأساسيون هم إيران وحزب الله والمالكي, وهو أمر له دلالاته التي لا تخفى على أحد.

أما بالنسبة للطرف الثاني -وهو الأكراد- فقد اتضح الأمر أكثر عندما لجأ النظام إلى تحريك الورقة الكردية في شمال سوريا, وأخذ يدغدغ طموحات الأكراد بمعادلة "أنتم في الشمال ونحن في الساحل", بحيث لجأ النظام بعد انسحابه من عدد من المواقع مخليا إياها لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى مطالبة الأكراد بمواجهة كتائب "دولة العراق والشام الإسلامية" في الشمال السوري.

ويرمي النظام من تلك الخطوة إلى تحقيق هدفين بضربة واحدة، يتمثل الأول منهما في التخلص من الشمال السوري الواسع, مع بقاء قوة موالية له هي الأكراد, أما الثاني فيتمثل في استنزاف الكتائب الإسلامية التي توصف بـ"المتشددة"، في مواجهات طويلة مع الأكراد.

ويمكن القول إن النظام السوري قد ورط الأكراد في هذه المواجهة, لأن الأكراد أسسوا في الفترة الأخيرة لخطاب كردي مشترك يقبل "بالحكم الذاتي" ولا يدعو إلى "الانفصال", وهذا ما أكده "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي" على لسان زعيمه صالح مسلم. غير أن للنظام السوري غايات ومآرب تختلف عن حسابات الأكراد الذين يبدو أن بعض رموزهم بدأ يأخذ بحسابات النظام، خصوصا بعد أن قال لهم: "الشمال لكم فخذوه قبل أن يأخذه غيركم".

أما بالنسبة لحسابات الطرف الثالث -وهو إيران- فإنها تعتقد أنها قدمت الكثير للنظام السوري, وأنها مستعدة لتقديم المزيد, ولكن ليس إلى ما لا نهاية.

فالرئيس الجديد حسن روحاني عازم على التخفيف من المشاكل الاقتصادية الداخلية للشعب الإيراني, وهو يميل إلى التحاور مع الغرب وليس إلى التصعيد معه, ولذلك فإنه لا يميل إلى التورط أكثر في الأزمة السورية, ويعتبر أن الأمر يجب أن يخضع لحسابات المصالح, ومعاملات الربح والخسارة.

صحيح أن النظام السوري وفر لإيران منفذا هاما على لبنان للتواصل مع شيعتها, وأنه يعتبر نفسه نافذة إيران على المتوسط, وأنه جعل إيران تطل على إسرائيل بشكل مباشر عبر الحدود اللبنانية, إلا أن دعم إيران للنظام السوري اليوم ليس بلا ثمن, فقد أدى ذلك الدعم إلى مشاكل مع تركيا أولا, ونبه الغرب إلى زيادة عقوباته الاقتصادية على إيران ثانيا.

وهذا يعني أن الإيرانيين يسعون للتعجيل بإنهاء الأزمة السورية، حتى لو كان الثمن تقسيم سوريا, طالما أن هناك دويلة موالية لهم ومطلة على المتوسط. فالمهم بالنسبة لإيران البقاء في سوريا, ولو عبر جزء منها, لأن مثل هذا الأمر يمكن أن يخدم مصالحها في النهاية, فتلك الدويلة لن تترك حزب الله وحده أولا, وستبقى نافذة لإيران على المتوسط ثانيا.

دغدغة النظام لمشاعر الأكراد تهدف لأمرين: التخلص من الشمال السوري الواسع لصالح قوة كردية موالية، واستنزاف الكتائب الإسلامية التي توصف بـ"المتشددة" في مواجهات طويلة مع الأكراد
أما بالنسبة لحسابات الطرف الرابع -وهو الغرب- فهي أكثر وضوحا. ولعل موقف الولايات المتحدة خلف عدم إرسال أسلحة نوعية للجيش الحر أمر يمكن أن يوضح كثيرا من الأمور.
 
ومن الواضح أن الغرب لا يريد لأي من طرفي النزاع أن يحسم الموقف -وهذا مطلب إسرائيلي- وأن عدم الحسم هذا إذا انتهى إلى تقسيم سوريا إلى عدة دويلات فإن الغرب لن ينزعج من ذلك, حتى لو كانت إحدى تلك الدويلات دويلة إسلامية على طريقة القاعدة, لأنه من الواضح أن هذه الدويلات ستبقى في حال تنافر وحرب مع الدويلات المجاورة لفترة قد تطول عشرات السنين. وهو أمر ترغب فيه إسرائيل التي ستكون بوضع يجعل الجميع يحاول تجنب مواجهتها, لأنه مشغول في معاركه مع جيرانه الجدد.
 
إن ما يجري اليوم في سوريا من مجازر وتدمير أمر لا يعني الغرب كثيرا, لأنه يعتقد أنه ليس هو المسؤول عنه. وحتى إذا استخدم نظام الأسد "الأسلحة الكيمياوية", فإن الغرب لم يعد ينظر إلى هذا الاستخدام على أنه "خط أحمر".

أما النظام فقد وجد لنفسه مخرجا بدل الأسلحة الكيمياوية, ألا وهو الدويلة الساحلية, وهذه ليست "خطا أحمر" بالنسبة للغرب. هذه السياسة في محو الخطوط الحمر هي التي تعطي الأسد حرية شبه كاملة في تنفيذ ما يخطط له.

بقي أن نقول إن الشعوب قادرة على إفشال مخططات التقسيم, وهناك براهين تاريخية كثيرة, وإن الشعب السوري -بعلوييه وسنته وأكراده ومختلف طوائفه وأقلياته- استطاع أن يقف في وجه المخططات الفرنسية لتقسيم سوريا في بدايات القرن العشرين, وأنه مستعد اليوم أكثر من أي وقت مضى لإفشال المخططات الجديدة، التي تريد إعادة رسم الخارطة السورية.

والثورة السورية اليوم -وبعد أكثر من عامين ونصف- من اندلاعها أثبتت أنها أكبر من كل الحسابات السياسية المشبوهة. والذي يعود إلى تاريخ الثورات سيجد أن الثورات هي التي تعيد النظر في حسابات السياسة, وهي التي ترسم الخرائط وليس الطغاة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك