نادية سعد الدين

نادية سعد الدين

باحثة وأكاديمية



ظاهريا، قد يبدو الكيان الإسرائيلي اليوم وكأنه متحرر من ضغط اللحظة، التي ترجح كفة موازين القوى إلى جانبه وتمنحه فرصة كافية لتعميق الخلل القائم لمصلحته، وتجعله منفلتا من أي التزام تجاه مقاربة العملية السلمية.

وأمام ما يعتقده فعلا مضادا بعيدا عن المساءلة، يمضي الاحتلال في سياسة تغيير الوقائع على الأراضي الفلسطينية المحتلة استيطانا واستلابا وتهويدا، مستفيدا من تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية -آنيا على الأقل- إزاء المتغيرات الجارية في المنطقة وانشغالات دول الثورات العربية بقضاياها الداخلية، ومعالجة التفاعلات المرتبطة بحراك التغيير.

إلا أن ذلك ينم -في وجهه الآخر- عن منسوب القلق الإسرائيلي الداخلي من تبعات الأحداث المجاورة لكيانه المحتل، ولاسيما على الساحتين المصرية والسورية، ومما سيسفر عنه الحراك من واقع جديد لا يصب في مصلحته.

يمضي الاحتلال في سياسة تغيير الوقائع على الأراضي الفلسطينية المحتلة استيطانا واستلابا وتهويدا، مستفيدا من تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية

فإذا كانت الأحداث المصرية الأخيرة -التي أفضت إلى عزل الرئيس محمد مرسي وتسلم رئيس المحكمة الدستورية مهام إدارة البلاد مؤقتا- قد فاجأت جهاز الاستخبارات الإسرائيلية ليس من ناحية وقوعها، نظير ترجيح تقريره المبكر ثورة شعبية جديدة ضد تفاقم حدة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لم تحل في عهد الرئيس مرسي (هآرتس 14/3/2013)، وإنما لجهة توقيتها وسرعة "السقوط الدراماتيكي لحكم الإخوان" (يديعوت أحرونوت 6/7/2013)، لكنها أيضا سببت حيرة في موقف التعاطي معها، وتجاذبا داخليا بين أقطاب المؤسستين الإسرائيليتين العسكرية والسياسية حول تبعاتها على الاحتلال.

ومع ذلك، فإن ثمة تساوقا مواقفيا حول مسألتين، أولاهما أن حكم الإخوان المسلمين -في حال بقائه- ما كان من الممكن أن يشكل عنصر طمأنينة للكيان الإسرائيلي، وثانيتهما أن عنصري الأمن والاستقرار بالنسبة إليه باتا على المحك، في ظل ما قد يواجهه من تحديات من الآن فصاعدا.

ورغم محاولة بعض الداخل الإسرائيلي التهويل من مغبة "كارثة العزل" لرئيس عد في نظرهم، "ذخرا هاما" للاحتلال بفضل التزامه باتفاقية كامب ديفيد، ونشاطه ضد الخلايا المسلحة في سيناء، وكبحه جماح "حماس" وفرضه التهدئة في غزة، فضلا عن عدائه الجذري لإيران (هآرتس 4/7/2013)، إلا أنه يخفي ارتياحا مستترا لإزاحة معتقدات أيديولوجية عديمة المساومة، ومضادة للفكر الصهيوني عن السلطة، قد تضع معاهدة السلام في خطر، وتجعل احتمال المواجهة العسكرية مع الاحتلال واردا على المدى البعيد عند غلبة التمكين وتثبيت ركائز الحكم (يديعوت أحرونوت 5/7/2013).

ولأن الاحتلال يدرك جيدا خطأ الرهان على ما أبداه الرئيس مرسي في سنة حكمه من مرونة، خالها البعض بذورا محتملة لتغيير موقفي من الصراع العربي الإسرائيلي، فقد قرأ المشهد في سياق "تكييف تكتيكي" لمتغيرات اللحظة، سرعان ما يكشف وجهه الحقيقي حين تجاوز المأزق القائم، وليس انتقالا انقلابيا إلى ما من شأنه زلزلة مرجعية الجماعة الإسلامية العقائدية الصلبة، والانفلات غير المحسوب من قواعدها وبلوغ براغماتية طور التخلي عن الثوابت، بما قد ينال من شعبيتها ويمس صورتها في المخيال العربي الإسلامي.

الاحتلال يدرك جيدا خطأ الرهان على ما أبداه الرئيس مرسي في سنة حكمه من مرونة خالها البعض بذورا محتملة لتغيير موقفي من الصراع العربي الإسرائيلي

ويروق للتيار اليميني الإسرائيلي التحذير من "حرب أهلية" مصرية ستنشر إسقاطاتها على المنطقة بكاملها، وذلك لأجل تسويق دعاوى "واحة الاستقرار والديمقراطية" في الكيان المحتل، قياسا بمحيط مضطرب وعنيف، ولغايات ضخ المال الأميركي في ما يزعمه قنوات مضادة لمهددات الأمن القومي الإسرائيلي، بينما يستل بعض اليسار منهم نظرية أن فشل تجربة الإخوان في الحكم قد يصيب القاعدة الشعبية تجاه انكفاء التضامن وتراجع التأييد، وربما تشكل هزيمتهم في مصر درسا ونموذجا لطموح حركات الإسلام السياسي في المنطقة نحو "السلطة"، لناحية انحسار التجربة أو النكوص عنها، بما يبعد "الخطر الأخضر" عن ساحة الاحتلال، بحسبهم.

وينسحب ذلك "الارتياح" في جانب منه، على "حماس" التي أصيبت بانتكاسة ملحوظة غداة عزل تنظيمها "الأم" عن الحكم، مما أفقدها أرضية استنادية متينة، وأرخى أوراق ضغط قوية ملكتها عاما كاملا، الأمر الذي قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها السياسية، في ظل توتر علاقتها مع مصر وقطعها أشواطا من مسار الابتعاد عن "المحور الشيعي"، نتيجة انتصارها لمطالب الشعب السوري بالتغيير والإصلاح ضد النظام، مما كبدها أثمانا باهظة لجهة إغلاق مكاتبها في دمشق ومغادرتها البلاد صوب فضاءات عربية أخرى، وتوتر العلاقة مع إيران، وضعضعة دعمها، وتأزم العلاقة مع "حزب الله" إلى حدّ انكشاف وجودها الأمني في الجنوب اللبناني الذي قد يصل بها إلى البحث عن مواطن أخرى بديلة، والدخول في تغيرات تحالفية محفوفة بالمخاطر بالنسبة إليها.

ويأتي ذلك وسط خلافات داخلية حادة طفت على سطح الحركة مؤخرا، وأبرزت خطابا متمايزا بين قيادتي "الداخل" و"الخارج" مس رؤيتها الإستراتيجية تجاه إدارة الصراع، وقارب موقفها من الثورات العربية والتفاعلات المرتبطة بها، ودخل في صلب نظرتها للمصالحة التي فجرت أحد اتفاقاتها مواطن التباين (إعلان الدوحة في فبراير/شباط 2012) بما قد يجعلها -في المنظور الإسرائيلي- أكثر قربا إلى قواعد اللعبة القائمة في مسار المفاوضات والتسوية السلمية (هآرتس 5/7/2013)، رغم فشل محاكاة الاحتلال لنفس التصور قبلا إزاء أحداث مثل عدواني 2008/2009 وعدوان2012، خرجت منها الحركة أكثر صلابة ومناعة تجاه الانتصار لثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية.

حماس أصيبت بانتكاسة ملحوظة غداة عزل تنظيمها "الأم" عن الحكم، مما أفقدها أرضية استنادية متينة وأرخى أوراق ضغط قوية ملكتها عاما كاملا

ويخلق الاحتقان والتوتر غير المسبوقين في المشهد الداخلي المصري سلاحا ذا حدين بالنسبة للاحتلال، إذ من شأن حالة الصراع والمجابهة بين الإخوان والدولة، واللجوء إلى القوة والعنف أن يؤدي إلى إضعاف حلقة مصر وتغيير موازين القوى جزئيا لصالح الاحتلال نظير انشغال القوات المسلحة والدولة بمعالجة الأزمة الداخلية، وتوجيه الموارد والطاقات إلى الداخل بدلا من تخصيصها للتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، باعتبار أن مصر، كما سوريا، أطراف مباشرة في المواجهة من الجانب العربي مع الجانب الإسرائيلي، بما يصب في صالح الاحتلال -آنيا على الأقل- ويجعله مرتاحا لما يحدث في مصر وسوريا.

وتستقيم تلك المعادلة مع مشهد مصري مفتوح الاحتمالات، قد ينذر بالتفجر في أية لحظة، إزاء تمسك الإخوان بالرئيس مرسي ورفضهم التنحية، وتعزيز حضورهم في الشارع، استلالا لما يعتبرونه "انقلابا على الشرعية بتأييد أنظمة عربية وإقليمية"، في ظل شعورهم باهتزاز مشروعهم الإسلامي وأمام مفاهيم "الكيانات الشمولية" و"المهام العابرة للحدود" و"الولاء والبيعة"، التي يتقاطرون حولها، مقابل حشد القوات المسلحة للأنصار في الميادين حول ما تعتقده رضوخا للإرادة الشعبية، بما قد تجد فيه أطراف خارجية مدخلا مناسبا للتدخل في الساحة المصرية.

ويجر هذا الوضع على "حماس" تداعيات لن تنجو من مخاطرها، لجهة المزيد من الاحتقان وتوتر العلاقة مع مصر، بما ينعكس سلبا على قطاع غزة وعلى وجودها في القاهرة، ولجهة احتمال انتعاش الحركات السلفية الجهادية في سيناء وغزة، وهي حركات قد تجد في سقوط الإخوان مبررا لتكثيف أعمالها المسلحة، فيما قد تستفيد القوى الفلسطينية الأخرى في القطاع -مثل الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية- من أزمة حماس لتعزيز موقعها في غزة.

وقد يجد الاحتلال في الأزمة الداخلية المصرية مناخا مناسبا لإحياء مخططه الصهيوني القديم المتجدد دوما لتصفية القضية الفلسطينية، عبر وضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، واقتطاع جزء من سيناء لأغراض توطين اللاجئين الفلسطينيين فيه، وبالتالي إلغاء حق العودة، مقابل وضع أقل من 20% مما تبقى من مساحة الضفة الغربية -الخارجة عن يد الاحتلال والمقطعة الأوصال إلى ثمانية "كانتونات" منفصلة- تحت الإدارة الأردنية، من دون أن ينجح بالضرورة في ما يذهب إليه، بفضل المقاومة الفلسطينية والعمق العربي. ولكنها مشاريع إسرائيلية حاضرة، تجتر نفسها في صيغ متنوعة لهدف مشترك يدور حول إسقاط الحقوق الوطنية الفلسطينية.

قد يجد الاحتلال في الأزمة الداخلية المصرية مناخا مناسبا لإحياء مخططه الصهيوني القديم المتجدد دوما لتصفية القضية الفلسطينية

بيد أن ذلك كله يجر معه تحديات لا توفر الطمأنينة للكيان المحتل، إذ تأخذ حسابات الأوساط العسكرية والأمنية الإسرائيلية نذر مآل الصراع والعنف بين القوى الإسلامية والدولة إلى مرحلة جديدة بخريطة سياسية مغايرة للسابق، وانتعاش حركات سياسية متطرفة لن ينحصر تأثير فعلها ضمن نطاق الساحة المصرية فقط، فضلا عن انعكاس الأحداث على الحدود مع مصر وسيطرة جماعات متطرفة على سيناء، كانت قد تلقت ضربات قاسية من قبل الرئيس مرسي خلال الشهور الماضية، بما يهدد الأمن القومي الإسرائيلي (يديعوت أحرونوت 10/07/2013).

ويخشى الاحتلال من نذر إشعال ساحات أخرى، قد توفرها ظروف الأحداث المصرية، مثل تنفيذ جماعات السلفية الجهادية من سيناء عمليات عسكرية ضد المستوطنات الصهيونية في جنوب فلسطين المحتلة، أو إطلاق الصواريخ من سيناء باتجاه المستوطنات والقواعد العسكرية في صحراء النقب.

ويمتد القلق الإسرائيلي صوب تدهور العلاقات مع القاهرة إلى حد تهديد معاهدة السلام (1979) ووضعها في بؤرة الجدل الداخلي المصري مجددا، تحت وطأة ضغط شعبي قد يمتد -بحسب مخاوف عبر عنها جهاز الموساد لدوائر صنع القرار السياسي- صوب إغلاق قناة السويس أمام حركة الملاحة البحرية الإسرائيلية، وبالتالي سد شريان البحر الأحمر لثلث تجارة الاحتلال، دون تدخل الحكومة المصرية.

وإزاء ذلك، قام الاحتلال على الفور بعد الأحداث بإرسال مبعوث إلى القاهرة لإجراء سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين لبحث العلاقات والتنسيق الأمني، كما بعث برسالة عاجلة إلى واشنطن لحثها على عدم المساس بالمساعدات المقدمة لمصر، وتجنب وصف ما حدث بأنه "انقلاب عسكري"، والابتعاد عن ما قد يؤثر سلبا على اتفاقية "كامب ديفيد"، حيث تقدم الولايات المتحدة بموجبها لمصر مليارا و300 مليون دولار، وللجانب الإسرائيلي مليارين ونصف مليار دولار.

يمتد القلق الإسرائيلي صوب تدهور العلاقات مع القاهرة إلى حد تهديد معاهدة السلام (1979) ووضعها في بؤرة الجدل الداخلي المصري مجددا

ويخشى الاحتلال انعكاس وقف المساعدات الأميركية لمصر على "كامب ديفيد" (يديعوت أحرونوت 5/7/2013)، بما يعد قلقا منطقيا بالنسبة إلى كيان غريب لم تسهم معاهدتا السلام مع مصر (1979) والأردن (1994) أو اتفاق أوسلو مع الجانب الفلسطيني (1993)، في توطيد ركائزه وجعله طبيعيا مقبولا لدى الشعوب العربية، المناهضة له بسبب سياسته العدوانية العنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني.

وللانشغال بالأحداث المتسارعة في المنطقة كلفته الباهظة بالنسبة للاحتلال إزاء ما يعتقده تراجعا للاهتمام الدولي بالمشروع النووي الإيراني، تزامنا مع إشارات إيجابية بدرت من الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني منذ انتخابه نحو "مقاربة الاعتدال وتغيير السياسة الخارجية، وإنهاء العداء مع الجوار، وتحسين العلاقات مع الغرب، وتحقيق تقدم في حل الخلاف النووي"، بما قد يخفف الضغط الدولي عن طهران إلى حد تغليب لغة الحوار الدبلوماسي على الخيارات الأخرى، وفي مقدمتها العسكرية، التي ما تزال سلطات الاحتلال تضعها في بؤرة أهدافها، وستكثف تحركها في المرحلة القليلة المقبلة لتنشيط ملفها من تلك الزاوية.

الثابت أن الكيان الإسرائيلي لن ينجو من الآن فصاعدا من تبعات متغيرات قد يبدو ظاهريا أنها تتجه لمصلحته، ولكنها تحمل إليه في طياتها تحديات مغايرة ضد أمنه واستقراره في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك