عارف حجاوي

عارف حجاوي

قبل أربعين عاماً حضرت على خشبة المسرح القومي السوري في الصالحية بدمشق مسرحية موليير "البخيل". وكان بخيل ذلك العرض عبد اللطيف فتحي، الذي سيعرف لاحقاً بلقب "أبو كلبشة". أدهشني، وجود هذه الكفاءات في التمثيل والإخراج في سوريا، التي أخملتها مصر في هذا الجانب. وما فتئت فنون الأداء السورية في صعود حتى شهد لها العالم العربي كله.

ورأينا كيف استطاع مئات الأطفال السوريين، ومنهم الدارج والرضيع، أن يمثلوا ببراعة مشهد الموت. ولا بد أن المعارضة السورية في الغوطتين أنفقت جهداً كبيراً في تدريبهم على الاستلقاء أرضاً بلا حراك لتصويرهم. وربما كان مسرح هذه الصور خارج سوريا، فالمعارضة السورية تتعاون مع دول كثيرة. وهناك، كما قيل لنا، أستديوهات ضخمة فيها مجسمات لقرى كاملة تجري فيها تمثيليات لمظاهرات يتم تصويرها لصالح الفضائيات. أدهشتني موهبة رجل يمثل دور أب ذاهل عما حوله وهو يحتضن طفلتين بحرقة بالغة وبدموع غزيرة، وأدهشني أكثر أن إحدى الطفلتين تترنح بجسمها كما لو كان جثة، وترتد إلى الوراء ارتداداً يكسر العمود الفقري.

منذ اليوم الأول شهد خبير بريطاني أن الصور فوق الفبركة، ولكن وسائل الإعلام العربية ظلت تلتزم الحذر البغيض المخلوط بقليل من النفاق، وبكثير من ادعاء الموضوعية. وتوالت الصور: لأطفال آخرين ورجال ونساء، وفي غرف أخرى، وفي حدائق، ومقابر. صور ثابتة وأخرى متحركة. أطفال لبسوا أكفاناً وظلوا هامدين أمام العدسات يمثلون الموت، ويهال عليهم التراب ولا يتحركون.

هل نرفع القبعة احتراماً لموهبة التمثيل عند الشعب السوري؟ أم نرفعها لأنصار النظام السوري في بعض الدول العربية الذين تشع عيونهم بالبراءة وهم ينافحون عن النظام، ويتهمون المعارضة بالتزوير؟

الكيمياوي خط أميركي أحمر، بسبب إسرائيل. فواشنطن لا ترى ضيراً في أن يقتل مائة ألف آخرون في سوريا ما دام هذا يستنزف إيران وسوريا وروسيا، ويوجه بنادق حزب الله إلى الأهداف "الصحيحة"

روسيا وأميركا وحزب الله وإيران وفرنسا وبريطانيا يرون سوريا حلة ضغط تغلي وتنفث البخار، ولا يريد أحد أن يفتحها وهي تغلي. لقد مات المدنيون السوريون بصواريخ سكود العابرة للدول، وبالبراميل المتفجرة تلقى على بيوتهم من السماء، وماتوا إعداماً على يد نظام لا شبيه له إلا النازية غرباً، ونظام بول بوت في كمبوديا شرقاً. غير أن طنجرة الضغط بدأت الآن تنفث غازات سامة.

فهل صحيح أن أميركا غيرت موقفها لأن نظام الأسد أصبح غير أخلاقي؟ ربما. فواشنطن التي تحتمل لاأخلاقية حليفها، أما جاء أوباما إلى إسرائيل لتطييب خاطر نتنياهو، لا تحتمل وقاحة خصومها، لأن في هذا مساساً بدورها الذي خلعته على نفسها كمسؤولة عن سلوك الآخرين. والفرق بين كيمياوي حلبجة، (1988، ونحو ثلاثة آلاف قتيل)، وكيمياوي الغوطة، أن صدام كان حليفاً آنذاك، فربتت واشنطن على كتفه.

دموع وزير الخارجية الأميركية دموع تماسيح، وأخف منها على قلبي شبح الابتسامة الذي يطيف بشفتي ثعلب الدبلوماسية البريطانية وهو يقدم تمهيداً ناعماً لعمل عسكري وشيك.

الكيمياوي خط أميركي أحمر، بسبب إسرائيل. فواشنطن لا ترى ضيراً في أن يقتل مائة ألف آخرون في سوريا ما دام هذا يستنزف إيران وسوريا وروسيا، ويوجه بنادق حزب الله إلى الأهداف "الصحيحة". وواشنطن لا تريد إسقاط النظام في دمشق، لا الآن ولا بعد الضربة التي ينذرون بها. فالنظام السوري يشغل الجهاديين، ويضعهم في بوتقة واحدة بعيداً عن حلفاء أميركا، وهو يتعامل مع الثورة بحماقة نادرة المثال، وفي هذا إرباك للمنطقة ينعش قلب إسرائيل، ومن ثم أميركا.

أعتقد أن المهمة التي كلف بها وزير الدفاع الأميركي هيغل هي: التخلص من القدرة الكيمياوية السورية، بقصف مواقعها، وبتوجيه ضربات "جراحية" موجعة لأماكن حساسة تجعل النظام يخاف على رأسه فيسرع إلى شراء الوقت بالخضوع ثم يوقع في غرفة مظلمة على اتفاق، يرعاه من يرعاه، بالتخلص من كل أسلحته الكيمياوية.. ثم المفتشون، ثم السيناريو العراقي المعروف. ويبقى الأسد، ويستمر في ذبح الناس بالسكاكين فقط.

وقد تطلب روسيا ثمناً بخساً، في جورجيا مثلاً، وقد تنال إيران روحاني رفعاً للعقوبات مقابل تجميد التخصيب بدرجة معينة.

واشنطن لا تريد إسقاط الأسد فهو يشغل الجهاديين، ويضعهم في بوتقة واحدة بعيداً عن حلفاء أميركا، وهو يتعامل مع الثورة بحماقة نادرة المثال، وفي هذا إرباك للمنطقة ينعش قلب إسرائيل، ومن ثم أميركا

فما ملابسات شن الهجوم الكيمياوي في ريف دمشق، وتوقيته الغريب، إذ اللجنة الأممية على بعد بضعة كيلومترات؟

نخوض في هذا لأن التفسيرات التي قدمت مفككة، ولأن السر في حرز حريز في قمة هرم القيادة السورية. نرجح أن يكون بشار الأسد قد عارض شن الهجوم، ونصدق أن أخاه ماهر الأسد، أراد أن يكون الانتقام للفظائع التي جرت في الساحل السوري وأصيب بها عدد كبير من العلويين انتقاماً مشهوداً. ومن قليل ما تسرب عن ماهر الأسد نعرف أنه منغمس في الميدان، وأنه متهور ونزق، ولعله بعد سنتين من الذبح فقد الحساسية السياسية. فلعل الرواية التي تقول إنه أحرج أخاه بعملية متهورة صحيحة.

على أن لماهر الأسد حساباً آخر، لوجستياً. فدمشق تبقى جزيرة محصورة يتحرك النظام فيها بصعوبة، وجوبر تقطع الطريق المؤدي إلى مناطق حمص وحماة، فالشمال. وظلت الغوطة الشرقية بقراها الكثيرة وتفاصيلها المزعجة خزاناً للمعارضة يفيض على دمشق وضواحيها بين الحين والحين. ولإخضاع الغوطة لجأ النظام إلى طريقة جربها كثيراً: استهداف المدنيين لكي يخرجوا الجيش الحر عنهم. لذا فلئن صح أن في ضربة الكيمياوي في الغوطة شبهاً من حرب إبادة للمدنيين، فإن للضربة بعداً إستراتيجياً هو تأمين دمشق.

تبشير المعارضين السوريين في الخارج بالضربة الأميركية يغثي النفس. فقاعدتهم العريضة تتألف من قوم هاجروا بعلومهم وأموالهم من سوريا، وربوا أولادهم على اللسان الفرنسي والإنجليزي، وظل في قلبهم حنين غامص لسوريا الأمس.

هؤلاء أبناء تجار الشام الذين هربهم أهلوهم من سوريا عندما أصبحت مزرعة لآل الأسد وأقاربهم. فصنعوا لأنفسهم حياة جديدة في الغرب. منظر ممثليهم على الشاشات وهم يحثون الغرب على ضرب سوريا يذكر المرء بالمعارضة العراقية قبل الاحتلال الأميركي.

ويبقى الجيش الحر حائراً بين جهاديين يمارسون هواية العنف، وبين نظام ظهره إلى الحائط.
المسرحية السورية لن تكتمل بالضربة الأميركية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك