ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحافي وأستاذ جامعي

يبدو أن هناك خطأً إجرائيا وبرتوكوليا تتحمله الحكومة السودانية في حادثة منع عبور طائرة الرئيس عمر حسن البشير الأجواء السعودية في طريقها إلى إيران لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني أول أغسطس/آب الجاري.

بيد أن هذا "الخطأ" ربما كان للرياض فيه فائدة، باعتبار أن السعودية لن تكون سعيدة بأي تقارب أو علاقة حميمية بين الخرطوم وطهران، لذا كان من السهل تفسير المنع باعتباره قرارا سعوديا قائما على حيثيات سياسية وصادرا من أعلى المستويات.

ليس مقبولا أن يترك أمر أخذ إذن العبور لطائرة تقل رئيس دولة لشركة تجارية، ولا يمكن قبول عبور رئيس دولة أجواء دولة أخرى دون الإفصاح عن شخصيته لسلطات تلك الدولة

الجهات السودانية المسؤولة ذات الصلة بترتيبات زيارة الرئيس سعت بدورها للتنصل من مسؤوليتها مما حدث وتعليق فشلها على التفسير السياسي لقرار المنع، لكنه كان إجراء صادما بكل المقاييس وأثار استياء كبيرا في السودان. ومنذ الوهلة الأولى بدت صعوبة تفسير الإجراء السعودي.

بعد مضي عدة أيام من الحادثة بادرت هيئة الطيران المدني السعودي بإصدار بيان بصبغة فنية بحتة عزت فيه منع عبور طائرة الرئيس السوداني الأجواء السعودية إلى أربعة أسباب تتعلق بأنظمة الطيران المحلية والدولية، والبروتوكولات الدبلوماسية.

وبينت الهيئة السعودية أن حكومة السودان لم تتقدم بطلب رسمي للحصول على تصريح دبلوماسي للطائرة التي سوف تقل الرئيس، سواء عن طريق سفارة المملكة في الخرطوم، أو سفارة السودان في الرياض.

وأشارت تقارير صحفية سعودية شبه رسمية بعد ذلك إلى أن السودان كان قد استأجر طائرة تجارية مسجلة في بريطانيا تعود ملكيتها لمواطن سعودي، وأن السلطات السعودية لم تكن تعلم بأنها تقل الرئيس البشير فتعاملت معها على أساس أنها طائرة تجارية.

كثير من حيثيات البيان السعودي تطابقت مع حيثيات الردود السودانية، فقد أكد بيان صحفي من رئاسة الجمهورية في السودان أن الطائرة الرئاسية كانت في الصيانة وتم الاستعاضة عنها بطائرة تجارية.

كما أشار بيان لاحق لسلطة الطيران المدني السوداني إلى أن طاقم الطائرة التجارية كان على علم بأن شخصية مهمة جدا على متن الطائرة دون الإفصاح عنها وبالتالي كانت حدود علم الطيران المدني السعودي في بداية الاتصالات أن شخصية سودانية مهمة على متن الطائرة ولم تفصح السلطات السودانية عن معلومة أن الشخصية المهمة هي الرئيس البشير إلا في اللحظات الأخيرة والطائرة على بعد دقائق من دخول الأجواء السعودية حين تعذر الإذن بعبور الطائرة من جانب سلطات الطيران المدني السعودي.

لعل هدوء الرد السوداني ربما يشير إلى اعتراف ضمني بالخطأ الإجرائي والبروتوكولي الذي وقع فيه الفريق السوداني المعني بترتيبات الزيارة

ما هو غير مبرر أن يترك أمر أخذ إذن العبور لطائر تقل رئيس دولة لشركة تجارية، كما أنه من الناحية البروتوكولية لا يمكن قبول عبور رئيس دولة أجواء دولة أخرى دون الإفصاح عن شخصيته لسلطات تلك الدولة، إذ التعامل مع رؤساء الدول في مثل هذه الحالات يتطلب إجراءات أمنية وبروتوكولية محددة.

لعل هدوء الرد السوداني ربما يشير إلى اعتراف ضمني بالخطأ الإجرائي والبروتوكولي الذي وقع فيه الفريق السوداني المعني بترتيبات الزيارة.

لكن ومع تحمل الجانب السوداني مسؤولية ما حدث فإنه يؤخذ على الجانب السعودي عدم اهتمامه بإجراء معالجة سياسية مطمئنة تتناسب مع حجم علاقة البلدين، وكذلك الحرج الذي صاحب وجود الرئيس السوداني على متن الطائرة التي أجبرت على العودة من حيث أتت.

لم يكن من باب المعالجة المقبولة أن يقوم القائم بالأعمال السعودي في الخرطوم بأخذ الرئيس البشير بـ"الأحضان" وهو يقدم تهاني عيد الفطر المبارك ضمن تقليد درجت عليه الرئاسة السودانية حيث يتلقى الرئيس تهاني العيد من رؤساء البعثات الدبلوماسية في مناسبات الأعياد.

وكتب رئيس تحرير صحيفة "السوداني" المقربة جدا من القصر الجمهوري منتقدا تصرف الدبلوماسي السعودي قائلا: إن السعودية أخذت على السودان أخطاء إجرائية وبروتكولية في حادثة طائرة الرئيس، لكن أيضا من غير المقبول بروتوكوليا أن يأخذ القائم بالأعمال السعودي الرئيس البشير بالأحضان حتى لو أراد إرسال رسالة اعتذار بشأن ما حدث.

على كل حال لم يكن مسار علاقات البلدين قبيل حادثة الطائرة الرئاسية يشي بأن قرار المنع كان قرارا سياسيا، فقد وقعت وزارتا العدل السودانية والسعودية في يونيو/حزيران الماضي اتفاقا في إطار التعاون القانوني المشترك بين البلدين وسبق ذلك قيام الملتقى الاستثماري السوداني بالرياض.
يؤخذ على الجانب السعودي عدم اهتمامه بإجراء معالجة سياسية مطمئنة تتناسب مع حجم علاقة البلدين، ومع حجم الحرج الذي صاحب وجود الرئيس السوداني على متن الطائرة

وكانت السعودية وجهة البشير العلاجية الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي حيث أجرى عملية حبال صوتية في أحد مستشفيات جدة.

ومن المؤكد أن السعودية تنظر إلى علاقتها بالسودان من منظور إستراتيجي، فللمملكة من ناحية الغرب شواطئ ساحلية تمتد نحو 1670 كلم على البحر الأحمر بينما للسودان شواطئ ساحلية من الناحية الشرقية وإن كانت أقل طولا.

وكان اهتمام الرياض مركزا دائما على تحقيق الأمن في البحر الأحمر بالاعتماد على نظم عربية صديقة، على أن تقدم السعودية المعونات المالية لهذه الدول في سياق التنسيق المشترك في منطقة البحر الأحمر.

وتزايدت أهمية مصالح السعودية في البحر الأحمر بعد مشروع خط أنابيب ينبع الذي يمتد من حقول أبقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ويبلغ طوله 1200 كلم والذي قصد منه تقليل الاعتماد على تصدير بترولها عبر الخليج العربي والاعتماد بشكل أكبر على البحر الأحمر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك