هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي

تنبه إدوارد سعيد مبكرا في سبتمبر/أيلول 1994 في مقال شهير بعنوان "تحرير العقل أولا" لما يمكن أن نسميه النفاق الغربي وازدواجية معاييره وتناقضاته على مستوى الفكر والتنظير ومستوى الواقع المعيش.

وأشار سعيد -وهو بالتأكيد ليس أصوليا إسلاميا، لكنه ذو ذكاء حاد وقارئ جيد للتاريخ الثقافي الغربي- إلى حقيقة منظرين وآباء مؤسسين لما بات يُعرف اليوم بالليبرالية الغربية وهي حزمة من الأفكار تتبنى أنواعا متعددة من الحريات (معتدلة في بعضها ومتطرفة أحيانا سياسيا وحتى أخلاقيا في بعضها الآخر) وأنواعا أخرى من السياسيات الضامنة لاستقلال مؤسسات الدولة عن متقلديها كالفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر نسق تعاقبي للانتخابات والإعلاء من شأن المساواة أمام القانون وكذا في الحقوق المُتمتع بها والواجبات المُكلف بها.

هذه الحقيقة هي أن هؤلاء الآباء المؤسسين لليبرالية والديمقراطية والمدافعين بهوس عن حقوق الإنسان وقعوا في فخ التمييز بين جنسهم الأبيض الآري وبين شعوب أخرى تتمايز وتختلف عنهم عرقيا وجغرافيا، فقد رسموا حدا فاصلا على حد تعبير سعيد في حديثهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بين حقوق الأوروبيين وغيرهم من الجزائريين والهنود، وهذا في رأيه فشل للنخب العربية المدافعة عن الغرب دون إدراك أو تفريق بين الخطاب الغربي الليبرالي التحرري في ظاهره، واستناده في حقيقته إلى التمييز بين الشعوب المتقدمة وتلك التي يُنظر إليها بمقاييس معينة على أنها متأخرة.

وضرب سعيد مثلا بجون ستيوارت مل ( 1806-1873) أحد الموفقين الكبار بين الليبرالية والديمقراطية في القرن التاسع عشر بإصلاح المؤسسات والقوانين وتعدد الأكثريات عبر صناديق الاقتراع، إلا أنه على مستوى الممارسة كان موظفا طوال حياته في مكتب الهند وعارض بشدة وبحماس منقطع النظير استقلال الهند عن التاج البريطاني.

 هؤلاء الآباء المؤسسون لليبرالية والديمقراطية والمدافعون بهوس عن حقوق الإنسان وقعوا في فخ التمييز بين جنسهم الأبيض الآري وبين شعوب أخرى تتمايز وتختلف عنهم عرقيا

ألكسيس دي توكفيل (1805-1859) ليبرالي آخر بل منظر، لم تتسع ليبراليته لتشمل الجزائر، إذ عُرف عنه تأييده لمذابح فرنسا للشعب الجزائري، وكثيرة هي الأمثلة التي تنفصل فيها الشعارات والفلسفات عن عمق الممارسة عندما تتعارض المصالح وتتباين، حيث إن الغالب سيكون البراغماتية القحة بغض النظر عن المآلات، سواء أكانت انتهاب حقوق شعوب أو سفك دماء.

في سياق آخر ليس بعيدا من سياقنا هذا تناول بول جونسون أولئك المفكرين والفلاسفة والأدباء الغربيين العظام في كتابه "المثقفون" متتبعا حياتهم الشخصية في أدق تفاصليها، من أمثال جان بول سارتر، وجان جاك روسو، وكارل ماركس، وتولستوي، ليعرف من خلالها القارئ مدى الانفصال التام والشرخ الكبير بين الذات والموضوع، بين ما يعتقدون أنه هداية للبشرية من خلال استعمالهم المفرط للعقل دون هداية أو ترشيد رباني، وبين واقعهم كبشر في أدنى درجات البشرية. وأوضح بول جونسون أنهم بهذا الفصل الحاد بين ما يدعونه وبين ما يمارسونه لا يصلحون إطلاقا لتلبس عباءة النبوة.

برهان غليون أستاذ الدراسات العربية بجامعة السوربون كتب مقالا مطولا عن الإثنية والقبلية ومستقبل الشعوب البدائية، قارن فيه بين خطاب الإتنوغرافية الأميركية في القرن التاسع عشر والإتنوغرافية الاستعمارية في القرن نفسه. حيث كان هدف الأنتربولوجيين الأميركيين فهم الاختلافات في الثقافات الخاصة بالجماعات المهاجرة المختلفة من أجل المساعدة على تحقيق التعايش والانصهار، ومن ثم الانقياد إلى مفهوم ثقافي يبتعد عن حقول العرق والعنصرية.

في المقابل كان هدف الإتنوغرافيين الغربيين الذين درسوا الاختلافات داخل مجتمعات أفريقيا وآسيا والعالم العربي البحث عما ينفي وجود الأمة أو إمكانية وجود روابط تبرر مطالب الاستقلال والسيادة والمعاملة القائمة على المساواة.

إنها قصة الغرب تتكرر بصرف النظر عن كونه قوة عسكرية محتلة أو استخدامه لأبواق تحقق مطالبه ومصالحه. إنه الغرب الذي لن يرضى لنا بديمقراطية تحقق مصالح شعوبنا وأمنها السياسي والاقتصادي.

إنها القصة التي رددها مل وتوكفيل منذ 200 عام ويكررها أحفادهما من ساسة ومثقفين وصناع قرار وإعلاميين. وحتى تلك الأصوات الغربية التي كافحت على مدى عقود التعنت والتسلط وما زالت تكشف عن عنصريته ومعياريته، لم تستطع أن تكوّن رأيا عاما لدى شعوبها، وتخلق ضميرا يردع حكامها وساستها عن النظر إلى شعوب الشرق الأوسط بازدراء شديد.

لا يوجد ما يدعو للاستغراب كثيرا عندما قال الرئيس الأميركي بارك أوباما تعليقا منه على الانقلاب العسكري بمصر على ثورة يناير/ كانون الثاني إن الديمقراطية لا تعني صندوق الانتخاب فقط

ما ذكرني بهذه المسائل والأفكار تصريحات لمسؤولين وسياسيين ومفكرين غربيين، على رأسهم بلا شك الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، فقد ربطت في سهولة ويسر بين تعليقاتهما على انقلاب الثالث من يوليو/ تموز المنصرم في مصر وبين نظريات وفلسفات جون ستيوارت مل وألكسيس دي توكفيل اللذين لم يجدا غضاضة في الفصل بين ما يؤمنان به فلسفيا ونظريا وبين ما يمارسانه سياسيا إذا ما تعلق الأمر بأجناس أخرى تأتي متأخرة في الترتيب عن أجناسهما، وتلك هي المعضلة.

لذا لا يوجد ما يدعو للاستغراب كثيرا عندما قال الرئيس الأميركي بارك أوباما تعليقا منه على الانقلاب العسكري بمصر على ثورة يناير/ كانون الثاني إن الديمقراطية لا تعني صندوق الانتخاب فقط، لأن ذهني انصرف بشكل تلقائي إلى ممارسات مل وتوكفيل، وكذا لم يزعجني تصريح وزير الخارجية الأميركي كيري بباكستان من أن الجيش المصري لم يستول على السلطة وإنما أعاد الديمقراطية إلى مصر.

كما أن الردود الغربية على مجزرة الحرس الجمهوري والمنصة وفض اعتصام رابعة العدوية والنهضة بالقوة وسفك دماء أبرياء، لم تجعلني أبالغ في تقدير قيمة هذه الردود كثيرا لأن المواقف والمصالح الغربية سطرها فلاسفة ومنظرون انفصل عندهم القول عن العمل، إذ إن تلك الردود لن تتجاوز حناجر مردديها وقائليها.

المسألة بسيطة وسهلة لدى الغرب وهم يطرحون سؤالا إجابته محددة سلفا، هل نتعامل مع حاكم فرد متسلط غاشم، نستطيع من خلال تثبيته على كرسي حكمه أن نفرض عليه مصالحنا الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية، أم نتعامل مع حاكم منتخب شعبيا وبرلمان منتخب هو الآخر، ومن ثم رضوخ هذا الحاكم والبرلمان لمصالح شعبه الحيوية وخضوعه للرقابة المستمرة من قبل ناخبيه وتغييره سلميا عبر صناديق اقتراع في حال فشله؟ يبدو أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية اختار الطريق الأسهل والأقصر، وهو طريق دعم الدكتاتورية.

لكن الذي يُستغرب حقا هو هذا الانسياق الأعمى من مثقفين ليبراليين، علمانيين، يساريين وراء هذا الانقلاب بل دعمه وتبريره وتصويره على أنه ثورة شعبية. قد يكون فريق منهم يؤمن بما يقول ويعتقد، والفريق الآخر يتوشى بهذه الأيدولوجيات والعقائد ليخفي وجها آخر لطالما حاولوا التستر وراءه بشعارات سقطت كلها مع انقلاب الثالث من يوليو/ تموز الماضي، طبعا لا أقصد ما سماه أحد الكتاب "الترع الإعلامية المصرية، أو نظيراتها العربية"، بل أقصد من تلبسوا بثوب التحليل السياسي أو الخبرة الإستراتيجية أو عضوية جبهات ورئاسة أحزاب أفترض ولو نظريا أنها تمتهن العمل السياسي، لا التبريري، أي تبرير القتل والتحريض عليه والفرح به.

لقد فاق ما سمعناه جميعا وشاهدناه على شاشات التلفزة حدود العقل والمنطق. إنهم أناس يتحركون بغرائز وشهوات لا تعرف حدودا للقتل، ولا تؤمن بحرمة النفس الإنسانية

سمعت أحد أعضاء جبهة الإنقاذ يصف اعتصامي رابعة والنهضة بالأوكار، وسمعت خبيرا إستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية يسم الإخوان بالجماعة المحظورة. لقد فاق ما سمعناه جميعا وشاهدناه على شاشات التلفزة حدود العقل والمنطق، إنهم أناس يتحركون بغرائز وشهوات لا تعرف حدودا للقتل، ولا تؤمن بحرمة النفس الإنسانية.

يقول مراسل القناة الثانية الرسمية المصرية شاهدت ضباط الشرطة يحرقون مركزا، بينما تنهال مقالات وتحليلات تتهم الضحية بحرق الكنائس والمراكز والمقار الحكومية، إن الأمر لا يعدو كونه جنونا يُهلك الحرث والنسل.

لقد فرضت المسألة المصرية نفسها بقوة على واقع الثورات العربية وبات من غير الممكن تجاهل تأثيراتها على الربيع العربي الذي بدأ يدخل في شتاء معتم بمصر وتونس وليبيا، حيث إن أبرز معالم هذا الشتاء انتقال السياسة من التداول الديمقراطي والسلمي للسلطة عبر صناديق اقتراع نزيهة وشفافة إلى الشوارع والميادين، والأدهى من ذلك أن هذا الشتاء أرجع إلينا كل الفاشلين عبر الإجراءات الديمقراطية بطرق غاشمة، فعمرو موسى والبرادعي وحمدين صباحي وشفيق فشلوا جميعا في إقناع المصريين ببرامجهم السياسية أو حتى حماستهم لأن يكونوا ممثلين أمناء لثورة أسقطت نظاما استبداديا.

الحالة التونسية لا تقل قتامة وسوادا، إذ خرج منذ أيام زعيم حزب تونسي لم ينل حزبه في انتخابات حرة غير ثلاثة مقاعد ليطالب بإسقاط الحكومة والمجلس التأسيسي بل وشروعه في تشكيل حكومة جديدة، كما أن ما يردده البعض من انعدام خبرة الجيش التونسي بالتدخل في العمل السياسي وإمكانية قفزه على العملية الديمقراطية التي خطها التونسيون لم يبعث برسائل اطمئنان لدى كثيرين ممن باتوا حذرين من كل ناعق يهدد ربيعه الخاص.

الوضع في ليبيا لا يقل خطورة عن الجارتين مصر وتونس، فكما أن نظام القذافي كان شاذا بين ثورتي مصر وتونس ولم تكن هناك إمكانية لبقائه، فإن ثورة كثورة ليبيا لا يمكن أن تدوم أو أن تنهج نهجا سلميا ديمقراطيا يقوم على استحقاقات الدولة الحديثة بين حركات ارتجاعية محيطة بها، وإن كان السيناريو الليبي يختلف بحكم طبيعة التاريخ والتجربة، فليبيا لا تملك قوة واحدة تستطيع أن تسقط خارطة الإعلان الدستوري، وتسيطر على بلاد مترامية الأطراف تنعدم فيها السلطة المركزية الحائزة للقوة المشرعة بشكل لا تخطئه عين.

لقد فرضت المسألة المصرية نفسها بقوة على واقع الثورات العربية وبات من غير الممكن تجاهل تأثيراتها على الربيع العربي الذي بدأ يدخل في شتاء معتم بمصر وتونس وليبيا

في تصوري أنه ليس مهما من يقفز على حلم هذه الثورات بالديمقراطية وتداول السلطة ودولة القانون، فقد يكون الجيش في مصر، قوى ليبرالية علمانية متحالفة مع الغرب أو رأس مال فاسد، أو فلولا سابقين، مع اللعب على بعض المشاكل الاجتماعية كالبطالة والفقر والسكن، وتعطيل بعض المرافق الأساسية لضخ مزيد من الغضب الشعبي على النظام القائم، كما يقع في تونس، أو بتقوية مليشيات مسلحة بعينها ودعم دعوات انفصال أقاليم عن جسم الدولة الأم باستغلال السطحية والأمية السياسية المتفاقمة كما في ليبيا مثلا.

ومن المرجح أن تتحالف قوى الردة بدول الربيع العربي، حيث أشارت تقارير إلى دور مؤكد للانقلابيين بمصر بالتعاون مع أزلام بالداخل والخارج في زعزعة الاستقرار في ليبيا عبر عدة انفجارات واغتيالات طالت عسكريين ساهموا بدور فاعل في إنجاح ثورة السابع عشر من فبراير/ شباط، بهدف تنشيط غريزة الفوضى وإسقاط مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤتمر الوطني العام، أعلى سلطة منتخبة في البلاد.

في نهاية هذه الجولة على أحرار وثوار هذه الشعوب الثائرة أن يستمروا في نضالهم ويحافظوا على ما حققوه في ميدان إسقاط الدكتاتوريات، وما أنجزوه من تجربة ديمقراطية وليدة تحتاج إلى مزيد من التجويد، ولا ينتظروا مساندة من الغرب أو الشرق، لأن الغرب وببساطة لا يهمه من أمرنا شيء باعتبارنا شعوبا من حقها أن تعيش بكرامة وبحرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك