حسن أبو هنية

حسن أبو هنية

كاتب أردني خبير في الحركات الإسلامية



مخاض الولادة لسلالة القاعدة

عواقب ربيع عربي قصير
إستراتيجية "اندماج البعد"

لا جدال بأن تنظيم القاعدة المركزي في باكستان وأفغانستان قد تضرر كثيرا خلال السنوات الأخيرة وبات يعاني من صعوبات بالغة في الحفاظ على هيكليته كمنظمة فاعلة ومتماسكة، إلا أن أيديولوجيته الصلبة أصبحت أكثر جاذبية ونفوذا عقب ثورات الربيع العربي ومقتل زعيمه أسامة بن لادن على النقيض مما بشر به بعض الخبراء والمحللين بالإعلان عن هزيمة نهائية لأيديولوجيا "تنظيم القاعدة" العنيفة وأفول برادايم "السلفية الجهادية" المتشدد.

 فقد استثمرت القاعدة الحدثين التاريخيين باعتبارهما منحة تمخضت عن ولادة ثالثة للتنظيم أكثر قوة وأشد فتكا وأوسع انتشارا، ولعل قيام الولايات المتحدة أواخر شهر رمضان وبعد عيد الفطر بإغلاق أكثر من 25 من سفاراتها وقنصلياتها يؤشر على خطورة الجيل الجديد للقاعدة، وقد تبعتها في ذات الإجراء دول أوروبية عديدة في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الأمر الذي وصف بأكبر تهديد أمني منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

مخاض الولادة لسلالة القاعدة
تميّزت الولادة الأولى للقاعدة إبان حقبة الحرب الباردة من رحم الحرب السوفياتية الأفغانية (1979- 1989)، التي تمخضت عن تأسيس تنظيم القاعدة في أغسطس/آب عام 1988، وفق مبادئ ضبابية ورؤية ملتبسة وأجندة غامضة تستند إلى مفهوم جوهري يؤسس لعلاقات تضامنية تلاحمية بين قدامى المحاربين العرب الذين قاتلوا السوفيات.

تأسس تنظيم القاعدة عام 1988، وفق مبادئ ضبابية ورؤية ملتبسة وأجندة غامضة تستند إلى مفهوم جوهري يؤسس لعلاقات تضامنية بين قدامى المحاربين العرب الذين قاتلوا السوفيات

وحيث لم يكن هناك توافق على ماهية وطبيعة العدو المستهدف، مع وجود تصور أولي مستقبلي يسعى لتحرير فلسطين، كان الشيخ عبد الله عزام، الذي عمل على تأسيس "مكتب الخدمات" مع بن لادن، منذ وصوله إلى أفغانستان عام 1984 قد وضع أصوله النظرية الأولى، وفي هذا السياق ظهر الجيل الأول للقاعدة بزعامة بن لادن.

وشكّلت حرب الخليج الثانية عام 1991 منعطفا حاسما دشن ظهور "جيل ثان" للقاعدة عقب خروج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان عام 1989 ثم انهياره وتفككه ودخول الجماعات الأفغانية في صراع مسلح، حيث بدأ الأفغان العرب والأجانب بالبحث عن جبهات وملاذات جديدة، وباشرت قتالا عنيفا ضد "العدو القريب" في بلدانها خلال عقد التسعينيات كما حدث في الجزائر وليبيا ومصر والشيشان والبوسنة وغيرها.

واختار البعض البقاء إلى جانب أحد فصائل المجاهدين المتناحرة، واختار البعض الآخر أوروبا وخصوصا بريطانيا التي أصبحت مركزا إعلاميا ولوجستيا للحركات السلفية الجهادية في العالم فباتت تعرف بـ "لندنستان"، وعاش هذا الجيل حلول العولمة التي تنطوي على هيمنة أميركية تعتمد على سياسات الهيمنة والسيطرة والاستتباع وتستند إلى نظريات استشرافية وثقافوية.

وكان الجيل الثاني للقاعدة نتاجا طبيعيا مناهضا للعولمة التي أفضت إلى جملة من التحولات الدولية والإقليمية والمحلية في منتصف تسعينيات القرن الماضي، إذ تولدت قناعة لدى بعض قطاعات السلفية الجهادية، قوامها "العدو القريب" الذي تمثله الأنظمة العربية والإسلامية (المرتدة) التي لا تقوم بذاتها وإنما بغيرها، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، مما أسفر عن ولادة "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأميركان" عام 1998، وتبنت إستراتيجية قتال "العدو البعيد"، في ظل ثلاثة ظروف:

الظرف الأول: محلي وطني يتمثل بانغلاق الأنموذج السياسي وفشل وعود التحول الديمقراطي ورسوخ الاستبداد، والثاني: إقليمي يتمثل بعدم التوصل إلى سلام عادل وحقيقي في فلسطين، والثالث: عالمي تمثل بانهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة القطب الأميركي الواحد وحلول العولمة، وكانت أولى ثمرات قيام الجبهة تفجيرات شرق أفريقيا في نيروبي ودار السلام.

دشنت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 ظهور "الجيل الثالث" للقاعدة، فقد أسفرت عن قيام الولايات المتحدة باحتلال أفغانستان وإزاحة حكم طالبان، من خلال حشد تحالف دولي بهدف القضاء على القاعدة وحرمانها من ملاذات آمنة، في إطار سياسات "الحرب على الإرهاب"، فأوشكت على تفكيك التنظيم والقضاء على مركزيته وتشتيت قيادته وعجلت الإعلان عن وفاته، إلا أن السياسات الخاطئة لإدارة المحافظين الجدد عملت على ولادة ثانية للقاعدة عبر بوابة العراق.

بعد مرور عشر سنوات على الاحتلال، أصبح العراق محورا رئيسيا في المنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران

وعندما أطلق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حملته العسكرية على العراق في العشرين من مارس/آذارعام 2003، كان من المفترض أن تختتم فصول سياسة "الحرب على الإرهاب" عبر الإطاحة بنظام صدام حسين "الاستبدادي" واستبداله بنظام "ديمقراطي" موال للولايات المتحدة تمهيدا لتدشين "شرق أوسط جديد".

وبعد مرور عشر سنوات على الاحتلال، أصبح العراق محورا رئيسيا في المنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران، ومع ذلك فإن احتواء النفوذ الإيراني لم يكن الهدف الرئيس لأميركا في العراق, بل خلق ديمقراطية مستقرة يمكنها هزيمة ما تبقى من عناصر القاعدة, ومواجهة التهديدات الخارجية, ودعم العلاقات المستقرة للولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

وعلى الرغم من تحقيق انتصارات تكتيكية ضد المقاومة في الفترة بين (2005- 2009), إلا أن الغزو الأميركي مني بفشل إستراتيجي ذريع من حيث الكلفة المادية والبشرية, ولما له من نتائج إستراتيجية لمرحلة ما بعد الصراع , فقد شنت الولايات المتحدة الحرب لأسباب خاطئة, مركزة على تهديدات أسلحة الدمار الشامل ورعاية الحكومة العراقية للإرهاب وفقا لحسابات المخيلة الجامحة للمحافظين الجدد في واشنطن الحالمين بعولمة سعيدة في ظلال "العصر الأميركي الجديد".

فالإستراتيجية الأميركية التي انبنت على وهم "الصدمة والترويع" ساهمت بولادة ثانية لجيل جديد من الجهاديين وعملت على توفير ملاذات آمنة لتنظيم "القاعدة"، وإذا كانت أهداف الغزو الأميركي للعراق باتت واضحة وفي مقدمتها ضمان إمدادات "النفط" وحماية أمن "إسرائيل" فإن ذرائعها بمحاربة "الإرهاب" خلقت عنفا مضادا وآذن بولادة حركات مقاومة للاحتلال تسللت عبره تنظيمات عابرة للحدود وفي مقدمتها تنظيم "القاعدة".

وخلال الفترة بين (2009 - 2011) أوشك تنظيم القاعدة على الفناء عقب دخوله في صراع عنيف مع حواضنه الاجتماعية وقدوم موجة التغيير الديمقراطي الثوري السلمي في بلدان الربيع العربي من تونس إلى مصر.

عواقب ربيع عربي قصير
مع بدء "الانتفاضات العربية" السلمية 2011 في تونس وانتقالها لمصر ثم ليبيا فاليمن وصولا إلى سوريا والبحرين، ودخول البقية الباقية من الدول العربية آفاق "الحراك الشعبي"، تعالت أصوات عديدة تبشر بنهاية تنظيم القاعدة وأيديولوجيته التغييرية العنيفة وحلول عصر التغيير السلمي وسيادة النهج الديمقراطي التعددي.

بعد عامين من ربيع لم يكتمل تم قطع مسارات سلمية الثورات وعسكرتها لاحقا كما حصل في ليبيا وسوريا واليمن ودخول مصر نفق الانقلابات العسكرية وتونس بانتظار المجهول

وساهم مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بداية مايو/أيار2011 على يد قوات خاصة أميركية في أبوت آباد في باكستان على الادعاء بوفاة التنظيم، إلا أن تنظيم القاعدة أكد منذ البداية على لسان زعيمه الجديد أيمن الظواهري وبقية منظريه أمثال أنور العولقي وأبو يحيى الليبي على كون ربيع الديمقراطية سيكون قصيرا نظرا لصلابة الدولة العميقة ورسوخ التبعية وقوة الثورة المضادة التي سوف تتحالف دوليا وإقليميا لمنع تمكين الإسلاميين من السلطة، لخصه الظواهري بعنوان "صنم العجوة الديمقراطي" الذي ستأكله العلمانية الصلبة داخليا وخارجيا إذا جاء على غير أهوائها.

وبعد عامين من ربيع لم يكتمل تم قطع مسارات سلمية الثورات وعسكرتها لاحقا كما حصل في ليبيا وسوريا واليمن بطرائق مختلفة، ودخول مصر نفق الانقلابات العسكرية وتونس بانتظار المجهول.

أدرك تنظيم القاعدة بقيادته المركزية في باكستان وأفغانستان وفروعه المنتشرة في أرجاء العالم العربي والإسلامي منذ بداية "الانتفاضات" العربية التغيرات الموضوعية والفائدة الحيوية للتحولات من خلال تأييدها وإسنادها والمشاركة في حركاتها، فراياتها "السوداء" باتت لاحقا جزءا من المشهد العام، بل ادعت بأن مناوشة العدو "القريب" والصراع مع العدو "البعيد" مهد الطريق لقيام "الثورات" العربية.

وبهذا استثمرت القاعدة التحولات الميدانية العميقة التي أسفرت عن زوال بعض الأنظمة "السلطوية" "عدوها القريب" وإضعاف منظومة الهيمنة الأميركية "عدوها البعيد" وأتاح الدخول في أفق اللعبة "الديمقراطية" التعددية فرص الانتشار عبر الانتقال من "النخبوية" إلى "الشعبوية"، عبر ظاهرة "أنصار الشريعة".

ولعل انتشارها وتعميمها مؤخرا يشير إلى ديناميكية الفضاء السلفي الجهادي وأجنحته العديدة، فهي تعيد طرح إستراتيجيات التغيير إلى سيرتها الأولى خلال حقبة الثمانينيات وآليات التعامل مع الأنظمة المحلية الموسومة بـ"العدو القريب" قبل أن تتبلور "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" نهاية التسعينيات 1998 وفق نظرية أولوية التصدي لـ "العدو البعيد". وبين الحقبتين وما بعدهما لم ينقطع الجدل حول أولوية الدعوي والقتالي أو المزاوجة بينهما.

ويعمل التطور الجديد على إلغاء المسافات ويقطع الخلافات التاريخية ويدشن لمرحلة تتكشف ببطء ولكن بثبات، فالقاعدة كتنظيم مركزي نخبوي مسلح بأجندة معولمة يوشك على الزوال، لتحل مكانه إستراتيجية تقوم على دعامتين، الأولى: بناء شبكات شعبوية محلية تحت مسمى "أنصار الشريعة" تمهد لبناء منظومة إقليمية متحدة تتبنى آلية سلمية محلية وتناهض الهيمنة الغربية، وتشكل خزانا لجلب أعضاء جدد لتنظيم لقاعدة في ظل "عصبة الديمقراطيات" المشوهة هيكليا، والثانية: المزاوجة بين قتال العدو القريب والبعيد من خلال "دمج البعد القاعدي" العولمي والمحلي.

إستراتيجية "اندماج البعد"
عقب مرور أكثر من عامين على "الربيع العربي" ومقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن باتت إستراتيجية القاعدة الجديدة أشد وضوحا وأكثر خطورة، فقد أسفرت الثورات العربية عن انهيار بعض الأنظمة السلطوية وإضعاف أخرى معادية للسلفية الجهادية والقاعدة. 

استثمرت القاعدة التحولات الميدانية العميقة التي أسفرت عن زوال بعض الأنظمة "السلطوية" "عدوها القريب" وإضعاف منظومة الهيمنة الأميركية "عدوها البعيد"
وساهم غياب بن لادن بتفكك القيادة المركزية والتخطيط العملياتي المعولم وبروز نهج جديد للقاعدة يناهض الغرب والولايات المتحدة بطرائق غير مباشرة عبر مجاميع وشبكات جهادية إقليمية أعادت تمركزها في المنطقة العربية طوّرت إستراتيجية تعتمد على دمج البعدين العالمي والمحلي، وهي ظاهرة جديدة تميّز الولادة الثالثة لتنظيم القاعدة وفضائه الأيديولوجي السلفي الجهادي الواسع.

وتميّزت الولادة الأولى بقتال العدو القريب المحلي، وتميّزت الولادة الثانية بقتال العدو البعيد العالمي، ويشير مصطلح "اندماج البعد" إلى خليط مركب من العولمة والمحلية، وقد وضع في الأصل خلال عقد الثمانينيات لشرح وتفسير آليات تكيّف الماركات العالمية مع ظروف السوق المحلية، وبدأ استخدامه مؤخرا في مجال دراسة "الإرهاب الدولي".

الإستراتيجية الجديدة للقاعدة غيّرت من أولويات الاستهداف بالاعتماد على فروعها وشبكاتها المحلية، فبحسب التنظير الإستراتيجي للقاعدة فقدت الولايات المتحدة جزءا كبيرا من نفوذها في المنطقة بخروجها من العراق وسقوط أنظمة سلطوية موالية وشيوع حالة من عدم الاستقرار عقب الثورات العربية ولا تسمح أزماتها الاقتصادية بالتدخل المباشر وباتت تعتمد بشكل كبير على استخدام طائرات بدون طيار، وهي وسيلة تثير إشكالات قانونية وأخلاقية حققت نجاحات آنية من خلال اصطياد رؤوس قيادات هامة أمثال: أبو مصعب الزرقاوي، وأبو اليزيد المصري، وأبو حفص المصري، وأبو الليث الليبي، وأنور العولقي، وأبو يحيى الليبي، وعطية عبد الرحمن، وسفيان الشهري، إلا أنها أثبتت فشلها بالقضاء على التنظيم.

كشفت التهديدات والعمليات الأخيرة في العالم العربي والإسلامي طبيعة اندماج الأبعاد القاعدية، فالفروع الإقليمية أصبحت أكثر تحررا من اشتراطات المركزية واللامركزية، وظهرت شبكات وجماعات جديدة تشارك القاعدة جذرها الأيديولوجي السلفي الجهادي وأهدافها البعيدة بإقامة خلافة إسلامية ورفع الهيمنة الغربية ومواجهة إسرائيل.

ففي اليمن ظهرت جماعة "أنصار الشريعة" في أبين بزعامة جلال بلعيدي المرقشي أبو حمزة الزنجباري، وتمكنت من السيطرة على مناطق عديدة في أبين ثم خرجت منها، وهي ترتبط بتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" بإمارة أبو بصير ناصر الوحيشي الفرع الإقليمي الأقوى والأكثر نشاطا على صعيد العمليات الدولية لما له من صلات مباشرة مع التنظيم المركزي في باكستان منذ اندماج الفرعين اليمني والسعودي بداية 2009، وحملت تهديداته الأخيرة الولايات المتحدة على إغلاق أكثر من 25 من سفاراتها في المنطقة، وقد بات التنظيم أكثر قوة وأشد فتكا.

تميّزت الولادة الأولى بقتال العدو القريب المحلي، وتميّزت الثانية بقتال العدو البعيد العالمي، ويشير مصطلح "اندماج البعد" إلى خليط مركب من العولمة والمحلية
وفي المغرب العربي برز تنظيم "قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي" عام 2007 بإمارة أبو مصعب عبد الودود، وهو سليل تنظيمات محلية بدأت مع "الجماعة الإسلامية المسلحة" عام 1994 وتحولت إلى "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" عام 1998، حيث ساهم سقوط نظام القذافي بتطوره وانتشار فرعه في إمارة الساحل والصحراء، وتمكنت كتيبة "الموقعون بالدم" بزعامة خالد أبو العباس من تنفيذ هجوم كبير في يناير/ كانون الثاني الماضي في الجزائر على منشأة "عين أميناس" للغاز، مما أسفر عن مقتل 38 من العمال، وبرزت جماعة "أنصار الدين" بإمارة إياد حاج غالي.

وفي مالي ظهرت جماعة "التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، وهي جماعة تتمتع بصلات مع القاعدة في المغرب الإسلامي وإمارة الصحراء والساحل، وقد تعاونت على فرض سيطرتها على شمال مالي قبل أن تتدخل قوات فرنسية وأفريقية، وانضمت جماعة "بوكو حرام" إلى قاعدة المغرب.

أما في العراق فقد تنامت قدرات تنظيم القاعدة بعد عسكرة الثورة السورية، وقد ظهر تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بزعامة أبو مصعب الزرقاوي بداية باسم جماعة "التوحيد والجهاد" عام 2003، وغير التسمية بعد الانضمام والبيعة عام 2004، وتحول إلى "دولة العراق الإسلامية" عام 2006 بزعامة أبو عمر البغدادي.

وفي سوريا ظهرت "جبهة النصرة لأهل الشام" بزعامة أبو محمد الفاتح الجولاني بداية 2012، وفي أبريل/ نيسان الماضي أعلن أبو بكر البغدادي دمج الجماعتين باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وقد تمكنت الجماعة من تنفيذ عمليات نوعية من أبرزها الهجوم على سجني أبو غريب والتاجي في شهر رمضان وتحرير أكثر من خمسمائة من قيادات القاعدة، وباتت تسيطر على مساحات واسعة غربي العراق وشمالي شرق سوريا.

ساهم تعثر مسار الثورات العربية بالعسكرة والانقلاب والالتفاف بزيادة جاذبية أيديولوجيا القاعدة أسفر عن ولادة ثالثة لتنظيم القاعدة

وشهدت الحركات الجهادية التي تحتفظ بصلات وثيقة بتنظيم القاعدة تناميا مطردا خلال الآونة الأخيرة وفي مناطق عديدة كأفغانستان، فـ"حركة طالبان" بقيادة الملا محمد عمر تنتظر خروج الولايات المتحدة لتستعيد السيطرة، وفي باكستان "حركة طالبان الباكستانية" بقيادة حكيم الله محسود تمكنت خلال رمضان من تحرير أكثر من ثلاثمائة من عناصرها من أحد السجون في دير إسماعيل خان، وفي القوقاز وسعت "إمارة القوقاز الإسلامية" بإمارة دوكو عموروف، من نطاق نفوذها، أما الصومال فتشهد عودة أشد عنفا لـ "حركة الشباب المجاهدين" بإمارة مختار عبد الرحمن أبو الزبير.

أما في ليبيا فقد تنامت الجماعات الجهادية وأنصار الشريعة، وتمكنت من قتل السفير الأميركي في ليبيا في سبتمبر/أيلول 2012، وفي مصر باتت شبه جزيرة سيناء ملاذا لعدد من الجماعات الجهادية من أبرزها "مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس"، وفي تونس برزت جماعة "أنصار الشريعة" ودخلت مجموعات قريبة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في صدام مع الدولة في منطقة الشعانبي.

وساهم تعثر مسار الثورات العربية بالعسكرة والانقلاب والالتفاف بزيادة جاذبية أيديولوجيا القاعدة أسفر عن ولادة ثالثة للتنظيم، كما أسفر مقتل زعيمه أسامة بن لادن عن نهج جديد يقوم على اندماج الأبعاد، فقد استثمرت القاعدة الحدثين التاريخيين باعتبارهما منحة تمخضت عن إستراتيجية أكثر قوة وأشد فتكا وأوسع انتشارا، فقد كشفت التهديدات والعمليات الأخيرة في العالم العربي والإسلامي طبيعة اندماج الأبعاد القاعدية، فالفروع الإقليمية أصبحت أكثر تحررا من اشتراطات المركزية واللامركزية، وظهرت شبكات وجماعات جديدة تشارك القاعدة جذرها الأيديولوجي السلفي الجهادي وأهدافها البعيدة بإقامة خلافة إسلامية ورفع الهيمنة الغربية ومواجهة إسرائيل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك