عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر



سيناريو التجدد
سيناريو التبدد

ما واجبنا للحفاظ على جيشنا العربي المصري؟

في مشرقنا العربي، ثمة جيوش عربية ثلاثة قوية، دُمر الأول تماما ومُسح من الذاكرة، بل شُوه بألوان طائفية بشعة، يتعلق الأمر بالجيش العربي العراقي، والثاني على وشك التدمير وهو الجيش العربي السوري، وأما الثالث وهو "الجيش العربي المصري" فأمام سيناريوهين متقابلين لا ثالث لهما: إما التجدد (الحياة والاستمرارية) أو التبدد (الموت والتلاشي).

وإذا ما ذهبت الأمور باتجاه تبدد الجيش المصري جراء تدخله في السياسة ودفعه الشعب المصري لصراع سياسي محتدم، قد يفضي إلى "احتراب أهلي" مدمر للجميع -لا سمح الله- فإنه يصعب علينا أن نستميت في دحر "فرضية المؤامرة" بكامل خيوطها ومراحلها ولاعبيها الدوليين والإقليميين، وهذا يستلزم بالضرورة -مع احترامي لأنفسنا- وجوب التسليم بـ "فرضية الغباء المستحكم" الذي كان يلفنا طيلة الفترة الماضية.

وذلك أن "تبدد الجيش المصري" يعني أن المنطقة فُرغت من الجيوش العربية القوية باستثناء قوة الطيران السعودي وترسانته الصاروخية.

وفي المقابل يوجد جيشان قويان متطوران معاديان للعرب، وهما: جيش "الصفويين"، وجيش الصهاينة، أترون معي خطورة الأوضاع الراهنة؟

وبغض النظر عن تلك الفرضيتين ومدى الاقتناع بهما من قبل البعض، أرى أنه من المتعين علي في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة أن أجلي النظر تجاه مسألة خطورة نشوب الحرب الأهلية مع التركيز على مسألة تدمير الجيش المصري لذاته.

بعد الأحداث الأخيرة بما فيها من قتل إجرامي للمدنيين وفض للاعتصامات فإن أمام الجيش فرصة ذهبية للقيام بـ "موجة تصحيحية" للأوضاع، بقالب مقبول، وعبر أحد المسارات المتاحة

قد يُقال، ولم التهويل؟ فالجيش المصري أكبر من أن يُدمر ذاته بعملية انتحارية بائسة، فأقول، هذا ما نرجوه بالفعل، ونرى أن لذلك شواهد عديدة، ونسبة مرتفعة من الاحتمالية، في ضوء ما عُرف عن هذا الجيش من عقيدة وطنية قومية.

وقد يُقال في الضفة الأخرى، على العكس، فليس ثمة تهويل، بل مجرد توصيف لما ستؤول إليه الأمور في مصر، وذلك بعد تورط وتوريط الجيش المصري في الصراع السياسي، وهذا سيناريو لا يمكننا تجاهله إطلاقا، وثمة شواهد عليه، مع بيئة يُراد لها أن تكون مواتية له.

سيناريو التجدد
دعونا نبتدر التحليل بالسيناريو الأكثر تفاؤلا، ولنعرض مسارات محتملة لـ "سيناريو تجدد الجيش المصري" وحفاظه على حيويته واستدامة قيمه وأهدافه العليا وإمكانياته وتحسينها.

بعد الأحداث الأخيرة بما فيها فض الاعتصامات في الميادين بهذه الطريقة العنيفة والقتل الإجرامي الذي مورس ضد المدنيين العزل يوم 14 أغسطس/آب 2013، فالمشهد يقول لنا بأن الجيش أمامه فرصة ذهبية للقيام بـ "موجة تصحيحية" للأوضاع، بقالب مقبول، بشكل أو بآخر، وقد يحدث هذا عبر واحد من ثلاثة مسارات محتملة:

1. إعلان الفريق عبد الفتاح السيسي عن "موجة تصحيحية"، تمكن البلاد من استعادة أنفاسها الثورية التي لم يعد المصريون يتنفسون غيرها، على أن تتضمن تلك الموجة اعتزال الجيش للسياسة، جملة وتفصيلاً.

2. الإعلان عن استقالة الفريق السيسي واعتزاله الحياة السياسية تماما، والدفع بقيادة جديدة للجيش، تعلن عن تلك الموجة التصحيحية واعتزال الجيش للسياسة.

3. عزل الجيش للفريق السيسي وتنحيته للمصلحة الوطنية والقومية العليا، وتكليف قيادة جديدة له، تقوم بإعلان الموجة التصحيحية واعتزال الجيش للسياسة.

يصعب تصور مسار رابع في "سيناريو تجدد الجيش المصري"، إلا أن يكون خليطاً من تلك المسارات في مراحل متعاقبة (مثلاً: الأول والثاني أو الأول والثالث).

ومن الجلي أن لكل مسار من المسارات الثلاثة تكلفة ومعطيات يتوجب توافرها، بجانب نتائج وآثار تترتب على كل واحد منها، فهل يُصار إلى المسار الأقل كلفة والأنجع أثراً؟

سيناريو التبدد
تبدد الجيش المصري لا يمكن استبعاده من فضاء التحليل على الإطلاق، وبخاصة أننا أمام بعض المؤشرات التي ينمو بعضها بشكل مخيف فعلا، فالأوضاع بعد الفض غير الإنساني للاعتصامات وعودة الفلولية بأقبح صورها وممارسة القتل والتنكيل ينبئ عن تفجر محتمل للأوضاع، وربما بطريقة تخرج عن السيطرة، وهنا تكمن الخطورة.

ولئن كانت مسارات "سيناريو تجدد الجيش المصري" محدودة، فإن مسارات "سيناريو التبدد" غير محدودة ويصعب حصرها في اتجاه معين أو عدد معين، لأن تبدد الجيش هدمي، وليس للهدم طرق محدودة، فالبيت الواحد يمكنك هدمه بمئات الطرق والأساليب، بخلاف العمل البنائي.

إذن، لا حاجة لنا أن نحدد مسارات معينة لسيناريو التبدد، ولكن ثمة حاجة للتأكيد على بعض المعطيات التي تؤكد خطورة هذا السيناريو، وهي كثيرة، ولعل من أهمها ما يلي:

منطق التاريخ يقول إن "الدم يجلب الدم"، حدث ذلك في عصور كانت تشح فيها المعلومة وتغيب القدرة على توثيق أعمال السفاكين القتلة، فكيف بعصر العتاد المعلوماتي والتوثيقي؟

1. الدم إن هو أريق ولم يُعاقَب سافكه أو يوقف شلاله، فإنه سيجر أطرافا عديدة للولوغ فيه في وقت مبكر، وبخاصة بعض الجماعات الإسلامية التي فسخت منذ فترة قريبة "فلسفة التغيير بالقوة"، ومارست العنف عدة عقود في المجتمع المصري بأشكال مختلفة، فهل يسعنا تصور سكوتها فترة طويلة؟ ولا سيما أن "الجبهة التطرفية" في شقها العلماني والليبرالي تمارس استفزازا غير مسبوق لهذه الجماعات ولمسلماتها التي لا تقبل فيها المساومة.

2. منطق التاريخ ينبئنا بأن "الدم يجلب الدم"، وهو منطق لم يتخلف في عصور كانت تشح فيها المعلومة وتغيب القدرة على توثيق أعمال السفاكين القتلة، فكيف بعصر امتلك الصغير فيه قبل الكبير العتاد المعلوماتي والتوثيقي؟

3. ومن جهة أخرى، كيف يمكن لنا أن نقلل من سيناريو التورط بالدم ومن ثم الحرب الأهلية، في بيئة تشهد تدخلا سافرا من أطراف عديدة، تعمل -بوعي أو بدونه- على توتير المشهد وزيادة تعقيداته ورفع كلفة المصالحة والوفاق بين الفرقاء، ولا سيما أن بعض تلك الأطراف يمتلك ترسانة إعلامية ضخمة وعددا لا يستهان به من "مارينز العرب"؟

ما واجبنا للحفاظ على جيشنا العربي المصري؟
من خلال التحليل السابق، تتضح حتمية قيامنا بالواجبين الوطني والقومي على حد سواء، كل بما يطيق، لتوفير مقومات نجاح "سيناريو تجدد الجيش المصري"، مع تحميلي المسؤولية للجميع، بما في ذلك الأنظمة العربية التي ساندت انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، بشكل مباشر أو غير مباشر، فالوضع سيكون كارثياً على الكافة، لا قدره الله.

أما الداخل المصري، فإنه بلا ريب يتحمل المسؤولية الأكبر، وإني أهيب بكل من يمتلك ضميرا حيا أو حتى ذرة حياة ضمائرية واحدة أن يدفع التروس باتجاه سيناريو التجدد للجيش وتجنيب المجتمع ويلات التعارك والاحتراب، وليتركوا عنهم مناطحة الحقائق بالعناد والمكابرة، أو لنقل تهميش الاحتمالات الخطرة للحرب الأهلية التي بدأنا نعاين بعض مؤشراتها طافحة على السطح.
وفي هذا السياق، أشدد على ضرورة:

1- اتصاف الخطاب والحراك السياسي للتيارات المناهضة للانقلاب بدرجة عالية من الحصافة وتغليب المصالح العليا بعيدة المدى، بما يتطلبه ذلك من تقديم تنازلات حقيقية ولو كانت مُرة، والتدقيق الشديد في مفردات الخطاب السياسي تجاه الجيش، وإبعاد كافة الأطراف المتشددة أو غير العقلانية عن المنصة والواجهة، فالوضع خطير للغاية، ولا يحتمل مزيدا من التأزيم.

2- بلورة خطابات وجهود سياسية وفكرية داخل القُطر المصري، تصب في اتجاه تعضيد سيناريو تجدد الجيش وابتعاده عن السياسة وإعلانه لموجة تصحيحية للأوضاع الملتهبة.

الأمل في أن تتجه الأمور نحو استعادة الأخوة في مصر لزمام المصالحة الوطنية على أسس عادلة، بما يبني دولة حديثة بديمقراطيتها وإنسانيتها وعدالتها وحريتها وكرامتها
3- إبعاد الدين عن السياسة، فالتحشيد الديني في أي اتجاه سيكون مضرا للغاية، وتاريخنا البعيد والقريب يشهد بصحة ذلك. وليركز "الخطاب الديني" في مجال رفع حساسية المجتمع تجاه مسألة "الدماء" وتعظيمها، والتحذير من مغبة الولوغ فيها، ولزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم.

4- بلورة خطابات وجهود سياسية وفكرية على المستوى القومي تقوي من احتمالات اندفاع الجيش للعمل التصحيحي الذي يطفئ شرارة الاحتراب الداخلي.

5- تدخل جامعة الدول العربية على وجه السرعة، وتقريب وجهات النظر، مع وجوب ممارسة الدول الخليجية الكبيرة لدور فاعل في جهود سيناريو تجدد الجيش العربي المصري، فالجسد العربي واحد، وحين يُهدد أو يبتلع بعضه يُهدد أو يبتلع كله.

أقول هذا، وكلي أمل في أن تدفع الأمور صوب ما نرتضيه من استعادة الأخوة في مصر لزمام المصالحة الوطنية على أسس عادلة، بما يبني دولة حديثة بديمقراطيتها وإنسانيتها وعدالتها وحريتها وكرامتها وإنتاجها وعيشها الرغيد وجيشها وسيادتها وحسها القومي الإسلامي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك