غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري



يشهد ميدان الحدث السوري تحولاً دراماتيكياً في ميزان القوة بين الجيش الحر وقوات الأسد. بات ذلك ملحوظا في جملة تفاصيل على جغرافية الحدث وتضاريسه في كامل البقاع السورية. وثمة من يربط ذلك ببدء تدفق السلاح على القوات المناهضة للنظام، بعدما تخلى الأميركيون عن تحفظاتهم بهذا الخصوص.


وقد بدا أول المؤشرات على التحول المذكور في سيطرة قوات "الحر" على مطار منغ شمال حلب، بعد حصار دام شهوراً، وفي إطلاقه لـ"معركة تحرير الساحل".

وتأتي أهمية معركة الساحل من إمكانية قدرتها على تحريك قدر من المياه الراكدة في مواقف أبناء الطائفة العلوية تجاه الانتفاضة، وخلخلة عدد من الولاءات التي بدا أنها استقرّت عند مستوى من الثبات النسبي طيلة سنتين ونصف السنة من عمر الانتفاضة.

أما في بُعدها العسكري، فإنها تهدد بقطع طريق إمدادات قوّات النظام من اللاذقية إلى إدلب وحلب (المناطق شبه المحررة من قبضة النظام)، فضلاً عن كونها تشكل رداً قوياً على محاولة النظام تقسيم سوريا، واقتطاع المنطقة الغربية الساحلية الممتدة من نهر العاصي إلى البحر الأبيض المتوسط.

نقل المعركة لبيئة النظام سيجبره على التفاوض أو البحث عن مقاربات أخرى للخروج من الأزمة، وسيقلل من الفاتورة الدامية للأزمة السورية

لعل من أكبر أخطاء الجيش الحر -والمعارضة المسلحة عموماً- هو اقتصار عملهم في السابق على مناطق معينة، وإخراج المناطق الموالية للنظام أو ما يسمى "البيئة الداعمة" من خارطة عملياتهم، وهو الأمر الذي أنتج بيئتين مختلفتين من حيث التأثر بارتدادات الحدث وعواقبه، وساهم تاليا في إطالة أمد الأزمة، وانسداد أفق حلها.

ولا شك أن النظام استثمر هذا الأمر إلى أبعد الحدود ببقاء المناطق الموالية له -وخاصة طرطوس واللاذقية- آمنة سالمة، مما جعله يدّعي بأن الفضل يعود له في ذلك، وأنه يؤمن لها ما يلزمها من حماية واستمرار للحياة، في حين أن بيئة الثورة مدمرة وتفتقد لأبسط أنواع الحياة الإنسانية، فضلا عن تعرضها لدمار قد يحتاج لعقود مقبلة حتى يمكن بناء ما تم تدميره.

كما ساهم عدم انخراط هذه المناطق بما يحصل في سوريا بجعل بيئة النظام راضية عنه إلى حد كبير. صحيح أن هذه البيئة كانت تخسر أبناءها في جبهات القتال، لكن النظام أقنعها بأن هؤلاء كانوا سيموتون أصلاً في الدفاع عن بيئاتهم في مواجهة المتطرفين والسلفيين، الذين يريدون إبادتهم واستحلال نسائهم وأموالهم، وذبح أولادهم.

أضف إلى ذلك أن هؤلاء غالباً ما يقفون خلف حائط بشري من جنود أبناء السنة في الجيش (أغلب الذين انشقوا كشفوا هذه الحقيقة)، فهو باستخدامه لهؤلاء إنما يستثمر بالجنود السنّة ليحموا معاقله في طرطوس واللاذقية.

كان على الجيش الحر ألا يترك للنظام رفاهية الاختيار من احتمالات متعدد، وكان يجب أن يتم هذا من خلال جعل بيئة النظام تتحسس ما تشعر به بيئة الثورة. ولو حصل ذلك منذ زمن لكانت هذه البيئة قد انقلبت عليه وأجبرته على التفاوض، أو البحث عن مقاربات أخرى للخروج من الأزمة، ولكانت فاتورة الأزمة السورية قد هبطت إلى أقل من هذه الكلفة الدامية بكثير.

قبل قرار تحرير الساحل كانت قوى الثورة قد شغلت نفسها بالحديث عن فشل الثورة في استقطاب البيئة المؤيدة للنظام أو تحقيق اختراقات مهمة في بنيتها.

وفي الواقع، تبين أن ذلك لم يكن سوى كلام نظري أو تنظيري لا حظوظ له على أرض الواقع. فالحقيقة التي يعرفها كل من عايش وتابع الوضع قبل اندلاع الثورة، وخلال فترة الثورة الأولى، هي أن بيئة النظام كانت متوترة ومتشنجة، وهي التي أوصلت النظام إلى ما هو عليه من تشدد.

وكانت أفضل طريقة لإحداث استقطاب، أو تحقيق اختراقات فيها هي إجبارها (بيئة النظام) على الاشتراك في الوجع السوري العام، وليس التحايل على إرضائها وتقديم شهادات براءة عن الثورة، وانتظار الموافقة والرضى، خاصة وأن هذه البيئة كانت مستفيدة، وإن لم تكن شريكا في الفساد والقهر، فهي التي شكلت الغطاء اللازم، وأعطت الشرعية والمبرر لممارسات النظام.
ما دامت حاضنة النظام شريكة في مقتضيات الوحدة الوطنية، فعليها أن تشترك أيضا بالنزوح والموت والتشرد والاعتقال والإخفاء وكل ويلات الأزمة

قد يقول قائل إن ذلك كان سيسرّع بالحرب الأهلية ويساهم في تعميمها، والسؤال هنا هل هنالك سذاجة وكذب أكثر من هذا النمط التفكيري؟ وهل المشكلة بالتسميات إذا كنا مثلا لا نستطيع أن نسمي أو نصف ما يجري في بلد يعاني من الويلات، وجزء من أبنائه يسوم الجزء الآخر أنواعا من العذاب قتلا وتعذيبا وإخفاء وتشريدا، فسموه ما شئتم وصفوه بما أردتم، ولكن أوجدوا له حلا مناسبا.

لماذا تأييد توجه هذه الحركة نحو الساحل الآن والمغامرة بخسارة وهم حلم الوحدة الوطنية الآن؟ لأن البقاء ضمن هذه العقلية المواربة والتبريرية، وذهنية التفكير بالوحدة الوطنية على هذا النحو يرضي النظام إلى أبعد الحدود، ويبقي بيئته ملتفة ومتماسكة حوله ولا حاجة لها للتفكير بمقاربات أخرى، بل هي غير مضطرة لذلك، طالما أن الساحل السوري ينعم بالهدوء، ويستمتع بالمساعدات الروسية والإيرانية.

التفكير السليم والمنطق الإنساني، باتا يقتضيان أن تشترك بيئة النظام بالمأساة، فمادامت شريكة في الوحدة الوطنية، فعليها أن تشارك بالنزوح والموت والتشرد والاعتقال والإخفاء وكل ويلات هذه الأزمة، ثم بعد ذلك يتم كشف منظومة الهيمنة الرسمية وتعريتها بأنها ليست ضامنة وحامية لبيئة النظام، إضافة إلى التخفيف من حدة القتل والإجرام التي يمارسها النظام وأدواته، وليشعر الجنود أن هناك من سينتقم من أسرهم.

عملياتياً كانت بيئة النظام تقاتل بعسكرييها والمدربين منهم من دون المدنيين، في حين أن النظام كان يرفض هذا المنطق ويعاقب مدنيي الطرف الآخر، بل وصلت رفاهية الاختيار لديه إلى حد دعوة أنصاره إلى استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد المناطق التي تأوي الثوار باعتبارها بيئة حاضنة للتطرف، واعتبار أنهم لا يستحقون الحياة، فقد لاقت دعوة الممثلة رغدة لبشار الأسد باستخدام الكيمياوي ضد بيئات الثورة صدى واسعا لدى مؤيدي النظام.

تشكل معركة الساحل في الحالة السورية الراهنة خياراً وطنياً صائباً، كما أنها تطور طبيعي في سياق الثورة السورية عموما، باعتبار أن الساحل أرض سورية يجري عليها ما يجري على بقية الجغرافيا السورية، وأيضاً هي تفكير وطني صائب لأنه يقطع على النظام الخيارات التي باتت تزدهر في مخيلته كالتقسيم، وإمكانية اللجوء إلى الكيان الطائفي.

كما لم يعد مقبولاً أن يعمد متطرفو الطائفة إلى تدمير سوريا منزلاً منزلاً، وينهب كبار فاسديها ثروات سوريا، ثم يذهبون إلى دولتهم رافعين شارة النصر، أضف إلى ذلك أن الأوان قد آن لكي يشعر بعض عتاة النظام أنه لم يعد بمقدورهم تدمير سوريا والاحتماء بالجبال من أي عقاب.
المتوقع أن النظام وحلفاءه سيستخدمون كامل قدراتهم العسكرية للدفاع عن منطقة الساحل حتى لا تقع بأيدي الثوار، فللمنطقة أهمية إستراتيجية للنظام وحلفائه على حد سواء

أما فيما يخص دعاة الوحدة الوطنية والمتباكين عليها، فقد آن الأوان أن يعرفوا أن الوحدة الوطنية تتحقق بالعقل وبإدراك المصالح، هكذا نجحت في أميركا وفرنسا، وليس بالعواطف المهترئة. وإذا لم تشعر بيئة النظام بأن من مصلحتها وقف هذه المذبحة سيفرح سدنة النظام كثيراً بسذاجة الثورة. وإن بقيت دمشق وحلب تذويان تحت آلة التدمير الأسدي، بينما طرطوس واللاذقية تستجمان على سواحل المتوسط، ستخسر سوريا كثيراً من وحدتها الوطنية وكثيراً من مدنها ومدنيتها.

قد لا تحقق معركة الساحل أهدافها العسكرية، ثمة عوائق كثيرة تقف أمامها، فإذ يصعب تأمين خطوط إمداد للكتائب المقاتلة التي توغلت بسرعة في عمق المناطق الساحلية، فإن المتوقع أن النظام سيستخدم كامل قدرته العسكرية لإفشال هذه المعركة، كما أن حلفاءه من الروس والإيرانيين وحزب الله سيستنفرون كامل طاقاتهم للدفاع عن منطقة الساحل، ومنع وقوعها بأيدي الثوار حيث تعتبر هذه الأطراف الثلاثة أن لهذه المنطقة أهمية إستراتيجية لكل منها على حدة.

ولكن تبقى لهذه المعركة أهمية إستراتيجية وسياسية كبيرة بالنسبة للثورة السورية، فعدا عن كونها تخفف الضغط العسكري الهائل عن المناطق السورية الأخرى، فإنها بلا شك ستفتح الباب أمام مقاربات سياسية جديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك