رفيق حبيب

رفيق حبيب,مفكر مصري، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة سابقا

قائد الانقلاب ينفذ مخطط بوش الابن
الديمقراطية هي الديمقراطية

كل التقارير تؤكد أن قادة الانقلاب رفضوا فعليا كل جهود الوساطة، بل ورفضوا كل الحلول المقترحة. وعمليا، رفض قادة الانقلاب أي حل سياسي للأزمة، وأصروا فقط على ضرورة فض الاعتصامات، وهو ما يكشف عن حقيقة موقف قادة الانقلاب.

فقائد الانقلاب، لا يريد أي مخرج سياسي أو حل سياسي للأزمة، بل كان يريد فقط من الوسطاء إقناع أنصار الشرعية، بفض الاعتصامات، ثم بعد ذلك يمكن بدء أي حوار. وهو ما يعني، أنه يريد سحب كل أوراق حركة مناهضة الشرعية، حتى تقبل بما يفرض عليها. وهو ما يؤكد أن هدف الانقلاب، ليس إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية، ولا إعادة بناء عملية التحول الديمقراطي، بل إن هدف الانقلاب، هو إقصاء قوى التيار الإسلامي من العملية السياسية، وفرض علمنة وعسكرة الدولة.

وكأن قائد الانقلاب، يريد دفع القوى الإسلامية خارج إطار الفعل والتأثير، حتى يبني نظاما سياسيا مقيدا بشروط علمانية، ومقيدا بدور سياسي للقوات المسلحة، ثم بعد ذلك يمكن لأي قوى أن تشارك في العملية السياسية، لأنها ستكون عملية شكلية لا معنى لها، كما أن القوى الإسلامية إذا شاركت في النظام السياسي الذي يستهدف الانقلاب بناءه، سوف تكون محرومة أصلا من أن تكون معبرة عن المشروع الإسلامي، وتصبح مشاركتها بلا معنى، بعد أن يصبح المشروع والهوية الإسلامية، مقيدين بشروط علمانية.

لهذا رفض قائد الانقلاب أي حل سياسي، بل قام بفض الاعتصامات بمذبحة مروعة، لأنه يريد كسر قوة القوى الإسلامية، حتى يتمكن من تمرير تصوره عن النظام السياسي الجديد، من خلال تعديل أو تغيير الدستور، ليصبح دستورا علمانيا عسكريا. ولأن قائد الانقلاب، يعرف أنه لن يتمكن من تمرير التعديلات الدستورية، بسبب احتجاج القوى الإسلامية عليه، لذا يريد أولا التخلص من القوى الإسلامية، بإضعافها ولو مرحليا، حتى يتمكن من تمرير مخطط الانقلاب.

 قائد الانقلاب يريد بناء نموذج ديمقراطي أقرب إلى النموذج الغربي، تحت مظلة الحرب على الإرهاب، وهو ينفذ سيناريو نشر الديمقراطية الذي تبنته الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش الابن

قائد الانقلاب ينفذ مخطط بوش الابن
في ورقة بحثية له في كلية الحرب في أميركا عام 2006 بعنوان الديمقراطية في الشرق الأوسط، كتب قائد الانقلاب أن أميركا تريد نشر ديمقراطية غربية في الشرق الأوسط، تحت مظلة الحرب على الإرهاب. وأدانت الورقة، الموقف الأميركي، حيث أكد قائد الانقلاب، أن النموذج الديمقراطي المناسب لمنطقة الشرق الأوسط لن يكون النموذج الغربي للديمقراطية، بل سيكون نموذجا ديمقراطيا يستند للمعتقدات الإسلامية، من خلال رؤية معتدلة.

وظهر بعد مذبحة فض الاعتصام خاصة، أن قائد الانقلاب يريد بناء نموذج ديمقراطي أقرب إلى النموذج الغربي، تحت مظلة الحرب على الإرهاب، وأنه ينفذ سيناريو نشر الديمقراطية الذي تبنته الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش الابن. وتلك المفارقة، تكشف عن عدة أزمات، منها تصور قائد الانقلاب عن الفهم الإسلامي المعتدل، حيث كشفت الدراسة، أنه يرى أن القوى الإسلامية، سواءً الإخوان أو القوى السلفية، لا تمثل الفهم المعتدل للإسلام. وهو ما يضعنا أمام خيار واحد، وهو أن الفهم المعتدل للإسلام، هو ما سمي غربيا بالليبرالية الإسلامية، أو ما سمي بديمقراطية المسلمين، وليس الإسلاميين.

وفي كل الأحوال، فإن قائد الانقلاب، كان يرى أن استخدام مظلة الحرب على الإرهاب لفرض التصور الديمقراطي الغربي، لن تنجح. وهو الآن، يحاول فرض نوع من الديمقراطية العلمانية المحافظة، التي تختلف كليا عن مختلف التصورات الإسلامية، وعن مختلف تصورات القوى الإسلامية، وتختلف أيضا عن تصورات جماهير التيار الإسلامي، تحت مظلة الحرب على الإرهاب. مما يعني أن قائد الانقلاب، يريد تنفيذ نفس السيناريو الأميركي، الذي لم ينجح، والذي رأى هو أنه لن ينجح.

وإذا كان قائد الانقلاب، كان يرى أن فرض الديمقراطية على المجتمع المصري، وغيره من مجتمعات الشرق الأوسط، حسب تعبيره لن ينجح، فإن الواقع أكد أن شعوب المنطقة العربية والإسلامية، لم تقبل أي مشاريع مفروضة من الخارج، ولكنها عندما ثارت بإرادتها، حققت الديمقراطية التي تناسبها. وإذا كان قائد الانقلاب، كان يرى أن الديمقراطية ليست مطلبا شعبيا، خاصة الديمقراطية الغربية، فإن واقع الشعوب أكد أنها عندما بدأت التحرر بثورات شعبية، أصبحت الديمقراطية مطلبا جماهيريا، لأنها وسيلة المجتمع لتحقيق خياراته الحرة، وإعمال إرادته الحرة.

ومن الواضح، أن التحول الديمقراطي في مصر، أدى إلى نظام سياسي طبقا للإرادة الشعبية الحرة، يرى قائد الانقلاب أنه لا يمثل النظام السياسي المناسب للمنطقة ولمصر، وأيضا لتصورات القوات المسلحة والعقيدة العسكرية لها. مما يعني أن الديمقراطية الغربية ليست مناسبة، وفي نفس الوقت فإن الديمقراطية الإسلامية ليست مناسبة أيضا، مما يؤكد أن قائد الانقلاب يريد تحقيق ديمقراطية علمانية محافظة عسكرية، هي في النهاية ديمقراطية شكلية، وهي أقرب للنموذج الغربي.

ومما يؤكد ذلك، أن قائد الانقلاب كان يرى عام 2006، أن شعوب الشرق الأوسط غير مؤهلة لممارسة الديمقراطية، وأنها تحتاج لجيل أو اثنين حتى تصبح مؤهلة لممارسة الديمقراطية، وبعد أن يتم حل مشكلات الاقتصاد والتعليم والفقر، وحل الصراع العربي الإسرائيلي، وأيضا حل مشكلات أفغانستان والعراق.

وهذا يعني أن المجتمع المصري اختار نظاما سياسيا يناسبه، ولكنه لم يكن مؤهلا لاختيار النظام السياسي والدستور المناسب له، حسب تصور قائد الانقلاب، لذا يصبح من الضروري من وجهة نظر قائد الانقلاب، فرض النظام السياسي الذي يراه هو مناسبا للمجتمع المصري، حتى يصبح المجتمع المصري مؤهلا لممارسة الديمقراطية، ويختار النظام الذي فرض عليه. وكأن قائد الانقلاب يرى أنه يمكن أن يكون وصيا على خيارات المجتمع المصري، حتى يصبح المجتمع مؤهلا للاختيار، حسب معياره هو.

إذا كانت هوية المجتمع علمانية، فيجب أن يكون الدستور علمانيا أيضا، وإذا كانت هوية المجتمع إسلامية، فيجب أن تكون هوية الدستور إسلامية أيضا

الديمقراطية هي الديمقراطية
لأن النظام الديمقراطي يقوم على تنظيم الخيارات الشعبية من خلال آلية لتحقيق التحرر الكامل للمجتمع، وتحقيق حق المجتمع في تقرير مصيره، لا توجد أكثر من ديمقراطية، فالديمقراطية باعتبارها آلية للعمل السياسي، تقوم على إدارة الاختلاف والتنوع، مما يمكن المجتمع من اختيار نظامه السياسي، واختيار المرجعية والهوية التي تعبر عن التيار السائد فيه، وإدارة الاختلاف بين مكونات المجتمع، من خلال قاعدة حق الأغلبية في اختيار الهوية العامة، وحق الأقلية في كل الحقوق والواجبات مثل الأغلبية.

ولا يوجد نظام ديمقراطي، يفرض دستورا على المجتمع لا يعبر عنه. فإذا كانت هوية المجتمع علمانية، فيجب أن يكون الدستور علمانيا أيضا، وإذا كانت هوية المجتمع إسلامية، فيجب أن تكون هوية الدستور إسلامية أيضا.

لذا فالممارسة السلمية لأي نظام سياسي حر متعدد، تؤدي إلى اختيار المجتمع للهوية والمرجعية التي تعبر عنه، لتصبح هوية للدولة. واختيار المجتمع لمن يحكمه ومن يمثله، دون أن تكون هناك سلطة أعلى من سلطة المنتخب. وأي نظام سياسي يفرض على المجتمع هوية لا تعبر عنه، لن يكون ديمقراطيا أو حرا، وأي نظام سياسي يقيد سلطة المنتخب، لصالح المعين، لن يكون ديمقراطيا، كما أن أي نظام سياسي يقوم على عسكرة الدولة، لن يكون ديمقراطيا أيضا.

والثورة في جوهرها، حركة شعبية من أجل التحرر، تجعل الإرادة الشعبية حرة، فتختار ما يعبر عنها ويمثلها، وتختار النظام السياسي، وتحدد هوية ومرجعية الدولة. وبهذا تتحقق عملية التحرر الكامل. وأي تحرر منقوص لن يكون تحررا، فالتحرر لا يقبل التبعيض أو الانتقاص أو التجزئة، فإما أن يكون التحرر كاملا، فيصبح حقيقيا، وإما أن يكون منقوصا، فلا يصبح تحررا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك