صالح النعامي

صالح النعامي

صحفي وباحث فلسطيني

تأثيرات التحولات في البيئة الإستراتيجية
أهداف الخطة
تكثيف الاستثمار في مجال التقنيات المتقدمة ذات الطابع الحربي
الغواصات كمركب إستراتيجي

أقرت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً خطة التطوير العشرية للعقد القادم، والتي تمثل في بعض مركباتها تحولاً جذرياً ودراماتيكياً على سلم أولويات الجيش، في حين أن مركبات أخرى في الخطة تكرس تحولاً قد طرأ بالفعل على مجالات اهتمام الجيش قبل عدة أعوام.

وتقوم الخطة -التي أطلق عليها بالعبرية "تعوزاه" (الجرأة)- على تكثيف توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي والاستخباري، وتعزيز إمكانيات سلاحي البحرية والجو، وتخصيص المزيد من الموارد لتطوير الدفاعات الجوية، وتكريس الحرب الإلكترونية كمجال من المجالات الرئيسة للجهد الحربي الإسرائيلي في العقد القادم، علاوة على توفير أنظمة حماية للحدود، ولاسيما الحدود مع كل من مصر وسوريا. وفي مقابل تكثيف الاستثمار في هذه المجالات، فإنه يستشف من سلم أولويات الجيش الإسرائيلي في العقد القادم -كما تعكسها الخطة- أنه سيتم تقليص الموارد المخصصة لكل من سلاح المشاة، وسلاح المدرعات، وسلاح المدفعية.

بحلول عام 2025 ستستكمل إسرائيل التزود بسربين (48 طائرة) من طائرات " أف 135"، التي تعتبر أقوى طائرة قتالية في العالم

تأثيرات التحولات في البيئة الإستراتيجية
إن مظاهر التحول على سلم أولويات الجيش الصهيوني -التي تضمنتها خطة "تعوزاه"- تعكس في الواقع التحول الكبير في البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني، والتي دفعت بتهديدات إستراتيجية جديدة، وفي المقابل تقليص مخاطر تهديدات كانت قائمة قبل ذلك.

فعلى سبيل المثال، انطلقت دوائر التقدير الإستراتيجي في المؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية من افتراض مفاده أنه في أعقاب تفجر الثورة السورية، وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مصر ودول عربية أخرى، فقد زاد خطر ما يطلق عليه الجيش الإسرائيلي "الجماعات غير السلطوية"، أي كل الجماعات التي لا تمثل دولة أو سلطة سياسية رسمية. وتضم هذه الجماعات: حركات المقاومة الفلسطينية، وجماعات الجهاد العالمي، وخلايا تقوم على أساس مبادرات محلية في الدول المحيطة بالكيان الصهيوني.

ويفترض الجيش الإسرائيلي أن المشكلة الكامنة في مواجهة هذه الجماعات تكمن في حقيقة أنه من الصعب على الكيان الصهيوني توظيف قدراته وتفوقه النوعي في مراكمة الردع إزاءها، وذلك بخلاف ما عليه الحال عند مواجهة دول تديرها أنظمة سياسية. ووفق المنطق الإسرائيلي، فإنه من السهل مراكمة ردع إزاء أنظمة سياسية تدير دولا، عبر استهداف البنى التحتية ومؤسسات الحكم ورموز السيادة في هذه الدول، لأن أنظمة الحكم ستدرك بسرعة أن هناك ما تخسره من مواصلة المواجهة، مما يجعلها تحرص على عدم توفير الظروف التي تسمح بحدوث هذه المواجهة، ويدفعها أيضاً لامتصاص الضربات الإسرائيلية وعدم الرد عليها.

وهذا بالمناسبة ما يفسر تجلد النظام السوري على سبيل المثال، وعدم رده على الضربات الإسرائيلية، ابتداءً من قصف المنشأة البحثية النووية أواخر عام 2006 وانتهاءً بالهجمات الأخيرة التي تعرض لها ميناء اللاذقية.

وتفترض إسرائيل أنه في حال سقط النظام السوري، أو ضعف لدرجة تسمح للجماعات الجهادية بالعمل بهامش حرية كبير على الأراضي السورية، فإنه سيكون من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- استخدام مهاجمة البنى التحتية السورية والمؤسسات الخدمية للقطر السوري كوسيلة لردع هذه الحركات عن مهاجمة إسرائيل، على اعتبار أن هذه الجماعات لا ترى نفسها مسؤولة عن توفير الخدمات للمواطن السوري، كما هو الحال بالنسبة للنظام.

يأتي تراجع الاستثمار في مجال تعزيز أسلحة: المشاة والمدرعات والمدفعية، لأن خطر نشوب مواجهة شاملة مع الجيوش النظامية العربية قد تراجع إلى حد كبير

من هنا، فإن سلم الأولويات للجيش الإسرائيلي -كما تعكسه خطة "تعوزاه"- يقوم على توفير حلول تسمح بتوفير أكبر قدر من التأثير على الجماعات غير السلطوية، في حال تفككت أنظمة الحكم العربية القائمة حالياً، أو ضعفت لدرجة تسمح لهذه الجماعات بهامش تحرك كبير.

ويأتي تراجع الاستثمار في مجال تعزيز أسلحة: المشاة والمدرعات والمدفعية لأن خطر نشوب مواجهة شاملة مع الجيوش النظامية العربية قد تراجع إلى حد كبير، في أعقاب حالة التفكك التي يعيشها الجيش السوري، وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها مصر.

ونظراً لأن مواجهة الجيوش النظامية تقوم بشكل أساس على توظيف أسلحة المشاة والمدفعية والمدرعات، فإن تراجع فرص مثل هذه المواجهة أدى إلى تقليص الاستثمار في تعزيز هذه الأسلحة. من هنا، فإنه -وفق الخطة الجديدة- سيتم تقليص الموازنات المخصصة لهذه الأسلحة، في حين ستتوقف إسرائيل عن مواصلة تطوير دبابة "ميركفاة"، التي تعتبر الدبابة الأكثر تحصيناً في العالم.

في الوقت ذاته، فإن إسرائيل ما زالت ترى في البرنامج النووي الإيراني الخطر الوجودي الأبرز عليها، وهو ما اقتضى تضمين الخطة الجديدة أسباب القوة الكفيلة بمواجهة البرنامج النووي الإيراني، والإمكانيات التي تضمن تحسين قدرة إسرائيل على احتواء الرد الإيراني على أي عمل عسكري قد تقوم به إسرائيل في المستقبل ضد المشروع النووي الإيراني.

أهداف الخطة
تهدف مركبات الخطة إلى تحقيق الأهداف التالية:

أولاً: تأمين الجبهة الداخلية الإسرائيلية، سواء عبر تقليص فرص إصابتها بالصواريخ، حيث تفترض الخطة أن آليات العمل التي ستتبعها الجماعات الإسلامية ضد إسرائيل في المستقبل ستشمل بشكل رئيس إطلاق الصواريخ صوب التجمعات السكانية اليهودية في قلب الكيان الصهيوني، أو عبر تنفيذ عمليات تسلل عبر الحدود تهدف إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد الأهداف العسكرية والمدنية الصهيونية.

وتفترض الخطة أن خطر إطلاق الصواريخ بكثافة على العمق الإسرائيلي قد يأتي كرد فعل على قيام إسرائيل بهجوم يستهدف المنشآت النووية الإيرانية، حيث تفترض إسرائيل أن حزب الله سيتولى بشكل رئيس مهمة الرد على أي هجوم إسرائيلي يستهدف البرنامج النووي الإيراني.

ثانياً: تقصير أمد أية حرب أو حملة عسكرية في المستقبل، وعدم السماح بتحويلها إلى مستنقع يغرق فيه الجيش الإسرائيلي. إن مبدأ "الحرب الخاطفة" هو أحد المبادئ الرئيسة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، لأن إطالة أمد الحرب يعني تقليص قدرة الكيان الصهيوني على مواصلة تقديم الخدمات لجمهوره، حيث إن 70% من الجهد الحربي يقع على عاتق قوات الاحتياط. ومن نافلة القول أن تقصير أمد الحرب يعني تقليص الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعطيل مرافق الكيان الإنتاجية.

تنطلق إسرائيل في تبني الخطة الجديدة من حقيقة أنها باتت تمثل قوة عالمية في ثلاثة مجالات حربية رئيسة، جميعها تقوم على توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي

ثالثاً: تحقيق الحسم العسكري السريع، وتوفير صورة توثق النصر الإسرائيلي. إن أحد أهم استنتاجات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من الحروب التي خاضتها في 2006 و2008 و2012 ضد حزب الله وحركة حماس تمثلت في أن جميع هذه الحروب انتهت بدون حسم، مما مس بقوة الردع الإسرائيلية.

من هنا، فإن الخطة تشدد على ضرورة ليس فقط تحقيق الحسم العسكري في الحروب والحملات القادمة، بل أن يضمن الجيش الإسرائيلي في نهاية أية حرب أو حملة تقديم "صورة" توثق الانتصار الإسرائيلي، من أجل لسع الوعي الجمعي لـ"العدو".

تكثيف الاستثمار في مجال التقنيات المتقدمة ذات الطابع الحربي
تنطلق إسرائيل في تبني الخطة الجديدة من حقيقة أنها باتت تمثل قوة عالمية في ثلاثة مجالات حربية رئيسة، جميعها تقوم على توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي، وهي: وسائط القتال غير المأهولة، ولاسيما الطائرات بدون طيار، أنظمة النيران الدقيقة، وتوظيف الفضاء الإلكتروني في الأغراض العسكرية.

من هنا، فقد كان أهم مركب تقوم عليه الخطة الجديدة يتمثل في تكثيف الاستثمار في مجال التقنينات المتقدمة وتوظيفها المتشعب في الجهد الاستخباري والحربي، سواء في مواجهة الجماعات الجهادية، أو ضمن الجهود الهادفة إلى إحباط المشروع النووي الإيراني.

فعلى سبيل المثال تتحوط الخطة لتعاظم خطر استهداف الجبهة الداخلية بالصواريخ عبر تكثيف إجراء الأبحاث الهادفة إلى توظيف التقنيات المتقدمة في مجال حماية الجبهة الداخلية. وكما كشف بحث صادر عن "مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية"، التابع لجامعة "بار إيلان" الإسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي يعكف بالفعل حالياً على أكثر من 100 مشروع تطوير في مجال توظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي الدفاعي والهجومي، مع العلم أن جميع هذه المشاريع تتم في سرية تامة.

وضمن هذه المشاريع تكثيف الجهود في مجال تطوير منظومات "الصواريخ المضادة للصواريخ"، والمنظومات الدفاعية الأخرى، على غرار منظومة "القبة الحديدية"، وغيرها.

ونظراً لأن توفير المعلومات الاستخبارية يعد المتطلب الأساس لضمان تحقيق نتائج جيدة في أية مواجهة مع الجماعات الجهادية أو ضد غيرها، فإن الخطة تمنح أفضلية في مجال الموازنات لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش، بوصفها أكبر وأهم الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، ولاسيما في مجال توظيف التقنيات المتقدمة في جمع المعلومات الاستخبارية، سواء عبر الطائرات بدون طيار أو بواسطة الأقمار الصناعية، ومن خلال الأنشطة التي تقوم بها "الوحدة 8200"، التابعة للشعبة، وهي المسؤولة -ضمن مهام أخرى- عن عمليات التنصت والتصوير والرصد، عبر توظيف التقنيات المتقدمة.

التحولات في العالم العربي تزيد من المخاطر التي تتعرض لها تجارة إسرائيل الخارجية، التي تمر نسبة 90% منها عبر البحار، وهذا ما يفرض تكثيف التواجد الإسرائيلي الحربي في البحار وبعيداً عن سواحل الكيان الصهيوني

وحسب المخطط، فسيحصل الجيش الإسرائيلي حتى مطلع عام 2025 على 900 طائرة بدون طيار، مع العلم أن مجالات عمل هذه الطائرات لن تقتصر على جمع المعلومات الاستخبارية، أو تنفيذ الغارات المحدودة، بل إن هذه الطائرات ستكون قادرة على تنفيذ جميع العمليات الهجومية، ضد أهداف في البر أو البحر أو الجو.

ويذكر أن مجمع الصناعات الجوية الإسرائيلية يعكف حالياً على تطوير طائرة بدون طيار كبيرة، يصل حجمها إلى حجم طائرة (بوينغ 737). ومن أجل تعزيز القدرات الاستخبارية، فإن الجيش الإسرائيلي يعكف حالياً على تزويد أقمار التجسس لديه بنظام C2، الذي يحسن من كفاءتها، علاوة على مواصلة تطوير الأقمار الصناعية ذات الجهد المحدود "mini satellites".

الغواصات كمركب إستراتيجي
بحلول العام 2025 ستتحول إسرائيل إلى رابع قوة عالمية في مجال الغواصات الإستراتيجية، حيث ستكون بحوزتها ست غواصات دولفين، قادرة على حمل وإطلاق رؤوس نووية، مما يمنحها الفرصة لتوجيه ضربة نووية ثانية. وتتميز الغواصات بقدرتها على العمل بشكل سري، فضلاً عن توظيفها في مجال جمع معلومات استخبارية، ونقل القوات من مكان إلى آخر في ظل سرية تامة، علاوة على إسهامها في مجال الحرب الإلكترونية.

وتفترض إسرائيل أن التحولات في العالم العربي تزيد من المخاطر التي تتعرض لها تجارتها الخارجية، التي تمر نسبة 90% منها عبر البحار، وهذا ما يفرض تكثيف التواجد الإسرائيلي الحربي في البحار وبعيداً عن سواحل الكيان الصهيوني.

بالطبع إلى جانب تعزيز قدرات سلاح الجو، حيث إنه بحلول عام 2025 ستستكمل إسرائيل التزود بسربين (48 طائرة) من طائرات "أف 135"، التي تعتبر أقوى طائرة قتالية في العالم.

ومن المؤسف أنه في الوقت الذي تتجه فيه الجيوش العربية لمستنقع السياسة والغرق في الاستقطابات الداخلية، والانشغال بالمشاريع الاقتصادية التي تضمن ثراء قادتها، فإن الصهاينة يتجهون إلى مراكمة أسباب القوة لتثبيت نتائج عدوانهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك