منير شفيق

منير شفيق

لا أدري كيف يمكن لعاقل أو منصف أن يطرح هذا السؤال الذي يشكك في وجود مقاومة في قطاع غزة. ولكن ثمة من يشكك وبصوت عال، وبدرجة عالية من الاطمئنان، مستنداً إلى ما يسود من هدنة أو تهدئة بين القطاع والكيان الصهيوني منذ اتفاق وقف إطلاق النار في حرب الثمانية أيام في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 حتى اليوم. وكان هذا هو موقفه مستنداً إلى الهدنة أو التهدئة التي سادت ما بين انتهاء حرب العدوان على قطاع غزة في 2008/2009 وحرب الثمانية أيام 2012.

ثم تراه يزيد قائلاً إن إطلاق صاروخ من القطاع يؤدي إلى اعتقال مطلقه والتحقيق معه لأنه خرق للهدنة والتهدئة، ثم يضيف مقولة "منطقية" قبل القول: كيف تكون هناك هدنة وهناك مقاومة في آن معاً؟

على أن كل هذا التشكيك، أو دليل الاعتقال والمقولة المنطقية، أوْهى من خيوط العنكبوت أمام الواقع المقاوم في قطاع غزة، وقد بلغ حدّ التحوّل إلى قاعدة عسكرية محرّرة ترتكز إلى استعداد دائم، وإعداد يواصل النهار بالليل في حفر الأنفاق، والتسلح، وتطوير الصواريخ محلياً. (وبالمناسبة حدث مثل هذا مع فتح بعد عدوان 1978 على جنوبي لبنان).

الذين يشككون في هذا الواقع يعاندون حربين كبيرتين في 2008/2009 و2012، وقد أسفرتا عن انتصارين كبيرين لقطاع غزة المقاوم عندما فشل جيش الكيان الصهيوني في اقتحامه وتجريده من السلاح وفي قتل المقاومين أو أسرهم، خصوصاً من حركتي حماس والجهاد.

لقد تطوّر قطاع غزة عسكرياً إلى مستوى إستراتيجي في مقاومة العدو الصهيوني، ليس خارج حدود فلسطين بل فوق أرض فلسطين. وهذا له مغزاه

وقد وصل الإحراج بالمشككين إلى القول إن جيش الكيان الصهيوني لم يرد احتلال القطاع أو أسر المقاومين، ولم يسألوا أنفسهم لماذا لم يرد احتلال جنين أو نابلس أو رام الله أو أريحا وهو العدو نفسه في كل الحالات. وهي كلها من وجهة نظره الصهيونية "أرض إسرائيل"، والمقاومون الفلسطينيون أينما وجدوا من وجهة نظره أعداء مكانهم السجن أو القبر. ثم لم يقولوا لماذا شنّ حرب 2008/2009، ولماذا اغتال العشرات من قيادات المقاومة وكوادرها، ولماذا اغتال القائد العسكري الحمساوي الكبير أحمد الجعبري وألحقه بقصف عدد من المواقع اعتبرها مكامن للصواريخ في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

ثم كيف يفسرون ردّه العاجز على الحرب التي شنتها المقاومة على مدى سبعة أيام بعد ذلك الاغتيال والقصف، ولم يستطع أن ينتقم من الذين تجرؤوا على قصف تل أبيب والقدس، بل راح يطلب وقف إطلاق النار طوال الأيام السبعة من شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2012، واضطر إلى الخضوع للشروط التي أعلنها خالد مشعل ورمضان عبد الله شلح لوقف ما عُرِف بحرب الثمانية أيام.

على الذين يشككون هنا استناداً إلى الهدنة أو التهدئة أن يفرقوا بين ما تضمنه اتفاق أوسلو من تخلٍ عن المقاومة، أو ما أطلق عليه "شجب العنف"، وما تضمنته الهدنة والتهدئة من إعداد يومي للحرب القادمة. إن الهدنة أو التهدئة اللتين توقفان إطلاق النار، ولا توقفان استمرار التسلح وحفر الأنفاق والإعداد للحرب، ليس لهما من مفهوم علمي عسكري وسياسي سوى أنهما حرب ومقاومة.

ولهذا ثمة مغالطة خطرة ومتجنية عندما توصف الهدنة أو التهدئة، سواء أكان في قطاع غزة أم في جنوبي لبنان، بأنهما تخلٍ عن المقاومة. ومن ثم اعتبار الوضع القائم كالوضع بعد اتفاق أوسلو، أو معاهدات السلام أو بروتوكولات التطبيع مع العدو.

بل إن هذه المغالطة تكبر عندما لا يُفرَّق بين مرحلة المقاومة المعروفة بموضوعة "اضرب واهرب"، ومرحلة المقاومة عندما تصبح مواجهة في المواقع المحرّرة. لأن المقاومة في المرحلة الثانية أرقى من المقاومة في المرحلة الأولى، ولا يغيّر من هذه الحقيقة وقوع هدنة أو تهدئة.

هؤلاء المشككون لم يقرؤوا التاريخ بالنسبة إلى مراحل حكمتها هدنة أو تهدئة في ظل تسلح محموم وإعداد للحرب، وكيف انتهت إلى حرب أشدّ ضراوة من سابقتها، وإلاّ كيف يفهمون المرحلة التي سادت في أوروبا ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ وكيف يفهمون ما ساد من حرب باردة بين الاتحاد السوفياتي وأميركا؟ وقد كان دقيقاً، في الوصف، من سمّاها حرباً باردة، ما دامت حرب سباق تسلح وإعداد. فهي حرب بكل ما تعني الكلمة من معنى، وإن لم تطلق بها رصاصة واحدة، أو تقع عمليات عسكرية جزئية دائمة هنا وهناك.

إن الأمر لكذلك تماماً بالنسبة إلى المقاومة في قطاع غزة وجنوبي لبنان، إذ هي مقاومة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل هي مرحلة أعلى كثيراً من مرحلة العمليات الصغيرة المحدودة وفق تكتيك "اضرب واهرب"، وذلك بالرغم مما يسود السطح من هدنة أو تهدئة، وبالرغم من الحسم ضدّ كل من يخرّب عليها، لا لأنه مقاومة بل لأنه ضدّ المقاومة، ويريد أن يحرمها من فترة الهدنة والتهدئة التي تكون المقاومة في أمسّ الحاجة إليها لأجل استكمال تسلحها وإعداد مقاتليها وأنفاقها واستعداداتها للحرب القادمة حتى تأتي أفضل عسكرياً من سابقتها.

لقد تطوّر قطاع غزة عسكرياً إلى مستوى إستراتيجي في مقاومة العدو الصهيوني، ليس خارج حدود فلسطين بل فوق أرض فلسطين. وهذا له مغزاه

لقد تطوّر قطاع غزة عسكرياً إلى مستوى إستراتيجي في مقاومة العدو الصهيوني، ليس خارج حدود فلسطين بل فوق أرض فلسطين. وهذا له مغزاه، وذلك حين يكون لدينا قطاع فلسطيني يستعصي على الجيش الصهيوني اقتحامهُ كما يفعل بالمدن والقرى الفلسطينية الأخرى.

ولهذا ليس من حق أحد التشكيك في هذه الحقيقة بسبب عداء لحماس، أو بسبب السعي لتعميم حالة سلطة رام الله وتصفية المقاومة في قطاع غزة. فهل هنالك من يشك في أن عودة محمود عباس إلى قطاع غزة تعني إنهاءً لحالة القطاع المقاوم بأعلى درجات التسلح والإعداد. ومن هنا ندرك أن الذين يشككون في المقاومة بقطاع غزة لا يفعلون ذلك لرفضهم حالة التهدئة أو الهدنة أو لأنهم يريدون فتح النار على العدو، وإنما ليأتي محمود عباس (ومحمد دحلان) إلى قطاع غزة لتصفية كل مقاومة وإعادة القطاع إلى سكة اتفاق أوسلو.

على أن الأخطر من تلك الأصوات الفلسطينية التي تشكك في المقاومة في قطاع غزة تأتي الأبواق الإعلامية المصرية التي راحت تشنّ الهجمات على الفلسطينيين جملة، وتشوّه المقاومة في غزة تحت الافتراء بالتدخل في الشأن المصري إلى حد إرسال مقاتلين. وهو لم يحصل بالتأكيد.

أصحاب هذه الهجمات الإعلامية ومن وراءهم داخل مصر وخليجياً ليس لهم إلا هدف واحد هو التمهيد لتصفية المقاومة في قطاع غزة، أي تحقيق ما لم يستطع تحقيقه عدوانان (حربان) صهيونيان وقعا خلال ثلاث سنوات، كما لم يستطع تحقيقه حصار خانق دام ست سنوات، وبدعم من حسني مبارك.

كيف يمكن أن يُفهم اليوم ما يجري من حملات إعلامية ضدّ الفلسطينيين في مصر، خصوصاً، بعد 30 حزيران/يونيو، وما يجري من هدم للأنفاق وتشديد للحصار شُنا قبل ذلك أيضاً، وتصاعدا الآن إلى مستويات غير مسبوقة؟ ثم ما معنى تحليق طائرات مصرية فوق القطاع عدّة مرات وهي التي لم تصل القطاع منذ العام 1948.

لا أحد يستطيع أن يختبئ وراء أصبعه عندما يشن الهجمات الإعلامية على الفلسطينيين وقطاع غزة، أو يهرب من علامات السؤال التي ستلاحقه وتحاصره وتكشف حقيقة سياساته ونياته في تصفية سلاح المقاومة

إن كل ذلك رسائل تقول إن معركة تجريد القطاع من سلاحه قادمة سواء كان بتحريض المعارضة الداخلية، أم بشعار وحدة الضفة والقطاع تحت راية محمود عباس وسياساته المناهضة لكل مقاومة أو انتفاضة.

عندما يكون قطاع غزة تحت السلاح، وبقدرات قتالية وصاروخية مشهود لها، يعني أن تحرك الجيش الصهيوني باتجاه سيناء، كما فعل مرتين في الماضي 1956 و1967 أصبح مواجهاً أمام قلعة عسكرية لا يستطيع أن يتركها وراءه. وإذا كان له، مع افتراض مبالغ فيه، أن يسيطر عليها في حالة حرب مع مصر، فسيحتاج إلى مدّة طويلة كافية لأن تكون في مصلحة مصر وجيشها.

من هنا، فإن المساس بالوضع الراهن في قطاع غزة بدلاً من دعمه وتعزيزه بوحدة داخلية وعمق مصري مساند وشريك، يشكل إضعافاً للأمن القومي المصري ومن ثم العربي. ناهيك عن توجيه ضربة سلبية قاسية للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ومقاومته.

فنحن أمام مسألة يجب أن تعلو على أية صراعات داخلية مصرية أو صراعات عربية عربية، بل نحن أمام قضية تشكل معياراً للمواقف والسياسات واتجاهاتها ومراميها البعيدة. ومن ثم لا أحد يستطيع أن يختبئ وراء أصبعه عندما يشن الهجمات الإعلامية على الفلسطينيين وقطاع غزة، أو يهرب من علامات السؤال التي ستلاحقه وتحاصره وتكشف حقيقة سياساته ونياته في تصفية سلاح المقاومة في قطاع غزة. فهذا أمر غير قابل للنقاش، ولن يستطيع أن يغسل يديه من الجريمة بحق فلسطين ومصر إن فعلها أو حضّر لها وراح يخوض غمارها.

إن قطاع غزة المسلح والمقاوم والمستعصي على الاحتلال الصهيوني يشكل أمناً قومياً لمصر، كما يشكل وضعاً إستراتيجياً فلسطينياً في غاية الأهمية.

من هنا يجب أن تُعاد الحسابات وإلاّ فرّط بالأمرين معاً. ويا للكارثة نصنعها بأيدينا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك