عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر

لبننة مصر
سيناريوهات "الحراك الثالث"

بيومين قبل سماعي عن حركة "الميدان الثالث" (وهي حركة أعلنت عن نفسها في الإعلام الجديد ونظمت بعض الفعاليات أواخر الشهر الماضي)، بدأت بكتابة مقال يتمحور حول توقعي لظهور "حراك ثوري ثالث"، أو لنقل "حراك ثوري تصحيحي".

وذلك لقناعتي بأن الحراك الثوري -وبالذات في دولة كمصر- يمتاز بدرجة عالية من الديناميكية والوعي، وحتى الابتكارية في جوانب عديدة، مما يجعل المحلل لا يستبعد احتمالية نشوء اتجاهات سياسية، تؤمن بحتمية الخروج من نفق الثنائية الحادة، التي حُشِرت مصرُ فيها بعد "انقلاب عسكري أمني" على "مرحلة سياسية فاشلة".

وتكاد تلك الثنائية تقود مصرَ إلى تخوم التناحر والصراع، وما قد يستتبعه من تحارب أهلي لا قدر الله، ولا سيما أن كلا التيارين القائمين (تيار الإرادة الشعبية الذي أطاح بالدكتور مرسي، وتيار الشرعية المؤيد لعودته) يبدي عنادا متناميا، وتمسكا بالمواقف، واحتفاظا بسقف عال من المكاسب الواقعة أو المستهدفة.

ومثل هذه الآثار المحتملة لن تكون كارثية على المستوى المصري القُطْري، بل على المستوى العربي القومي.

يهمني التنويه إلى أنه لا تعنيني في هذا المقال حركة "الميدان الثالث" ذاتها، ولا تعني الإشارة إليها أي نوع من التزكية لهذه الحركة الوليدة التي تشح المعلومات عنها

ومن المهم التنويه إلى أنه لا تعنيني في هذا المقال حركة "الميدان الثالث" ذاتها، ولا شعاراتها أو أفكارها التي تتبناها على وجه التحديد، ولا تعني الإشارة إليها أي نوع من التزكية لهذه الحركة الوليدة التي تشح المعلومات عنها، وهي ما تزال في مرحلة الميلاد، وأنا أجافي أصلا تزكية أي فصيل بعينه في أي من مقالاتي.

إذن، فالذي يهمني هو البعد التحليلي الاستشرافي للفكرة، أو التوجه العام لمثل هذا "الحراك الثالث" المحتمل في ضوء أدوات التحليل والاستشراف في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ومثل هذا الحراك أحسب أنه من الممكن أن يشكل "منصة للوفاق الوطني الثوري العادل"، أو ربما يسهم في عملية التصحيح للمسار الثوري بقدر معين. وسأوضح مسوغات ذلك التنبؤ، عبر محاور عديدة.

لبننة مصر
الواقع الملتهب في المشهد المصري اليوم يشهد اصطفافاً متزايدا، وإقصائية لا تشف عن أنوار لمخرج توافقي بين الفرقاء المتكارهين، وبخاصة بعد إزهاق دم طاهر بأيدي "الفلولية" المجرمة، مع زيادة تدخل الدول العربية والأجنبية في الشأن المصري، على نحو يجعلنا نتخوف من فرضية "لبننة مصر" لا من حيث الاحتراب الداخلي فحسب، بل عبر جعل مصر -كما لبنان- ملعباً يؤجره بعض ساستها لمن يروم اللعب أو حتى القمار و"لخبطة" الأوراق لسبب أو لآخر.

وكل ذلك ليس مأساة على مصر وحدها، وإنما كارثة ماحقة على عموم العرب، والأيام بيننا، لا أرانا الله هذا السيناريو المشؤوم، غير أنه يبقى محتملا في حالة بقاء الآفاق السياسية مسدودة على النحو الذي نراه وفق حراك التيارين القائمين في المشهد اليوم.

ومن يوصّف الوضعَ القائم بدقة وهدوء، فإنه يجد جملة من العوامل التي تشير إلى ما يشبه استحالة انبثاق حل سياسي عبر هؤلاء الفرقاء المتشاكسين المتناحرين، حيث نجد:

1- عداوة وتناحرا يتزايد بين مؤيدي "الإرادة الشعبية" للإطاحة بالدكتور مرسي وكامل إرثه، ومؤيدي "الشرعية" لاستعادته رئيساً للبلاد مع الدستور والأجهزة والأوضاع المنتخبة.

2- هذا التعادي والتناحر يُصحَبُ بإقصائية تكاد تكون مطلقة، ومزاعم كل تيار بأن "الشعب معه"، وبأن الميادين مملوءة بأتباعه هو، وبأن الآخر يمارس تضليلاً وفبركة.

تكاد الثنائية الحالية تقود مصر إلى تخوم التناحر والصراع، وما قد يستتبعه من تحارب أهلي لا قدر الله، ولا سيما أن كلا التيارين القائمين يبدي عنادا متناميا، وتمسكا بالمواقف
3- التدخل غير المقبول من قبل الجيش في الشأن السياسي، مع الارتباك الشديد في هندسة الأوضاع المرحلية في شقها السياسي والدستوري والمدني والاجتماعي والإعلامي.

4- الميل نحو عسكرة الدولة و"أمننتها"، وإعادة استنبات "الفلولية" والتعويل عليها في المرحلة القادمة، مما يعيد إنتاج النظام المستبد من جديد، وشواهد ذلك كثيرة ومتزايدة.

5- النزعة الاستبدادية تجاه كل من يقدم نقدا لخارطة الطريق التي فرضها الفريق أول عبد الفتاح السيسي، والتي تقود الأوضاع إلى شكل من العسكرة والفلولية، ومثل تلك النزعة ليست مع الإسلاميين فحسب، بل مع التيارات الأخرى كما حدث مع بعض النشطاء الذين صنفوا على أنهم لم ينضموا بعد لما سُمّي بـ "الصف الوطني"!

6- هذه النزعة الاستبدادية تتزامن مع كتم أنفاس الحراك السياسي وفق دينامياته الطبيعية، ليس عبر الإقصاء وحده -وهو كاف لخنقها- وإنما من خلال اجتراح هذه "المهل القصيرة" للقيام ببعض المهام الكبيرة أو العسيرة، إذ يرى "العسكري" أنها كافية للشعب لكي يحشر نفسه داخل "الصف الوطني".

7- لعب كلِ طرف على أوتار "الثبات على المبدأ والحفاظ على المكتسبات"، والقيام بتشغيل "مكائن العناد"، واعتناق عقيدة عدم التنازل للطرف الآخر، وهذا أمر يؤزم الوضع ويفجّره.

8- امتلاك كل طرف لأدوات يراها مؤثرة في المعركة، فـ"تيار الإرادة الشعبية" لديه أجهزة الدولة ووسائل القمع، بما في ذلك قانون الطوارئ والإجراءات الاستثنائية (كما حدث من تفويض الرئيس المؤقت عدلي منصور لبعض صلاحياته لرئيس الوزراء حازم الببلاوي).

كما يمتلك التيار الآخر "تيار الشرعية" قاعدة شعبية لا يستهان بها، مع استعدادها لأن تتحمل مخاطر العنف أو حتى القتل، الأمر الذي يكسب ذلك التيار "قوة الدم"، وخاصة أن التيار الآخر يتحمل مسؤولية ارتكاب مجازر مروعة حدثت قبل أيام، واحتمالية وقوع مجازر أخرى.

وينضاف إلى ذلك امتلاك "تيار الشرعية" لترسانة إعلامية تصنع رأيا عاما داخليا ودوليا، مع إيمان ذلك التيار بأصل المسألة المتعلقة بعدم شرعية الانقلاب أصلا على "وضع منتخب ودستوري"، بخلاف تيار "الإرادة الشعبية" الذي لا يراه انقلابا بل عملا ثوريا.

9- ضعف التناغم في صفوف "تيار الإرادة الشعبية" حيث يضم "فصائل ثورية" مع "فصائل فلولية"، بالإضافة إلى مستقلين وتكنوقراط، انضم بعضهم -وربما أكثرهم- بسبب عدم قناعة أو حتى كره للإخوان المسلمين وللإسلام السياسي، مع تلبس هذا التيار بنزعة إقصائية بل أمنية وانتقامية في الكثير من تصرفاته الراهنة، وكل ذلك يؤشر على رقة قشرة بيضة هذا التيار، الأمر الذي يُعجل بتفقيسها!

10- وفي المقابل، يتأسس "تيار الشرعية" على حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون وقطاع عريض من السلفيين والمتدينين غير الحركيين، مع بعض الرموز الثقافية والإعلامية والكفاءات المستقلة، وأفراد كثر من عموم الشعب والشباب غير المؤدلج. إلا أن سطحية خطاب هذا التيار وانسياقه وراء الطرح التعبوي العاطفي والشحن الديني البعيد عن أسس الدولة الحديثة، سيجعل الكثيرين من غير الحركيين يشككون في قدرة هذا التيار على إحراز منجز ملموس في ظل بيئة آخذة بالتعقد والخطورة، ومن ثم بحثهم عن بديل مأمون.

عوامل كثيرة ترجّح أن "الحل السياسي" تصعب بلورته بكلفة وزمن معقولين في ظل وجود تيارين متراشقين، والمتوقع أن شباب الثورة سيقدمون الكثير من أجل صناعة حراك ثالث بوصفه "حقيقة ثورية"
العوامل السابقة -ومثلها كثير- ترجّح أن "الحل السياسي" تصعب بلورته بكلفة وزمن معقولين في ظل وجود هذين التيارين المتراشقين، وهذا في رأيي سيعبئ "العقل الجمعي الثوري" بقناعات تُترجَمُ إلى "اتجاهات راسخة" بضرورة التفكير للخروج من هذا المأزق الخطر، والعمل على إعادة ضبط البوصلة الثورية نحو "جزيرة الحرية والعدالة والعيش الكريم."

سيناريوهات "الحراك الثالث"
المأزق السابق، كما قلت سيدفع باتجاه بلورة ما يمكن أن يُسمى بـ"الحراك الثوري الثالث" بأي شكل من الأشكال، ويمكن لنا وضع بعض السيناريوهات المتوقعة:

1- بخصوص صانعي "الحراك الثالث"، فإنه قد يكون من البدهي القول بأن هذا الحراك لن يطيق البدء به غير شباب الثورة، فهم من فجّر تلك الثورة المصرية المدهشة، وهم الأقدر على التسامي عن الأطر المؤدلجة والأرباح الحزبية أو حتى الشخصية، كما أنهم أظهروا بشكل مبهر وعيا مجتمعيا سياسيا وعمقا إداريا تنمويا، ومن ثم فهم الأملك لمهارة بناء الجسور للمحبة والتضحية والتعاون والشراكة العادلة في سبيل بناء الدولة الحديثة في مصر العروبة والإسلام.

والمتوقع أن شباب الثورة سيقدمون الكثير من أجل صناعة هذا الحراك وتثبيته بوصفه "حقيقة ثورية" أو "رقما ثوريا صعبا".

كما يُتوقع انضمام بعض الرموز الفكرية والسياسية التي تتلبس بقدر عال من التجرد والنضج والإيثار للصالح العام بعيدا عن الأطر الحزبية أو الفكرية، فضلا عن العديد من الكفاءات المصرية غير الملونة، وجحافل كبيرة من الجماهير المصرية التي ترنو لحياة كريمة ديمقراطية وتنمية شاملة عادلة.

2- بخصوص الحجم ومجالات التأثير المحتملة لـ"الحراك الثالث"، فإننا إزاء ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: أن ينشأ هذا الحراك ويكبر ككرة الثلج المتدحرجة، بحيث يصبح بعد وقت معين "الخيار الثوري الشعبي" ويلتهم التيارين السابقين أو يضعفهما بدرجة كبيرة.

وهذا الأمر وإن كان محتملا بشكل محدود، إلا أنه يحتاج إلى تحقق جملة من العوامل المعقدة في "الديناميكية الثورية"، بأبعادها الذاتية والخارجية، ويدخل في ذلك "مستوى كارزمية الحراك الثالث"، وما يتبعها من عوامل، بجانب حقائق الميدان الثوري، وما يعتمل فيه من أحداث وتدخلات وصفقات، ونحو ذلك.

وأحسب أن مثل تلك الكارزمية ستُدعَمُ بشكل قوي في حالة تبني "الحراك الثالث" لتفكيك ثلاث منظومات: "تفكيك الفلولية"، "تفكيك الأخونة"، "تفكيك التطرفية"، نظرا لما قد يمثله ذلك من انشداد هذا الحراك للاعتدال والتوازن في معالجة مشاكل الأمس وتحديات الغد (للمزيد، انظر مقالي: لإنقاذ الثورة المصرية: الجزيرة نت، المعرفة، 26/7/2013.)

لَعِبُ كلِ طرف على أوتار "الثبات على المبدأ والحفاظ على المكتسبات"، والقيام بتشغيل "مكائن العناد"، واعتناق عقيدة عدم التنازل للطرف الآخر، هو أمر يؤزم الوضع ويفجّره

السيناريو الثاني: أن ينشأ هذا الحراك ويصبح "رقما ثوريا صعبا" ويعمل كـ"مصحح ثوري"، إذ يفرض على كلا التيارين المتناحرين بعض الشروط والمواصفات، التي تعيد ضبط بوصلة الثورة المصرية، وتعين على تحقيق أكبر قدر ممكن من أهدافها، بما في ذلك إفشال خطط "الفلولية" لاستعادة النظام السابق وعسكرة الدولة، بجانب الدفع باتجاه تفكيك "الأخونة" و"تديين" الدولة.

وهذا محتمل بدرجة كبيرة، نظراً لتضافر عوامل النشوء للحراك الثوري في هذه الفترة الحرجة، ونموه كمصحح ثوري من جراء عاملين اثنين:

(1) عامل ذاتي: وينبع من ديناميكية الفعل الثوري نفسه.
(2) عامل خارجي: ويتعلق بحقيقة التناحر والتباغض المتزايد بين التيارين السابقين، وما يستلزمه من انضمام الكثيرين للحراك الثالث، واحتمالات دعمه داخلياً وخارجيا.

السيناريو الثالث: نشوء "الحراك الثالث" لفترة زمنية معينة، ونموه بحجم لا يكفي لحمايته من أن يُبتلَع أو يُهمّش من قبل التيارين السابقين أو أحدهما، وهذا محتمل بدرجة تتفاوت من ضعيفة إلى متوسطة، ويتوقف ذلك على عوامل عديدة، ومنها مستوى كارزمية هذا الحراك.

3- بخصوص أوقات التأثير المحتمل لـ"الحراك الثالث"، فإنه يصعب إعطاء أي توقعات دقيقة بهذا الصدد، نظرا لتعقد العوامل المؤثرة في عمليات التنشئة والتكوين والتطوير والحماية والإسناد والتمدد لهذا الحراك.

ومع ذلك، فإنه يمكن القول بدرجة معقولة من الدقة بأن ذلك الوقت يعتمد على العاملين الذاتي والخارجي المشار إليهما في فقرة سابقة.

وبعد هذا التطواف في مثل هذا اللون من التحليل والتفكير الاستشرافي، يبقى سؤالان قائمان:
هل يظهر مثل هذا "الحراك الثوري الثالث"؟ وهل يفلح -إن ظهر- في تصحيح مسار الثورة المصرية بشكل أو بآخر، أو على الأقل الإسهام في إعادة الوفاق "المختطف" أو "المغيب" عن الساحة المصرية، بطريقة أو بأخرى؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات