كريستوفر ر. هِل

كريستوفر ر. هِل

​مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق

إن منتقدي السياسات الأميركية في الشرق الأوسط يذكرونني بمزحة لودي آلن في فيلمه "آني هول" تقول "الطعام في هذا المكان بشع حقا.. والكميات ضئيلة للغاية".

الواقع أن الولايات المتحدة يُنظَر إليها باعتبارها السبب الرئيسي وراء علل كثيرة تعاني منها المنطقة، ورغم هذا فإنها متهمة في نفس الوقت بعدم المشاركة بالقدر الكافي في "القيادة من الخلف"، والفشل في دعم الديمقراطية، والتخلي عن أصدقائها، وما إلى ذلك.

ونظراً لكل الاتهامات التي تواجه الولايات المتحدة بسبب تورطها في المنطقة على مدى عقود من الزمان، فإن المرء كان ليتصور أن بعض الأطراف قد تدعو أميركا إلى الالتفات إلى شؤونها الداخلية وعدم التدخل.

ولكن المنطقة بحاجة ماسة إلى الزعامة، ولا تزال الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة على توفير الزعامة. والمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة ليست الانقسامات في الشرق الأوسط، والتي يتعين عليها أن تفهمها وتبحر عبرها بشكل أفضل، بل الانقسامات داخل الولايات المتحدة ذاتها والتي أدت إلى تآكل الإجماع المحلي حول العديد من قضايا السياسة الخارجية. وكانت هذه الخلافات الداخلية هي السبب الذي أبقى الولايات المتحدة على الهامش خلال أحدث الاضطرابات في الشرق الأوسط.

الخلافات الداخلية  الأميركية هي السبب الذي أبقى الولايات المتحدة على الهامش خلال أحدث الاضطرابات في الشرق الأوسط

لقد تعودت أميركا على تبني نوعين من المواقف في التعامل مع السياسة الخارجية في الأساس: الموقف الواقعي والموقف المثالي. ولكن آراء اليوم مفتتة عبر مجموعة واسعة من المواقف، وهو الموقف الذي يظهر أيضاً الحاجة الماسة إلى الزعامة.

إن الرأي الذي كثيراً ما يصرح به الرئيس باراك أوباما بأننا "نحتاج إلى بعض بناء الأمة في الداخل"، مقترناً بحربه التي يشنها بطائرات بدون طيار، يشير إلى أنه وقع في خطأ الارتكان إلى جانب الانعزاليين في كل من جناحي اليسار واليمين. والآن يبدو الأمر وكأن أحادية القرار تتحول بسرعة إلى أممية الانعزاليين.

ويتعين على الولايات المتحدة أن تشرح بشكل أفضل لشعبها الأسباب التي قد تضطر أميركاً إلى التورط بشكل أكثر عمقاً في المشاكل المتصاعدة في الشرق الأوسط. ولا أعني بهذا أن الولايات المتحدة لا بد أن تتورط بالضرورة في كل مشكلة. ولكن سواء شاركت الولايات المتحدة أو لم تشارك فإنها في احتياج إلى سياسة ثابتة.

وتُعَد حالة سوريا مثالاً واضحا. فقد تفاقم الوضع هناك، كما توقع كل الخبراء في مختلف أنحاء العالم، وبات يهدد الآن بالتحول إلى حرب أهلية إقليمية شاملة. وكانت استجابة الولايات المتحدة لهذه الكارثة الدولية بتقديم الأسلحة الخفيفة لبعض الجماعات المتمردة من أجل إلحاق أضرار طفيفة بنظام الرئيس بشار الأسد بسبب استخدامه للأسلحة الكيمياوية قبل بضعة أشهر.

وهذه ليست سياسة جادة. فالمساعدات العسكرية لابد أن تدعم خطة سياسية واضحة، لا أن تعمل كبديل لها.

يتعين على الولايات المتحدة أن تشرح بشكل أفضل لشعبها الأسباب التي قد تضطر أميركاً إلى التورط بشكل أكثر عمقاً في المشاكل المتصاعدة في الشرق الأوسط

في الشهر الماضي، لاحت بارقة أمل عندما بدأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري محاولة لإيجاد سبيل إلى الأمام في التفاهم مع الروس. والواقع أن الدعم المؤثر والمستمر الذي يقدمه الكرملين للأسد يُعَد سياسة جادة، وهو يشير إلى أنه إذا كان للولايات المتحدة أن تحرز تقدماً بعيداً عن التورط في مواجهة مع روسيا، فيتعين عليها أن تعمل مع القادة الروس على تضييق فجوة الخلافات حتى يصبح في الإمكان في نهاية العملية عقد مؤتمر سلام.

الواقع أن السياسة الأميركية الناجحة في الشرق الأوسط كانت تشمل عادة مساراً روسياً جادا. ولكن يبدو أن المحادثات مع الروس جنحت بشأن مسألة الدعوة إلى عقد مؤتمر بين الأطراف المتحاربة للاتفاق على إجراء انتخابات. ولكن الانتخابات في الصراعات الطائفية تميل إلى التحول إلى مجرد تعداد للسكان، والواقع أن نظام الأسد وكل الأطراف الأخرى تدرك تمام الإدراك أن سوريا دولة ذات أغلبية سُنّية. ولا توجد ضرورة لعقد انتخابات للتوصل إلى هذه النتيجة.

ولكن الأمر غير المعروف هو ما إذا كانت هناك مجموعة من الترتيبات السياسية للمستقبل من الممكن أن يتفق عليها الأطراف. وهذا غير معروف لأن أحداً لم يحاول معرفته قط.

ومن ناحية أخرى، فإن إدارة أوباما لم تبذل أي جهد لشرح ما تقوم به ولماذا، بل إنها انخرطت بدلاً من ذلك في الإعراب عن الضيق والأسى علناً حول التعقيدات التي تنطوي عليها المشكلة. ولكن بناء النصب التذكارية للمشاكل الصعبة ليس سياسة. وكما كتب تشرشل ذات يوم عن موانئ "التوت" (خطته البارعة في إقامة أرصفة عائمة سابقة التجهيز بعد يوم واحد من إنزال نورماندي)، "فإن الصعوبات سوف تتحدث عن نفسها".

وقد يبدو تفسير أوباما لسياسته في التعامل مع سوريا أشبه بشيء كهذا: "إن سوريا مشكلة صعبة، وقد تهدد المصالح الأميركية في المنطقة إذا تركت بلا حل. ولا يستطيع أي طرف أن يتغلب على الآخر ويحقق فوزاً صريحا، لذا فلابد من التوصل إلى تسوية تفاوضية بشأن الترتيبات السياسية التي ستعقب الصراع. وسوف تعمل الولايات المتحدة مع شركائها في المنطقة وعلى الصعيد الدولي لمساعدة السوريين على إيجاد الطريق إلى الأمام. وينبغي على السوريين أن يفهموا كيف قد تبدو بلادهم في المستقبل، حتى يتسنى لكل الأطراف أن ترى الحل الذي يمكن تأمينه من خلال المفاوضات وليس العنف".

المطالبة الأميركية بتنحي الأسد أو عزله من السلطة لم تكن مفيدة، بل إنها أدت إلى تهميش الولايات المتحدة أكثر من تهميش الأسد. فلا يجوز لنا أن نتوقع من أي شخص أن يشارك في مفاوضات تهدف إلى زواله سياسيا

ثم يتعين عليه أن يعلن عن تحرك ملموس لتحقيق هذا الهدف: "اليوم، أصدرت تعليماتي بتوجيه فرق من وزارة الخارجية بقيادة الوزير كيري لزيارة بعض العواصم الدولية الرئيسية، في أوروبا ودول الجامعة العربية وكذلك موسكو، في محاولة للتوصل إلى اتفاق على مجموعة من المبادئ التي يستطيع السوريون أن يجدوا حولها أرضية مشتركة".

وقد يكون المبدأ الأول أن سوريا لا بد أن تستمر في الوجود ضمن حدودها الحالية. وقد يقضي مبدأ آخر بأن تتحول سوريا إلى دولة فيدرالية، في ظل حكم ذاتي محلي واسع الصلاحيات. والمبدأ الثالث قد يتعلق بهيئة البرلمان المقبل، وهكذا.

وعندما يتم الاتفاق عليها فمن الممكن أن يتم الإعلان عنها باعتبارها خطة سلام دولية. وفقط عندما يرفضها طرف أو أكثر من أطراف الصراع تكون اللحظة قد حانت للتفكير في بذل جهود جادة لتسليح بعض المقاتلين.

في نهاية المطاف، سوف يعتمد الحل في سوريا على اتفاق السوريين على الترتيبات السياسية المستقبلية. ولكن المطالبة الأميركية بتنحي الأسد أو عزله من السلطة لم تكن مفيدة، بل إنها أدت إلى تهميش الولايات المتحدة أكثر من تهميش الأسد. فلا يجوز لنا أن نتوقع من أي شخص أن يشارك في مفاوضات تهدف إلى زواله سياسيا.

ولكن كل هذا أصبح من الماضي. فالآن هناك أولئك الذين يقولون إن الأزمة السورية كان يمكن معالجتها قبل عامين، الآن يقولون فات الأوان. وبعد عامين من الآن سوف يقول البعض الشيء نفسه. ولكن إذا تمكنت الولايات المتحدة من العمل مع الشركاء من أجل وضع تفاصيل خطة سياسية للمستقبل، فلعلها بذلك تكون قادرة على إنقاذ سوريا، ناهيك عن إنقاذ نفسها.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك