نادية سعد الدين

نادية سعد الدين

باحثة وأكاديمية

"السلام الاقتصادي" الإسرائيلي
خطة كيري الاقتصادية
وقائع مضادة

استل وزير الخارجية الأميركي جون كيري من المفهوم الإسرائيلي للسلام خطة اقتصادية أمنية خالية من أي أفق سياسي محدد، ولكنه يراهن بمضمون عروضها السخيّة على جعلها معولاً لانتشال العملية السلمية من كبوتها الراهنة، وحافزاً ضاغطاً على القيادة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة.

وبرغم أن الدبلوماسي الأميركي قد أفصح عن أبرز ملامح خطته خلال جولاته المكوكية التي تنقل فيها طيلة الأشهر الأربعة الماضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وجوبهت، حينها، بتحفظ فلسطيني وتعنت أطراف من الحكومة الإسرائيلية، إلا أنه أعلنها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي عقد في 25 مايو/أيار الماضي في البحر الميت، بوصفها إحدى ثلاث مسارات ستشق، إلى جانب الأمني والسياسي، انفراجة "جدية وملموسة".

غير أن كيري أراد، بخطته تلك، التغطية على فشله في إحداث اختراق سياسي لإحياء العملية السلمية، أمام "اللاءات" الإسرائيلية لإقامة الدولة الفلسطينية المتصلة على حدود العام 1967 ووقف الاستيطان وتقسيم القدس، مقابل إبقاء السيطرة على منطقة الأغوار والاشتراط بالاعتراف الفلسطيني "بيهودية الدولة".

وإزاء ذلك، استبدل كيري مساراً سياسياً تفاوضياً بإجراءات اقتصادية "جزئية" لتحسين الوضع الاقتصادي في الأراضي المحتلة، مما يجعلها، في حدود نظرته الأميركية، حافزاً تشجيعياً للقيادة الفلسطينية على العودة إلى طاولة التفاوض بدون شرطي المرجعية ووقف الاستيطان، متجاوزاً عن الوقائع القائمة على الأرض والتي ستصطدم بتنفيذها عملياً.

"السلام الاقتصادي" الإسرائيلي
تستوحي خطة كيري الاقتصادية عنوانها العريض من مكامن الرؤية الإسرائيلية للسلام، ومن مسعاها الحالي للدخول في المفاوضات عبر بوابة الاقتصاد.

يسعى الاحتلال بالسلام الاقتصادي، البديل عن رفضه الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وحق العودة وتقسيم القدس وإزالة المستوطنات، للالتفاف على عجزه عن امتلاك رؤية أو حل للصراع العربي الصهيوني

وإذا كان المفهوم، الذي عبّر عنه صراحة كل من الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمنظورين مختلفين، يستهدف في ظاهره الأشمل السيطرة الإسرائيلية الاقتصادية على الوطن العربي والتحكم بمفاتيحه الأساسية وبموقع "الدولة المركزية" فيه، ولكنه ينمّ، أيضاً، عن إشكاليات متداخلة تعتري الكيان الإسرائيلي ذات امتدادات سابقة، إلا أنها برزت بحدّة على وقع الثورات العربية.

يسعى الاحتلال بالسلام الاقتصادي البديل عن رفضه للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وحق العودة وتقسيم القدس وإزالة المستوطنات، للالتفاف على عجزه عن امتلاك رؤية أو حل للصراع العربي الصهيوني، والتخفي بأهدافه العنصرية وراء الواجهة الاقتصادية، وتسييج جدار مضادّ حول خطوط حدوده المطاطية المرنة، بما يعدّ أمراً منطقياً بالنسبة إلى كيان غريب لم تسهم معاهدتا السلام التي وقعها مع مصر (1979) والأردن (1994) أو اتفاق أوسلو مع الجانب الفلسطيني (1993) في توطيد ركائزه وجعله كياناً طبيعياً مقبولاً لدى الشعوب العربية بسبب سياسته العدوانية العنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني.

وقد ارتبطت مسوغات الاحتلال للأخذ بناصية هذا المفهوم بمصير المشروع الصهيوني نفسه، الذي خضع لوقفة فكرية بحثية في سنوات سابقة، ولكنها تجددت مؤخراً عبر مراكز صنع القرار الإسرائيلي في ظل المتغيرات الجارية في المنطقة، وأمام انتقادات داخلية متنامية لسياسة الاحتلال "الخارجية المتطرفة" و"تصديه للسلام" و"لتناقضاته وأزماته الداخلية وفساده المستشري"، وإزاء معطيات ديمغرافية رقمية ترجح كفة الوزن السكاني الفلسطيني على اليهودي، بما قد يؤدي، بحسبها، "بالفلسطينيين إلى التخلي عن فكرة الدولة المستقلة وتبني فكرة دولة واحدة ثنائية القومية تضمن لهم الأكثرية"، بحسب الكاتب الإسرائيلي موشيه آرنس (هآرتس 14/5/2013).

وقد نشط الحراك النقدي الداخلي مع ما يعرف بمعسكر السلام الإسرائيلي، الذي يلعب دوراً ثانوياً في المشهد السياسي، ولكنه حضر بقوة في إطار تيار ما يعرف "ما بعد الصهيونية" أو "المؤرخون الجدد"، الذي تعود تسميته إلى مطلع العقد المنصرم تقريباً، وينشط بحثاً في الفترة التي سبقت قيام "دولة إسرائيل" عام 1948 وما بعدها، مركزاً على دور الصهيونية في خلق مأساة اللاجئين الفلسطينيين والمذابح التي اقترفتها بحقهم، ومطالباً بمراجعة نقدية لمسار الحركة الصهيونية وللقيادة الإسرائيلية.

وبرغم أنه ما يزال بعيداً عن التأثير السياسي المباشر، غير أن هذا التيار أثار قضايا في غاية الحساسية ذات إسقاطات بعيدة المدى على العلاقات الفلسطينية العربية الإسرائيلية في الحاضر والمستقبل، وعلى الداخل الإسرائيلي، كما شكل جزءاً من التساؤلات التي أثيرت مؤخراً حول مصير الصراع العربي الصهيوني وغياب رؤية إسرائيلية واضحة للسلام، وحول مغزى استمرار الصهيونية بعد قيام الدولة.

كما أنه عبّر عن مأزق المشروع الصهيوني في صعوبة تغييب وجود الشعب الفلسطيني وإنهاء الصراع العربي الصهيوني والتسليم الكامل بحق اليهود في أرض فلسطين وإكساب مشروعية الوجود إقليمياً بفعل المقاومة، فضلاً عن إشكاليات متداخلة تخص فشل تحديد ماهية "الدولة اليهودية" وتعريف من هو اليهودي، وتآكل المنظومة المجتمعية للكيان الإسرائيلي بعد فشل مصطلح "بوتقة الصهر" في كينونة موحدة القومية بعيداً عن الهويات المتعددة التي جاء بها اليهود من مختلف بلدان العالم، وزيادة عدد النازحين خارجه بسبب عدم اليقين من المستقبل، وانهيار نظرية الإجماع الوطني، والعزوف عن الحياة العسكرية، وتحوله إلى عبء على الإستراتيجية الأميركية.

إلا أن استمرارية الكيان الإسرائيلي، حتى الآن، رغم مأزقه الوجودي القائم على أسس غير موضوعية جوهراً وأسلوباً، مرتبطة بديناميكيته وتكيفه، شأنه في ذلك شأن الأيديولوجيات التي تتغذى على التعصب المتطرف وتنمو في ظل العدوان العسكري، وبالدعم الأميركي الغربي غير المشروط والضعف العربي الإسلامي.

شهد الداخل الإسرائيلي خطابين مختلفين "للعمل" و"الليكود" عن مفهوم "السلام الاقتصادي" حيث يتمثل أحدهما في تنامي عملية تهويد الدولة, والثاني الانفتاح النسبي عن طريق عولمة الدولة وقيامها بأدوار اقتصادية وثقافية

وقد ترجم الداخل الإسرائيلي مأزقه المتفاعل في مزيد من التطرف والعنصرية تجاه الفلسطيني العربي، والتشبث باشتراط الاعتراف الفلسطيني "بيهودية الدولة" بما يحمل من محاذير منحها الشرعية التاريخية الدينية، وحرمان الفلسطينيين المواطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 من حقهم في وطنهم وشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجرّوا منها بفعل العدوان الإسرائيلي عام 1948، مقابل سعي اليمين الديني في تحكيم علاقته مع الغرب إلى ما يحفظ للكيان ألإسرائيلي وجوده بجوهر يهودي وشكل حضاري ديمقراطي غربي يحيط به سياج حديدي يجعل منه مجتمع "الأبارتهايد" عن طريق الفصل الديمغرافي عن الفلسطينيين.

وامتزج ذلك مع تمسك الاحتلال بأهداب الاقتصاد مدخلاً لما يهدف وسبيلاً لتأكيد رغبته، المزعومة، بالسلام أمام المجتمع الدولي. وقد شهد الداخل الإسرائيلي خطابين "للعمل" و"الليكود" عن مفهوم "السلام الاقتصادي"، يختلفان في الشكل دون الجوهر، حيث يتمثل أحدهما في تنامي عملية تهويد الدولة والتأكيد على البعد اليهودي للدولة، بهدف لململة عوامل التفتت والانقسام في الداخل الإسرائيلي لتصنع منها وفاقاً يتمثل في عقد اجتماعي بين الصهيونية الدينية والعلمانية، فيما تتسم الأطروحة الثانية بالانفتاح النسبي عن طريق عولمة الدولة وقيامها بأدوار اقتصادية وثقافية تتوافق مع التوجهات العالمية الجديدة.

وعلى الرغم من محاولة الأطروحتين التوافق والانسجام، إلا أنهما تعبّران عن غياب الرؤية الواضحة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وعن حقيقة التجاذب المطروح في الداخل بين الراغبين في التأكيد على الهوية اليهودية الصهيونية بمعناها الاستبعادي السلبي للآخر العربي، والطامحين إلى تحقيق تفاعل إيجابي مع الآخر من خلال مركزية دور الكيان الإسرائيلي الاقتصادي في محيطه الإقليمي، يعبّر عنهما جلياً كل من بيريز في مشروعه الشرق أوسطي وسلام السوق القائم على مقايضة "الأرض مقابل السلام"، مقابل فكر نتنياهو صاحب سلام الردع والسلام الاقتصادي ومقايضة "السلام بالسلام" واستثارة الرأي العام الغربي ضد المقاومة باعتبارها إحدى صور ما يسميه "الإرهاب".

خطة كيري الاقتصادية
تندرج خطة كيري الاقتصادية في إطار ما يسمى "بناء الثقة" من أجل تهيئة الأجواء المواتية لعودة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى التفاوض، وذلك عبر إزالة بعض الحواجز العسكرية وتسهيل حركة التنقل وتوسيع نطاق سيطرة السلطة، لا سيما في المناطق المصنفة "ج" (وفق اتفاق أوسلو 1993)، وتطوير بنيتها التحتية وتخفيف بعض القيود المفروضة على البناء، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال المعتقلين قبل أوسلو.

وتتضمن الخطة ضخ أربعة مليارات دولار من الاستثمارات في الأراضي المحتلة من شأنها أن "تزيد الناتج المحلي الفلسطيني بنسبة 50% خلال ثلاث سنوات وتخفض نسبة البطالة بنسبة الثلثين وتزيد متوسط الرواتب بنسبة 40% أيضاً، مع السماح للسلطة باستغلال الفوسفات من البحر الميت وإعطائها حق تطوير حقول الغاز قبالة شواطئ غزة".

وقد اعتبرت القيادة الفلسطينية أن "التسهيلات الاقتصادية" ليست موضع الاهتمام الرئيسي الرسمي والشعبي وإنما المطلوب إيجاد السبل أمام عملية سياسية جدية وفق أسس واضحة من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، بينما انتقدت القوى والفصائل الفلسطينية هذا "المخرج اليتيم" لجولات كيري المتوالية للمنطقة، وعدتّها محاولة أميركية إسرائيلية للالتفاف على معالجة القضية الجوهرية الأساس ببدء عملية سياسية جدية تكفل حل الدولتين ووقف الاستيطان والإفراج عن الأسرى.

وفيما أعلنت أطراف في الحكومة الإسرائيلية تحفظها على بعض بنود الخطة، أكدت أنها "لن تكون مرتبطة بالتقدم السياسي بين الجانبين" (هآرتس 28/5/2013).

وقائع مضادة
تتناقض الوقائع القائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة مع خطة كيري الاقتصادية، فقد أحكم الاحتلال سيطرته على المناطق المسماة "ج" من مساحة الضفة الغربية، رغم أن الإمكانيات الاستثمارية موجودة فيها وأيضا المياه والزراعة والصناعة وغيرها، في حين أبقى السلطة محاصرة في منطقة "أ" وهي مساحة المدن والقرى والمخيمات، بحيث بات الاحتلال يستخدم فلسطين "كحديقة خلفية" له يوظفها متى شاء وكيفما أراد، بما يخدم مصالحه الاقتصادية والأمنية معاً.

ومضت سلطات الاحتلال في نهب الموارد الطبيعية الفلسطينية، والتحكم بمفاتيح الاقتصاد والهيمنة على قطاعه، والتحكم في المعابر والحدود والتجارة الخارجية، وحرية الحركة والتنقل وشل الحياة في الضفة الغربية بالجدار العنصري والطرق الالتفافية والمستوطنات المترامية ومحاصرة قطاع غزة وعزل مدينة القدس وحرمان السلطة من عائداتها السياحية وضرب حركتها التجارية.
 
أفضت سياسة الاستيطان والاستلاب الإسرائيلية، المتواصلة منذ العام 1967، إلى قضمّ زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، مبقية أقل من 20% للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية
فيما أفضت سياسة الاستيطان والاستلاب الإسرائيلية، المتواصلة منذ العام 1967، إلى قضمّ زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، مبقية أقل من 20% للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية. وتمتد "البقعة" المتبقية من يدّ الاحتلال ضمن ثمانية "كانتونات" غير متصلة جغرافياً، لتشكل، مع مساحة قطاع غزة، قوام الدولة الفلسطينية المنشودة، الذي لا يخرج، بالنسبة إلى الرؤية الإسرائيلية، عن إطار الحكم الذاتي المعني بالشؤون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولين للاحتلال.

وتذهب المساحة الأكبر من الاقتطاعات لصالح التوسع الاستيطاني، الذي أنتج أكثر من نصف مليون مستعمرة ضمن 180 مستوطنة، فضلاً عن الطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري وما يسمى "بأملاك الدولة".

إذا كان كيري يرّوج، بخطته، لمفهوم "السلام الاقتصادي" الإسرائيلي القائم على السيطرة وتصفية القضية الفلسطينية، ويستهدف الضغط على القيادة الفلسطينية، تحت عنوان المحفزات السخيّة، لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، غداة فشله في الضغط على الاحتلال لوقف الاستيطان والالتزام بمرجعية حدود العام 1967، فإن الجانب الفلسطيني مدعو للتمسك بثوابت ما وضعه بداية من شروط لعودة التفاوض وعدم التنازل عنها، كما أنه مدعو، أيضاً، وقبل ذلك كله، للمضي في تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام وترتيب البيت الداخلي، بما من شأنه أن يشكل صمام أمان مضادّ للعدوان الإسرائيلي وللضغوط الخارجية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك