نكتب اليوم في عشية إحدى المليونيات التي دعت لها رابعة العدوية -ورابعة هنا ترمز إلى كامل التحالف المدني الرافض للانقلاب في كل محافظات مصر- وهي تنطلق وسط حصيلة كبيرة وثائرة وجدانياً ووطنياً وإنسانياً بعد مذبحة المنصة التي استخدم فيها جزء من سيناريو الحرس الجمهوري، ولكن أُضيفت إليه عمليات عنف وحشية مباشرة من قناصة الداخلية انتهت إلى هذا العدد الكبير من الضحايا الذين لا يزال بعض جرحاهم يموتون تباعا في المشافي أمام أعين أهليهم من رصاص الداخلية المغطى بخطة الفريق السيسي الأمنية.

ورغم فداحة المشهد وكارثية التوغل في المذابح، واستمرار ضخ الإعلام المساند للانقلاب وشرعنته قتل معارضيه، وخروج الخطاب المصري المساند للفريق عبد الفتاح السيسي عن كل سقف وحدوي أو إنساني, فإن موقف المشروع الانقلابي بشقيه العنيف الدامي من العسكر والشرطة، والتكفير المدني الشرس الذي تمثله حركة تمرد وكتلتان علمانية وقبطية متطرفتان ضد إنسانية أهل مصر من رافضي الانقلاب، تعطي دلالة على تورط أكبر للفريق السيسي والمتحالفين معه.

ورغم روح التضحية التي تسكن ميدان رابعة العدوية، وما يتحلى به عناصرها الثائرة من فداء يجعل من الصعب على الخصوم إفشال حراكهم، فإن ذلك لا يعني أبداً تراجع الفريق السيسي وتحالفه الأمني وتيار التكفير المدني عن عزيمة التقدم نحو تحويل القاهرة إلى ساحة تياننمين في بكين, خاصة أن الدفع الإقليمي العربي الإسرائيلي قوي جداً نحو هذا المشهد.

الانعطاف السياسي للثورة الميدانية لرابعة حين يؤسس على إعادة تشكيل الفكر السياسي وحراكه وتجديد قياداته وفرز الدعوي عن الحقوقي والسياسي عبر تلك الطلائع الشبابية، ومع الحلفاء السياسيين, فإن قدرات القمع ستفشل حتى مع الدعم الخليجي الإسرائيلي

ولا يزال الضخ المالي والإعلامي يتواصل بغية تنفيذه في أسرع وقت, خشية تصدع الكتلة الشعبية المساندة لمشروع الفريق السيسي، والتي سيؤثر عليها رؤية ضحايا المجازر المروعة ونحيب أهالي الشباب والنساء السلميين الذين حصدتهم خطوات المشروع الانقلابي حتى الآن.

ولذلك يستمر الدفع الإقليمي العربي الإسرائيلي نحو الحسم الدموي الشامل مهما بلغ ضحاياه، حتى لا تتراجع فرص تثبيت المشروع السياسي للفريق السيسي مع نظام الرئيس محمد حسني مبارك بعد انتهاء التصفية الدموية المركزية لرابعة.

هذا التحالف الاندماجي بين مشروع الفريق السيسي ونظام الرئيس مبارك أضحى بالفعل قائداً ميدانيا أمنيا وسياسيا وإعلاميا للحكم التنفيذي في مصر, ولم يكن ربط وزير الداخلية لحركة 30 يونيو/حزيران بالمشروع الأمني لنظام الرئيس مبارك قبل الإطاحة به قراراً منفردا، بل هو ضمن كامل الآليات التي يقوم عليها المشروع الأمني المسلح ضد المعتصمين وجهاز القضاء والإعلام الداعم له.

ويعني ذلك بروزا للجسم الرئيسي لحلفاء الفريق السيسي، وهو فريق الرئيس مبارك والحزب الوطني بذات حلفائه في المعارضة العلمانية القديمة التي كانت تختلف معه كضجيج ثقافي دون نضال سياسي فأضحت هي قاعدة التغيير التنفيذي في مشروع الفريق السيسي.

ووجود تململ في أوساط بعض تشكيلات 30 يونيو لا يُغير من قدرة هذا الفريق الرئيسي، وهو ما بدا في إحباط بعض شباب حركة تمرد الذين أدركوا الدور الهامشي لهم في الفعل التنفيذي والمشروع الإستراتيجي بعدما استخدموا كصوت ملاعنة عنيف ضد معارضي الانقلاب.

وهنا قضية مهمة تتعلق بتسريب قناة أون.تي.في لفيديو اجتماع القوى العلمانية وحديث القاضية السابقة في المحكمة الدستورية العليا تهاني الجبالي وقيادات علمانية عن ضرورة رفض أي معيار ديمقراطي، والعزم على خطة تطهير مصر من أي توجه إسلامي بما فيه حزب النور السلفي الشريك في الصفقة.

وليس ذلك إلا دليلاً أكثر تميزاً، لكون الحديث ابتداءً كان بنيّة عدم البث، وإلا فمجمل موقف القوى العلمانية في مصر كانت تعلن تكراراً الردة المدنية عن قواعد الحريات والديمقراطية.

وتلتقي هذه القوى تماما مع جناح فاعل في حركة تمرد لا تستطيع بعض العناصر الأخرى في الحركة الصمود أمامه -بعدما استشعرت ملامة إنسانية جراء المذابح- ولو فعلت سيتم تهميشها وتهشيمها إن لزم الأمر من داخل تمرد ذاتها.

هنا يتشكل مفصل تاريخي سياسي في مصر، فقوى 30 يونيو -بغض النظر عن النوايا- تتصل بقوى نظام الرئيس مبارك، وتندمج معه كليا أو نسبيا، فكريا أو براغماتيا، والحصيلة على الأرض واحدة.

في المقابل، تتحول رابعة العدوية كقيادة ثورية مدنية إلى مشروع الفداء الصعب لصمود ثورة 25 يناير. صحيح أن صلب التمثيل المدني من المنتمين للتيار الإسلامي، لكن ينضم إليهم جسم ضخم من عامة الشعب المصري، ومن طبقته الوسطى والمسحوقة خاصة.

لم يكن ربط وزير الداخلية لحركة 30 يونيو بالمشروع الأمني لنظام مبارك قبل الإطاحة به قراراً منفردا، بل هو ضمن كامل الآليات التي يقوم عليها المشروع الأمني المسلح ضد المعتصمين وجهاز القضاء والإعلام الداعم له

أما البرجوازية المصرية الحليفة لنظام الرئيس مبارك فتقف مع الفريق السيسي من خلال ذات الأدوات السابقة قبل 25 يناير, وإن شاركها بعض خصوم الإخوان أو بعض الرافضين لسياسات الرئيس مرسي كقناعة سياسية، لكن الكتلة الكبرى الصلبة هي من هذه الترويكا التي دفع بها نظام مبارك والأنبا تواضروس وباركها شيخ الأزهر أحمد الطيب فاستخدم "كبروتوكول" تابع لا كشريك في الصفقة.

المهم أن حصيلة المشهد قدمت رابعة العدوية كقيادة لثورة 25 يناير الآن كاستحقاق ثوري وسياسي مدني وفدائي سلمي, في مقابل الحملة الأمنية المسلحة والإعلامية العنيفة ضد مشروع استعادة الحكم المدني ورفض هيمنة العسكر على الحياة السياسية.

وهذه المسؤولية لرابعة العدوية دقيقة وخطيرة في تقييم قرارتها القادمة التاريخية، وكيف تتعامل مع هذا الفصل الحسّاس الذي تخشى تكاليفه على الشعب المصري.

إن فشل الانقلاب حتى الآن في تصفية الرفض المدني دمويا ارتد على تعقيد مهمته، وواضح أن هناك توترا في أداء أطرافه, لكن ذلك لن يغير توجهه المركزي بالضرورة, وكل الأحاديث الغربية هي فقط -وكما بيّنا في دراسات سابقة- تخشى انفلات الزمام من الفريق السيسي، لذلك هي لا تتبنى اندفاع تل أبيب ومحور الخليج نحو الحرب الدموية الشاملة على الرفض المدني، لكن ستقبل بنتيجته.

ومما لا شك فيه أن هناك زخما معنويا ضخما بات يحيط بالمسرح الجغرافي لتحركات رابعة العدوية, يحمله تدفق فدائي متزايد من الشباب المصري بعدما شهدوا مذابح المنصة ووثقت شهادات وأفلام وكتابات مذبحة الجمهوري.

ويعني ذلك أن التحالف الوطني في القيادة السياسية لرابعة العدوية تحت ضغط شديد للقبول بمخرج سياسي, ولكن مع غياب أي خطوة تصحيحية من قيادات عسكرية تصحح مسار الجيش، وتعزل السيسي، ومع مضي كتلتين علمانية وقبطية متطرفتين في الدفع الإعلامي المجنون لمباركة حرب الإبادة على رابعة العدوية، ومع الدعم الإسرائيلي الذي واصل الفريق السيسي استجداءه بافتعال أزمة مع حماس والشعبين الفلسطيني والسوري، ومع المال الخليجي المجنون الذي يضخ بقوة لتسريع وتيرة الحرب، فإن مساحة الحراك الثوري ستتخذ مساراً محددا.

وهو ما يتضح من المشهد الميداني حيث تتوسع فعاليات ومسيرات الرفض الشعبي السلمية، وتتجنب الالتحام بمقرات الجيش، مع شجاعة مذهلة في الوصول إلى كل موقع، والصمود أمام قناصة الشرطة ومجموعات البلطجية والبلاك بلوك التابعة للداخلية.

وبالمقابل تستمر الفعاليات السياسية والتغطية الحقوقية والتضامن الشعبي الاجتماعي في ربوع مصر, وهي سياسة فعّالة تكتسب مع الوقت زخما يعيد مفاهيم ثورة يناير إلى منصة رابعة, لكن من الخطورة بمكان فتح التوقيت والجدول الزمني دون ترقب محطة انعطاف سياسي تتخذها رابعة ليس لأي مخرج يعرض، لكن لمخرج مقبول وفقا لتوازنات المشهد وإمكانية عودة المشروع السياسي لثورة يناير بعد دروس التجربة.

قوى 30 يونيو -بغض النظر عن النوايا- تتصل بنظام مبارك، وتندمج معه كليا أو نسبيا، فكريا أو براغماتيا، في حين تتحول رابعة العدوية إلى قيادة ثورية مدنية لمشروع الفداء الصعب لثورة 25 يناير

إن مبادرة الشخصيات الفكرية والقانونية تعتبر أساسا مهما لهذا الانعطاف السياسي الذي يحصد نتائج الفداء الثوري الذي يقدم اليوم قصص تضحيات أكبر مما جرى في ثورة 25 يناير وفي ذات أهدافها كدلالة على التحام المسار بين رابعة وبين ثورة يناير.

إن تقدير الموقف وتقييم الحدث السياسي وقراءة حجم الخسائر المتوقعة في ظل هذه الترويكا الحاقدة على إنسان مصر المنتمي إلى العروبة كأرومة وإلى الرسالة الإسلامية, ضرورة مهمة لقيادة رابعة.

وهي كذلك تحتاج إلى أن تنظر بتفاؤل موضوعي حذر بعد أن حققت ثورتها مخزونا يُبنى عليه مشروع سياسي كفاحي وقوده هذه الآلاف من الوثائق والشهادات التي تُثبت كم قدّم المشروع المدني ضد الانقلاب من تضحيات لإنسان مصر بكل توجهاته.

ورغم أن البأس الأمني مرصود وقائم، والتعقب القضائي المنحاز سيستمر, فإن الانعطاف السياسي لثورة رابعة الميدانية حين يؤسس على إعادة تشكيل الفكر السياسي وحراكه وتجديد قياداته وفرز الدعوي عن الحقوقي والسياسي عبر هذه الطلائع الشبابية مع حلفاء سياسيين, فإن قدرات القمع ستفشل حتى مع الدعم الخليجي الإسرائيلي, بعد أن تنعطف ثورة رابعة للكفاح السياسي والمعارضة خارج خارطة السيسي ونظام مبارك.

وستكون قادرة على تحقيق إنجاز سياسي بتدرج فاعل يعالج تركة مبارك وواقع السيسي عبر جهد مدني يبذله شبابها, حينها ستنجح رابعة التي ستبقى منصة يمكن أن يعاد إليها، بعيداً عن القناص الإرهابي الذي سيظل في مواجهة مع صور دماء الشهداء من يناير/كانون الثاني وحتى يوليو/تموز، وصلوات المتهجدين والأيامى والأمهات الثكالى الذين فجعهم, حتى يأتي زمن يساقُ فيه إلى العدالة الثورية وقد أُنجز في مصر استقلال الدولة المدنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك