خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

- في معنى التغيير
- التغيير وعملية السلام
- ما بعد التغيير

على وقع عملية السلام الكردي التركي، عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره التاسع في جبال قنديل بإقليم كردستان العراق بعد 14 عاما من انتخاب منظومة المجتمع الكردستاني القيادي البارز مراد قره يلان رئيسا لها.

وعليه يمكن القول إن التغيير الذي طال قيادة الحزب خلال المؤتمر شكل منعطفا جديدا في إستراتيجية الحزب، سواء على مستوى انتخاب قيادة جديدة بالكامل، أو على مستوى السياسة التي ينبغي اتباعها في المرحلة المقبلة حيث استحقاقات عملية السلام.

والثابت أن كل ما جرى جاء وفق ما أراده أوجلان في إطار تطلعه إلى تهيئة الحزب لمرحلة السلام الكردي التركي الذي يقوده أوجلان شخصيا من الجانب الكردي، بينما يقوده من الجانب التركي رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عبر رئيس الاستخبارات العامة حقي فيدان الذي اجتمع بأوجلان مرارا داخل سجن إيمرالي.

في معنى التغيير
تتميز منظومة المجتمع الكردستاني بتركيبة معقدة جدا مقارنة بالأحزاب الكردية في باقي أجزاء كردستان، فالمنظومة عمليا تتألف من أربعة أحزاب كبرى تضم في إطارها عشرات المنظمات الشبابية والطلابية والنسائية والاجتماعية واللجان الخدمية والأمنية.

 التغيير الذي طال قيادة الحزب خلال المؤتمر شكل منعطفا جديدا في إستراتيجية الحزب، سواء على مستوى انتخاب قيادة جديدة بالكامل أو على مستوى السياسة التي ينبغي اتباعها في المرحلة المقبلة حيث استحقاقات عملية السلام

وهذه الأحزاب هي: حزب العمال الكردستاني في تركيا، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، وحزب الحل الديمقراطي في العراق، وحزب الحياة الحرة في إيران "بيجاك". ولكل حزب من هذه الأحزاب قيادته وتنظيمه الخاص، ولكنه في النهاية ينضوي في إطار منظومة المجتمع الكردستاني التي تقودها لجنة سداسية تشكلت عقب اعتقال أوجلان في العاصمة الكينية نيروبي عام 1999، حيث ترأس اللجنة منذ ذلك الوقت مراد قره يلان.

وعليه فإن التغيير الذي طال رئاسة اللجنة شكل في نظر بعض الأوساط الكردية والتركية انقلابا سياسيا على المرحلة السابقة، حيث تم انتخاب لجنة قيادية جديدة بالكامل مؤلفة من ستة أشخاص (ثلاثة رجال وثلاث نساء) برئاسة القيادي البارز والمقرب من أوجلان جميل بايق.

ورأى آخرون أن أوجلان الذي بقي رئيسا للحزب أراد من إعادة هيكلة القيادة الحزبية العليا وإيصال بايق إلى سدة رئاسة اللجنة السداسية، ضمانَ عدم حصول انقلاب عليه في ظل الحديث عن اعتراضات من الجناح العسكري للحزب على عملية السلام، وعلى سقف الحقوق المطروحة في عملية السلام الجارية، وعدم تجاوب الحكومة التركية مع خريطة السلام التي قدمها أوجلان، فضلا عن عدم قيام أنقرة حتى الآن بخطوات ملموسة ترضي صقور الحزب بعدما قام الأخير بخطوات فعلية تمثلت في إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في مارس/آذار الماضي، ومن ثم سحب مقاتليه من داخل تركيا إلى إقليم كردستان العراق، وسط جدل بشأن نسبة القوات التي انسحبت حتى الآن وكيفية الانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية السلام التي تبدو كقطار يسير في طريق محفوف بالمخاطر من قبل الجانبين.

لكن الثابت في مجمل ما جرى أن رسالة التغيير التي أرادها أوجلان وصلت إلى القيادة التركية، إذ فور انتهاء أعمال المؤتمر والإعلان عن لجنة قيادية جديدة للحزب، عقد أردوغان اجتماعا طارئا مع رئيس الاستخبارات العامة حقي فيدان ووزير الداخلية معمر غولار، ليخرج بعد ذلك بتصريح مقتضب مفاده عزم حكومته المضي في تحقيق السلام حتى النهاية مهما كانت الصعوبات، مع مطالبته بضرورة التحلي بالصبر، في إشارة إلى حجم التحديات التي تعترض هذه العملية.

التغيير وعملية السلام
من الواضح أن التغير الكبير الذي طال قيادة حزب العمال الكردستاني جاء تلبية لاحتياجات المرحلة المقبلة، ولاسيما عملية السلام وفي إطار استعدادات الحزب لها.

وقد سبق هذا التغير رسالة أخرى قوية من الحزب بخصوص عزمه إتمام العملية السياسية السلمية مع حكومة حزب العدالة والتنمية التركية إلى نهايتها المنشودة، إذ حرص على عدم التأييد العلني لما شهده ميدان تقسيم في إسطنبول من مظاهرات واحتجاجات وصلت إلى حد المطالبة باستقالة حكومة أردوغان.

هذا التغير رسالة أخرى قوية من الحزب بخصوص عزمه إتمام العملية السياسية السلمية مع حكومة حزب العدالة والتنمية إلى نهايتها المنشودة

وفي الواقع ومع أن التغير أظهر من جديد النفوذ القوي والكبير لأوجلان في دفع سفينة حزب العمال في الاتجاه الذي يريده، والتأثير في سياساته واستبدال لغة البندقية بلغة الحوار والانفتاح والاندماج في الحياة العامة التركية بدلا من الشقاق القومي والصدام العسكري، فإن مضمون رسالة التغيير بالنسبة للجانب التركي قد لا تبدو على هذا النحو، إذ إنه قد لا يجد فرقا كبيرا بين مراد قره يلان وجميل بايق، باعتبار أن الاثنين من مؤسسي الحزب ويمثلان نفس النهج والتجربة والقيادة المشتركة طوال المرحلة الماضية، بل كثيرا ما يشار إلى بايق على أنه أكثر تشددا من قره يلان، خاصة أنه كان على علاقة جيدة بكل من إيران وسوريا.

ولعل هذه الفرضية تضع التغير الذي جرى في إطار ثقة أوجلان ببايق نظرا للفترة الطويلة التي قضاها الرجلان معا في سوريا ولبنان، فضلا عن أن بايق هو الأكثر دبلوماسية وسياسة نظرا لدوره في ملف علاقات الحزب مع العديد من الدول ولوجوده خلال الفترات السابقة في عدد من الدول الأجنبية، بينها ألمانيا.

وبغض النظر عن أوجه الاختلاف بين قره يلان وبايق فإن توقيت التغيير حمل معه جملة من المؤشرات القوية، لعل أهمها:

1- قدرة الحزب على تجديد نفسه تنظيميا وسياسيا وفق مقتضيات المرحلة والمتغيرات الجارية.

2- النفوذ الكبير لأوجلان على الحزب حتى وهو داخل السجن، وهو نفوذ يمنحه القدرة على قيادة الحزب في الاتجاه الذي يريده سلما أو حربا، إذ لم يكن يتوقع أحد أن الحزب سيسحب مقاتليه لمجرد طلب أوجلان ذلك.

3- أن التغيير جاء تعبيرا عن إدراك الحزب للمتغيرات الجارية في المنطقة على وقع "ثورات الربيع العربي" وضرورة إعداد الحزب نفسه والجماهير المرتبطة به لهذه المتغيرات، على أمل فتح الباب أمام نضال سلمي ديمقراطي ينتهي بتحقيق الآمال الكردية في الحرية والهوية عبر الاعتراف الدستوري بالأكراد وحقوقهم.

4- أن التغيير كان رسالة للحكومة التركية مفادها استعداد الحزب للانتقال إلى مرحلة الحل السياسي عبر المضي في المزيد من الخطوات وزرع الثقة والتأسيس للشراكة السياسية، وهو ما يفرض على الجانب التركي القيام بخطوات ملموسة.

ما بعد التغيير
لعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى أي مدى سيساهم التغيير الجديد في دفع عملية السلام الكردي التركي إلى الأمام؟ والسؤال الآخر: هل التغيير الذي جرى هو مجرد تغيير تنظيمي قيادي إداري، أم أنه تغيير سيشمل السياسة كمفهوم وممارسة وشعارات ومطالب وإستراتيجية؟

في المقابل ماذا عن تداعيات هذا التغيير على الجانب التركي؟ وهل سيتبع الجانب التركي سياسة انتظار رؤية المزيد من الخطوات من الجانب الكردستاني، أم أنه سيبادر هو الآخر باتخاذ خطوات مماثلة تساهم في تحويل العملية السلمية إلى آليات ترى طريقها إلى البرلمان والحكومة والتنفيذ؟

دون شك، الأسئلة السابقة تطرح نفسها كتحديات مشتركة، وسط قناعة عميقة بدأت تترسخ لدى الجانبين بأن المتغيرات الجارية ودروس الصراع العسكري أدت إلى جملة من المسلمات، لعل أولها استحالة حل هذه القضية عسكريا، وثانيها أن الديمقراطية في تركيا تبقى ناقصة دون إيجاد حل مقبول للقضية الكردية.

مع ثورات وانتفاضات الربيع العربي تبدو القضية الكردية أكثر من ملحة لجهة إيجاد حل سلمي مقبول لها، لا لوقف مسيرة القتل والدم فحسب، وإنما لتحقيق رؤية تركيا المستقبل التي تتطلع إلى دور مركزي

واليوم ومع ثورات وانتفاضات الربيع العربي تبدو القضية الكردية أكثر من ملحة لجهة إيجاد حل سلمي مقبول لها، لا لوقف مسيرة القتل والدم فحسب، وإنما لتحقيق رؤية تركيا المستقبل التي تتطلع إلى دور مركزي في الشرق الأوسط، عبر بناء دولة مستقرة ناهضة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بما يحقق لها المزيد من عناصر القوة الناعمة، تمكنها من نزع القضية الكردية كورقة في الخاصرة التركية من جهة، ومن جهة ثانية تحول تركيا إلى قوة مؤثرة في هذه القضية حتى في دول الجوار التي فيها قضايا كردية، أي العراق وإيران وسوريا.

ولعل هذه الأسباب مجتمعة تشكل دافعا قويا لحكومة حزب العدالة والتنمية كي تضع الحل السلمي للقضية الكردية على سلم أولوياتها، وتدرجها في الدستور الجديد الذي يعد له في البرلمان.

فالثابت أن نوايا الحل لم تعد تكفي، وأن المطلوب هو القيام بخطوات عملية مدروسة ومتتالية تحقق الثقة المتبادلة، وتجدد الآليات، وتزيل العقبات أمام العملية السلمية.

وفي المحصلة فإن التغيير في قيادة الكردستاني لم يكن مجرد إعادة هيكلة حزبية، بل كان تعبيرا عن الانتقال إلى مرحلة جديدة يستعد فيها الحزب لاستحقاقات عملية السلام وفقا للمراحل التي تم الاتفاق عليها مع الجانب التركي، بقدر ما يستعد لتعبئة الشارع الكردي والرأي العام في تركيا للقيام بحملة واسعة من الاحتجاجات لإرغام حكومة حزب العدالة والتنمية على القيام بخطوات ملموسة نحو تحقيق السلام، دون أن يلغي ذلك فرضية العودة إلى المربع الأول إذا فشل هذا المسار في تحقيق أهدافه.

المصدر : الجزيرة

التعليقات