ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

منذ شهور لم تعد قليلة، والنظام يحرز بعض التقدم في عدد من المناطق، بدءا بتلك التي تؤمِّن مسارات الدويلة العلوية (وعموم مناطق العلويين) كخيار أخير يمكن أن يلجأ إليه، وليس انتهاءً بالعاصمة التي تراجع وضع الثوار فيها نسبيا بسبب تركيز النظام عليها، في مسعًى منه لإلغاء اقتراب معركة الحسم فيها من أذهان الثورة وداعميها.

لا ينفي ذلك بالطبع حدوث بعض التقدم للثوار في مناطق مثل حلب وسواها، لكن المسار العام للمعركة لا يبدو في صالح الثوار في المجمل، مع التأكيد على أن قدرة النظام على استعادة ما يقرب من ثلثي مساحة البلاد التي يسيطر عليها الثوار ليست واردة؛ لا في المدى القريب ولا المتوسط، هذا إن كانت واردة أصلا، ولا تبدو كذلك.

وفي حين جرى بث الوهم بأن هناك قرارا قد اتخذ في الأوساط الدولية (الغربية) يقضي بضرورة تعديل ميزان القوى على الأرض من أجل تمهيد الأجواء لانعقاد مؤتمر جنيف2 لإيجاد حل للمعضلة السورية، فقد تم التراجع عمليا عن ذلك، وبدا واضحا أن الجميع قد استسلموا بقناعة ورضا أو بقرار أو غير ذلك لحقيقة استمرار النزاع إلى أمد لا يُعرف مداه، وها هي المصادر المقربة من الحكومة البريطانية تتحدث عن رفض تزويد الثوار بأية أسلحة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تضيف إليه حديثا عن إمكانية بقاء بشار الأسد في الحكم لسنوات، مع القول بأن مؤتمر جنيف لن يعقد هذا العام؛ هذا إذا كان سيعقد أصلا بحسب نفس التسريب.

والحال أن الموقف البريطاني لا يعدو تقليديا أن يكون صدًى للموقف الأميركي في سائر القضايا الحساسة، فيما يعلم جميع المعنيين أن المواقف الأميركية من الملف الشرق أوسطي لا تعدو أن تكون صدًى للإرادة الإسرائيلية التي ترى في استمرار المعركة وطول أمدها فرصة تاريخية لإخراج سوريا من معادلة الصراع بعد تدميرها وإشغالها بنفسها لعقود، فضلا عن استنزاف قوًى أخرى مزعجة مثل إيران وحزب الله وتركيا، مع ضرب الربيع العربي وخلق فتنة سنية شيعية.

المسار العام للمعركة لا يبدو في صالح الثوار في المجمل، مع التأكيد على أن قدرة النظام على استعادة ما يقرب من ثلثي مساحة البلاد التي يسيطر عليها الثوار ليست واردة

وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن أميركا أيضا لا ترى بأسا في ذلك كله لأنه يشمل استنزاف روسيا أيضا، فإن الاتفاق الضمني على إطالة الاستنزاف صار حقيقة، بدليل الموقف الأميركي الرافض لتزويد الثوار بأية أسلحة والضاغط على الدوام لمنع تزويدهم بسلاح نوعي يعزز قدرتهم على حسم المعركة، أو حتى تعديل ميزان القوى بشكل ملحوظ.

في هذا السياق تُطرح قضية الجهاديين، والخوف من وقوع الأسلحة النوعية بأيديهم كمبرر لمنع التسليح، لكن واقع الحال هو أن ذلك لا يعدو أن يكون ذريعة تقدم للشعوب لتبرير موقف غير أخلاقي، لأن الكل يعلم أن انتصار الثورة لن يعني سيطرة فئة بعينها على البلد، حتى لو مرَّ بفترة من عدم الاستقرار.

المشكلة التي تواجه الثورة لا تتوقف عند الموقف الغربي المشار إليه، بل تتعداها إلى مواقف عربية تبدو في ظاهرها داعمة للثورة، وهي التي تتشكل من أركان ما كان يعرف بمحور الاعتدال العربي، عدا مصر التي كان رئيسها المعزول يتأهب لاتخاذ موقف أقوى، قبل أن يعاجله الانقلاب.

هذا المحور الذي التقى على دعم الانقلاب في مصر لديه حساسية مفرطة حيال الربيع العربي، وهو معني بإفشاله بأي ثمن. وفيما يرى أن منع انتصار إيران في المعركة أمر ضروري، فإن استمرار استنزافها في سوريا لا يبدو سيئا، ومعها حزب الله أيضا.

وبالتالي فإن خياره يبدو منسجما مع الخيار الآخر القائل بإطالة أمد الاستنزاف، لا سيما أن مخاوف الجهاديين تبدو حاضرة، وفوقها، بل ربما قبلها، مخاوف الإخوان المسلمين الذين يصنفون عدوا لدودا في عرف هذا المحور؛ رغم أن حضورهم في الملف السوري لا يبدو كبيرا؛ هم الذين استسلموا للسعودية ودعموا في نهاية المطاف اختيار الرجل الذي تريده على رأس الائتلاف السوري.

من هنا يبدو أن الدولتين الوحيدتين اللتين تبديان حرصا على نجاح الثورة بأي ثمن هما تركيا وقطر، لكن الأولى مقيدة بقيود الناتو، فضلا عن المشاكل التي بدأت تظهر لأردوغان داخليا، ومن ضمنها مخاوف انهيار الاتفاق التاريخي مع الأكراد بحضور أصابع إيرانية في السياق، فيما الثانية في وضع حرج بعد عملية نقل السلطة وسعيها إلى عدم الدخول في مشاكل مع الآخرين، بخاصة الجارة الخليجية الكبرى.

وعموما، فإن دعمهما مهما كان لا يبدو كافيا لحسم المعركة، لا سيما أن تناقضات الثوار الذاتية، والأخرى الناجمة عن تناقضات الداعمين واختراقاتهم في جسم الثورة لا توفر الأجواء المناسبة لذلك الحسم في ظل دعم رهيب للنظام من طرف إيران وحزب الله وروسيا؛ ماليا وعسكريا وبشريا، وسياسيا أيضا.

في ضوء ذلك كله، يبدو المشهد بالغ التعقيد، ويرجَّح إذا لم تحدث مفاجآت غير محسوبة من داخل النظام، يرجَّح تكريس مسار إطالة الاستنزاف إلى أمد لا يعرف مداه، من دون أن نشك في أن النتيجة النهائية لن تعني بقاء بشار الأسد وزمرته في السلطة بعد كل الذي جرى من سفك دماء، وبعد حالة الاحتقان الطائفي التي تطبع الوضع العام في البلاد.

الاتفاق الضمني على إطالة الاستنزاف صار حقيقة، بدليل الموقف الأميركي الرافض لتزويد الثوار بأية أسلحة، والضاغط على الدوام لمنع تزويدهم بسلاح نوعي يعزز قدرتهم على حسم المعركة

في هذا السياق طرحت صحيفة نيويورك تايمز خيارا لا يبدو بعيدا عن خيار الاستنزاف الطويل المشار إليه، بل لعله توضيح له، ويتمثل فيما سمته "خيار البلقنة"، حيث يسيطر النظام على العاصمة وعلى معظم المدن الكبرى، فيما تسيطر الجماعات المسلحة على مناطق شاسعة في الريف، لكنها تتقاتل فيما بينها على مصادر الدعم والأسلحة والمتطوعين، مع حضور الأكراد الذين يسيطرون على مناطقهم، وعادة ما يخوضون معارك ضد المقاتلين لمنعهم من التقدم نحو مناطقهم، كما حصل في مدينة رأس العين.

في ضوء ذلك -والكلام للصحيفة- وحيث يعيش نسبة 60% من السكان في المناطق التي يسيطر عليها النظام، فيما يسيطر المقاتلون على نسبة 60 إلى70% من مساحة البلد، فإننا أمام معادلة قد تستمر لأمد لا يمكن الجزم بمداه حتى تحدث تطورات ما تؤدي إلى حسم المعركة، من دون استبعاد خيار التقسيم في حال قرر النظام اللجوء إلى الدويلة العلوية بعد تأمين ممراتها، مطمئنا إلى أن ثورة منهكة لن يكون بوسعها ملاحقته إلى أراضي تلك الدويلة.

يبدو الحديث متشائما إلى حد كبير، لكنه تحليل لا تتخلله التمنيات، وما يمكن أن يغيره هو موقف مختلف من تركيا وقطر، يتمرد على الضغوط الأميركية والغربية، مع إقناع الآخرين من المحور "المعتدل" إن جاز التعبير بأن ما جرى يبدو كافيا، وأنه لا بد من موقف أقوى يتصل بالتسليح والتدخل المباشر للجم البعد الفصائلي عند الثوار، بحيث يغدو التنسيق الميداني فرض عين حتى يمكن إحداث تقدم متواصل، بخاصة في دمشق وصولا إلى حسم المعركة.

يبقى احتمال يتعلق بالكيان الصهيوني، ويتمثل في خوفه من فوضى في سوريا تؤدي إلى مشاكل أمنية كبيرة، الأمر الذي قد يدفعه نحو طلب شكل من أشكال التدخل الغربي الذي يحسم المعركة لصالح من يسمون الثوار المعتدلين، لكنه احتمال يبدو ضئيلا، لا سيما أن خيار استمرار الاستنزاف يبدو أفضل إلى حد كبير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك