ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحافي وأستاذ جامعي



الإسلاميون والانقلابات
أين تكمن العقدة؟

لعل أسوأ ما في أزمة مصر الحالية أن الغرب المعادي للإسلام بكل أشكاله ومسمياته وجد من يعينه من المسلمين على حربه على الإسلام، سواء كان ذلك إسلاماً سياسياً أو تقليدياً أو غير ذلك، فالغرب هو الذي يشغل المسلمين بمسميات وتصنيفات في حين أنه لا يقبل الإسلام جملة وتفصيلاً.

في علم السياسة أو السياسة باعتبارها اللعبة القذرة، يوجد ما يعرف بالمغفل النافع، وهو من يستطيع العدو استخدامه لإنفاذ إستراتيجياته التي تتعارض في المحصلة مع مصالحه الإستراتيجية دون أن يدرك خطورة ما يقوم به، فضلاً عن نهج السياسة الاستعمارية القديمة القائم على أسلوب "فرق تسد".

والإسلام السياسي مصطلح سياسي وإعلامي أطلقه الآخر (الغرب) واستخدمه لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم"، فالإسلام عندها ليس ديانة فقط وإنما هو عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة، وقد لا يجد المؤمنون بمفاهيم الإسلام السياسي حرجاً في هذا المصطلح -يفضلون مصطلح الحاكمية لله- إن كان يتضمن تلك المفاهيم.

الغرب الذي يؤمن بالعلمانية نظام حياة شاملا يريد نظماً سياسية في الدول الإسلامية تتماهى مع ما يؤمن، وهذا ما يصطدم تماماً مع رؤية الإسلام السياسي

بيد أن الآخر يطلق المصطلح مصحوباً بوصفهم بمجموعة "المسلمين الأصوليين" ولاحقاً بـ"الإرهابيين" خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، الغرب في الوقت نفسه لا يضع الإسلام في ضفة واحدة، فهو غير راغب في مواجهة شاملة، فضلا عن أن أسلوب "فرق تسد" لا بد أن يكون حاضراً.

الإسلام السياسي يتضمن تصنيفات، فدول مثل إيران والسودان ونظام طالبان السابق في أفغانستان وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة لا يمكن مقارنتها بالمملكة العربية السعودية وباكستان اللتين ترفعان شعار الإسلام وهما في الوقت نفسه حليفتان للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً.

الغرب الذي يؤمن بالعلمانية نظام حياة شاملا يريد نظماً سياسية في الدول الإسلامية تتماهى مع ما يؤمن، وهذا ما يصطدم تماماً مع رؤية الإسلام السياسي، ولذا يشيع عبر آلته الإعلامية الضخمة أن حركات الإسلام السياسي تسعى إلى الوصول إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق الشريعة الإسلامية التي لا تصلح في رأيه للعصر الحالي.

ويجد الغرب في التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية ضالته حيث تلقى فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في السياسة عدم قبول لديها، فهي تؤمن بالرؤية الغربية وتريد بناء دول علمانية، وأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية شأنا خاصاً بالفرد المواطن ولا شأن للدولة فيه.

لكن المتابع لمسار الإسلام السياسي بالمفهوم المتطرف لدى الغرب يلحظ أنه تحول إلى قوة سياسية معارضة في بعض بلدان غرب آسيا وبعض دول شمال أفريقيا، بل نجح في الوصول للحكم في بعض الدول مؤخراً، مثل مصر وتونس والمغرب وحركة حماس في فلسطين، وقبل ذلك في الجزائر والسودان.

لم يستطع الغرب إخفاء ارتياحه لمآلات الوضع في مصر حيث تضافرت قوى داخلية وخارجية مناهضة للإسلام السياسي في تداعياته، فقد رأت صحيفة لوموند الفرنسية أن الإسلام السياسي صار في مأزق عقب عزل الرئيس محمد مرسي‏، وقالت إن الإسلام السياسي فقد معركة حاسمة ‏معتبرة مشروع حكومة الإخوان المسلمين سجل إخفاقاً في مصر‏.

ومضت الصحيفة تؤكد أن شعار الإسلاميين "الإسلام هو الحل" لم يعد له مصداقية بعد الآن، ورأت الصحيفة أن الإسلام السياسي ما هو إلا حركة احتجاجية في المقام الأول وليس برنامجا حكوميا جاداً.

الغربيون كانوا قد استنكروا رش المخربين في تركيا بخراطيم المياه والمسيل للدموع وصمتوا على رش المتظاهرين المصريين بالرصاص

تقول بعض التقارير إن عشرات الوثائق الأميركية الحكومية تؤكد تمويل واشنطن لساسة مصريين معارضين طالبوا بالإطاحة بمرسي من خلال برنامج لوزارة الخارجية الأميركية لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، بينهم نشطاء وقادة وأعضاء في جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة.

هذا الدور الأميركي انتهك القانون المصري الذي يحظر التمويل السياسي الأجنبي، وانتهك حتى اللوائح الأميركية التي تحظر استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل السياسيين الأجانب، أو تمويل أنشطة تخريبية تستهدف الحكومات المنتخبة ديمقراطيا.

ومما يؤكد وجود شبهة هذا التمويل تلك الأحكام الصادرة من محكمة مصرية أدانت الشهر الماضي 43 مصريا وأجنبيا يعملون في منظمات غير حكومية بتهم استخدام التمويل الأجنبي لإثارة القلاقل في البلاد، في الوقت الذي عبرت فيه واشنطن عن قلقها إزاء تلك الأحكام.

الإسلاميون والانقلابات
هل تؤسس أزمة مصر الحالية لطلاق بائن بين الإسلام السياسي واللعبة الديمقراطية خاصة بعد تجربتي حركة حماس في فلسطين وجبهة الإنقاذ في الجزائر؟ وهل كان إسلاميو السودان على حق عند استيلائهم على السلطة في 30 يونيو/حزيران 1989؟

قبل انقلاب عمر البشير كان للإسلاميين حوالي ثلث مقاعد البرلمان وشكلوا معارضة قوية لحكومة الصادق المهدي إلا أن الصادق أشركهم في ما عرف بحكومة الوفاق الوطني وتقلد زعيم الجبهة الإسلامية حسن الترابي منصب وزير الخارجية، ولم تدم هذه الحكومة طويلا حتى تقدم الجيش السوداني بمذكرة في فبراير/شباط 1989 بمطالب محددة، واعتبرت انقلاباً على الصادق المهدي لأنها فرضت عليه تشكيلة لا تضم الإسلاميين، وبعد أربعة أشهر قاد الإسلاميون انقلاباً جاء بالحكومة الحالية برئاسة البشير.

في العام 1992، قام الجيش الجزائري بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت سنة 1991 وحققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ برئاسة عباسي مدني فوزا كاسحا، وكانت أول انتخابات تعددية تشهدها الجزائر منذ استقلالها في 1962.

وقد جاء الانقلاب العسكري على الديمقراطية بعد أربع سنوات من الانفتاح خلال ثمانينيات القرن الماضي إبان حكم الرئيس الشاذلي بن جديد الذي اعتمد سياسة وصفت بأنها أخلاقية، لمواجهة ثقة الشعب المتزعزعة في حكم العسكر حيث سمح من خلال تلك السياسة المنفتحة للإسلاميين بالمشاركة.

من حق أصحاب الرأي الآخر أن يكون لهم رأي مخالف لرؤية الإخوان المسلمين في الحكم لكنهم سلكوا الطريق الخطأ وأرسوا مبدأ يناقض مبدأ الديمقراطية

في مصر وقبل فوز الرئيس مرسي حيث كانت ملامح فوزه بادية باغت المجلس العسكري الإسلاميين الذين سيطروا على مجلس الشعب وألغى عبر المحكمة الدستورية الانتخابات التي جاءت بمجلس الشعب، هذه المباغتة التي قام بها المجلس العسكري كانت أول مؤشر لمعارضة الجيش الذي تشرب بالتقاليد العلمانية على مدى تاريخه في إطار ما يعرف بالدولة العميقة، وفيما بعد كان واضحاً أن الإسلاميين في مصر ليس ممكنا أن يحكموا بالأجهزة القديمة التي أصبحت لديها تقاليد وعقيدة ومطامع ومصالح ومنافع.

وكانت خطة المناوئين لمرسي ألا يمنح الرجل فرصة كافية إطلاقاً لتنفيذ برنامجه الانتخابي، وظلوا يهاجمونه عبر أجهزة يفترض أنها تحت إشرافه، فكانت أجهزة المخابرات والشرطة تهاجم الإخوان المسلمين الذين ضربت دورهم وحرقت وهم في الحكم.

الرغبة الجامحة لدى التيارات العلمانية واليسارية لإزاحة الإسلاميين جعلتهم يتغاضون عن الأسلوب الديكتاتوري لقيادة الجيش المصري والإجراءات القمعية التي صاحبت عزل الرئيس المنتخب ديمقراطياً، ولعل ذلك تبدّى بصورة سافرة في قتل الجيش بأوامر عليا أكثر من 50 شخصا من مؤيدي مرسي وهم يؤدون صلاة الفجر أمام نادي الحرس الجمهوري، فضلا عن مئات الجرحى.

الغربيون كانوا قد استنكروا رش المخربين في تركيا بخراطيم المياه والمسيل للدموع وصمتوا على رش المتظاهرين المصريين بالرصاص، وقد حذرت منظمات حقوقية مصرية ودولية من التدهور المريع في حرية الصحافة منذ عزل مرسي، وقال بيان للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن عدد الاعتداءات التي طالت صحفيين أو مؤسسات إعلامية محلية وأجنبية منذ عزل مرسي بلغ 74 اعتداءً شملت اعتقالات تعسفية للعديد من الصحفيين دون أمر قضائي، فضلا عن إغلاق عدد من القنوات الفضائية بينها قناة "مصر 25" التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى قنوات دينية أخرى.

أين تكمن العقدة؟
إن كان الغرب والولايات المتحدة الأميركية متورطين في سياسة الكيل بمكيالين إزاء تطبيق الديمقراطية في العالم الثالث، فهل شعوب العالم الثالث ومنها الشعوب العربية غير جديرة بممارسة الديمقراطية؟ هل الأمر متعلق بمستوى قناعة هذه الشعوب وفهمها لمقتضيات اللعبة الديمقراطية؟ أم أن المؤسسات العسكرية هي السبب في انتفاء الحالة الديمقراطية بسبب عدم مهنيتها ونهمها تجاه ممارسة دور سياسي؟

يقول المفكر الأميركي في مجال العلوم السياسية الذي اشتهر بتحليله للعلاقة بين العسكر والحكومة المدنية صامويل هنتنغتون "كلما كانت المؤسسة العسكرية مهنية في مهمتها، ابتعدت عن التدخل المباشر في السياسة. وكلما قلت مهنتيها ازدادت تدخلا في السلطة. وتكمن مهنية الجيش في تجويد مهمته الأساسية وهي حماية البلاد من التهديد الخارجي، وهو ليس معنيا بقضايا الأمن والسياسة الداخلية".

هل خشي الجيش المصري على الامتيازات التاريخية التي يتمتع بها مؤسسة وأفرادا من حكم الإسلاميين؟ صحيفة نيويورك الأميركية اعتبرت أن الجيش المصري يعيش كطبقة مستقلة بأنديته وفنادقه ومستشفياته وحدائقه وامتيازاته الأخرى التي تموّلها الدولة، وأنه، وإلى حد ما، مؤسسة يتوارثها الأبناء عن الآباء وجميعهم يعيش داخل دائرة اجتماعية مغلقة.

يو أس أي توداي:
ما جرى  بمصر هو سيطرة الغوغاء المدفوعة بالجيش للإطاحة بحكومة انتخبت وقالت إن ما أعلنه الرئيس المعزول مرسي من أن الانتخابات قد سُرقت حقيقة مؤكدة

ما هو معلوم أن العالم قرية واحدة، وأن المعايير والقيم لا ينبغي أن تكون مزدوجة، فإننا معنيون بالضرورة بأخذ العبر من درس مصر، فالديمقراطية في مصر هي ذاتها الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية وفي أي مكان، وليست الديمقراطية هي التي تأتي فقط بالتيارات المعادية للتوجهات الإسلامية، أما إن أتت بالإسلاميين فإن دمها مستباح واستحقت الذبح في وضح النهار من الوريد إلى الوريد كما حدث في مصر.

من حق أصحاب الرأي الآخر أن يكون لهم رأي مخالف لرؤية الإخوان المسلمين في الحكم، لكنهم سلكوا الطريق الخطأ وأرسوا مبدأ يناقض مبدأ الديمقراطية. لقد قالوا إنهم جمعوا 20 مليون توقيع ضد مرسي، لكن بعد ذلك تحرك أكثر من 30 مليون مصري من أنصار مرسي وفقا لتقديرات الـ"بي بي سي" معلنين رفضًا قاطعاً للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب، فضلا عن أن اللعبة الديمقراطية تقتضي أن ينتظر أولئك أربع سنوات ليزيحوا مرسي عبر صندوق الانتخابات.

مرسي حاول أن ينحني كثيراً للعواصف ولكن دون جدوى، ففي مارس/آذار 2013 واجه مرسي معركة اللحى أو "الذقون" ضد إسلاميين، حين فتح مواطن مصري بلاغاً ضده يطالبه فيه بالتحقيق في امتناعه عن السماح للضباط الملتحين بالعودة إلى أعمالهم.

وقد استند المشتكي إلى حكم قضائي بأحقية ضباط الشرطة في إطلاق لحاهم، مرسي كان قد تجاهل الحكم القضائي خوفاً من أن يُتهم حال تنفيذ الحكم بـ"أخونة الجيش والشرطة" فتقوم عليه القيامة، ولم يجد كل ذلك الحرص فقامت القيامة.

الموقف الغربي المعلوم من الإسلام السياسي لم يمنع صحفاً مثل "نيويورك تايمز" و"يو إس تو دي" الأميركيتين أن يكون لهما موقف أخلاقي تجاه ما حدث في مصر؛ فقالت الصحيفة الأولى "مهما يكن أداء الرئيس المعزول محمد مرسي، فإنه منتخب ديمقراطيا وإن عزله من قبل الجيش هو انقلاب عسكري لا أقل". أما الصحيفة الثانية (يو أس أي توداي)، فقد وصفت ما جرى بأنه "سيطرة الغوغاء المدفوعة بالجيش للإطاحة بحكومة انتخبت، وقالت إن ما أعلنه الرئيس المعزول مرسي من أن الانتخابات قد سُرقت حقيقة مؤكدة".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك