أطلقت كلمة الدولة، التي ابتكرها ميكافيلي في القرن السادس عشر، قبل الثورة الفرنسية (1789) على السلطة أو الحكم أو الحاكمين، فقد كان الملوك في أوروبا يرددون ما قاله لويس الرابع عشر عام 1670 "الدولة هي أنا". فقد كانت الدولة هي الملكية، بكل ما تعنيه كلمة الملكية من حق الملك والمالك في الاستعمال والاستغلال والتصرف في دولته.

غير أن النمو السكاني والتطور الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي والثقافي، وتنامي الوعي القومي، قاد إلى طرح مهام مباشرة على الدولة، وضع قوانين وتفسيرها والسهر على تنفيذها، وهذا اقتضى وجود سلطة تشريعية، واقتضى تطبيق القوانين، التي تضعها السلطة التشريعية، سلطة تنفيذية، وأجهزة خدمة مدنية، كما اقتضى تحقيق الأمن في الداخل وحماية البلاد من أي عدوان خارجي، إنشاء أجهزة شرطة ومحاكم وجيش وأجهزة أمن. كما قاد التطور السياسي في مجال الحقوق والحريات إلى وضع دساتير وقوانين، وإلى الفصل بين السلطات لخلق توازن يحمي تلك الحقوق والحريات.

عدم توفر الشروط الذاتية لقيام دولة حديثة بعد الاستقلال, جعلها هشة وفي مرتبة وسط بين الدولة القديمة "دولة الملك/الأسرة الحاكمة" والدولة الحديثة "دولة الأمة/الشعب"

دخلت فكرة الدولة الحديثة إلى البلاد العربية مع الاستعمار الذي قام بإنشاء بعض مؤسساتها وأجهزتها، برلمانات، مجالس محلية، وجيش. ووضع، في بعض الحالات، دساتير وإدارات مالية وضريبية ومحاكم حديثة، وأجهزة شرطة وأمن.

غير أن عدم توفر شروط ذاتية لقيام دولة حديثة جعل هذه المؤسسات والإدارات، والدولة التي نشأت بعد الاستقلال، هشة وفي مرتبة وسط بين الدولة القديمة "دولة الملك/الأسرة الحاكمة" والدولة الحديثة "دولة الأمة/الشعب".

وقد قاد فشل التجارب الوطنية في إحداث تنمية شاملة إلى تعميق هذه الهشاشة، حيث أدت ممارسة السلطة الوطنية التسلطية إلى منع بروز قوى اجتماعية وسياسية وحقوقية مستقلة، وإلى تفكك الهرم الاجتماعي الذي ترتكز إليه دينامية الدولة وثقافتها، حيث تلعب القوى السياسية والاجتماعية دور التوسط بين السلطة والمجتمع، وتسعى إلى الوصول إلى السلطة بالطرق الدستورية والقانونية، كي تطبق وجهات نظر وطلبات المجتمع المادية والثقافية الوطنية والاجتماعية.

فالثقافة السياسية السائدة في الأوساط الرسمية العربية تطابق بين الرئيس والدولة، وتمنحه حق التصرف بمقدرات البلاد وتحديد خياراتها السياسية والاقتصادية دون اعتداد بدستور أو بقوانين أو برأي عام، وتسبغ عليه صفات كبيرة، مثل: القائد، الزعيم، المناضل، العظيم، الملهم، سيد الوطن، الأب، دون أن تنسى، لاعتبارات محلية، أن تحيطه بهالة دينية عبر وصفه بالمجاهد، والمؤمن، وتصف أعماله بالبطولة والشجاعة وخرق المألوف واجتراح المعجزات ... إلخ.

وتحيل إلى شخصه وصفاته وقدراته كل إنجازات البلد الفعلية، والمدعاة. إنها تضع الرئيس موضع الدولة وتمنحه كل صلاحيات الدولة: السيادة ومترتباتها، لذا يصبح فوق النقد، ويجرّم من ينتقده، وتسنّ القوانين الرادعة والأحكام القاسية بحق المنتقدين والمعارضين. 

في حين أن الرئيس في الدولة الحديثة ليس سيد البلاد ولا صاحب مكرمات على العباد، إنه رأس السلطة التنفيذية، إنه موظف لدى الدولة، ودوره هو تحقيق مصالح البلاد والعباد عبر توظيف الإمكانات بطرق دستورية وقانونية، وأعماله/إنجازاته واجبات عليه وليست مكرمات منه على المواطنين والبلاد.

فالرئيس في الدولة الحديثة سلطة تنفيذية تنسق عملها مع السلطة التشريعية تحت رقابة السلطة القضائية، وخروجه عن هذا الدور المحدّد بالدستور والقوانين الأخرى يضر ليس فقط به وبشرعيته بل بالبلاد والعباد، فالدولة لا تفوِّض ممارسة السلطة إلا بالتوافق مع نظمها، ونقل السلطة من الدولة إلى أشخاص الحكام لا يجعل من هؤلاء الحكام مالكين فعليين للسلطة، إنهم يملكون حق ممارستها وفق مقتضيات دستور البلاد وقوانينها، فالسلطة محددة ومقيدة، ولا يمكن أن تكون فردية تستند إلى إرادة تعسفية أو واقعة تحت تأثير عوامل غير قانونية.

لذا لا مكان لأبوة الرئيس في الدولة الحديثة، لأن الأبوة علاقة غير قانونية ولا يمكن الركون إليها لأنها مدخل سهل للسلطة الفردية والاستبداد حيث يصبح كل شيء مرتبطا بالرئيس، يبقى ببقائه ويزول بزواله، وهذا يقود إلى عدم استقرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، ناهيك عن أن طبيعة العلاقة الأبوية لا تسمح بمحاسبة الأب مهما ارتكب من أخطاء، بينما الرئاسة تقع تحت القانون، إنها مراقبة من قبل المؤسسات التشريعية والقضائية والرأي العام. لذا كان وضع السلطة خارج أشخاص الحكام في مؤسسات قادرة على تحقيق أهداف المجتمع في حاضر مستقر ومستقبل مزدهر، هو الوضع الصحيح.

ومن هنا اعتبر فقهاء القانون الدستوري أن عدم اتساق قرارات الرئيس/الحكومة مع الدستور والقوانين الأخرى الناظمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يفقد الرئيس شرعيته فحسب، بل ويُفقِد الدولة -التي قامت لتكون مركز السلطة- هيبتها ومصداقيتها، لأنها تكون بذلك قد أصبحت غطاء للذين يحكمون باسمها وستارا لمشروع تسلطي، والحكام الذين يمارسون سياسة مناقضة لرغبة السيد (الدولة) تتعرض شرعيتهم للتآكل، أما إذا استمروا دون أن يحاسَبوا فهذا يعني أن السيادة انتقلت إلى مكان آخر، وأنها لم تعد حيث يجب أن تكون رسميا- أي في الدولة- بل أصبحت بيد القوة السياسية الفعلية التي تدعم الحكام.

الشرعية سلطة قائمة على الحق الذي تحدده الدساتير والقوانين، وشرعية السلطة هي التي تحدد شرعية الحكام، أما المطابقة بين الدولة والرئيس فتقود إلى انفلات الدولة من الدستور والقانون

فالشرعية سلطة قائمة على الحق الذي تحدده الدساتير والقوانين، وشرعية السلطة هي التي تحدد شرعية الحكام، أما المطابقة بين الدولة والرئيس فتقود إلى انفلات الدولة من الدستور والقوانين، لأن الدولة التي تجسدت في الدستور والقوانين الأخرى، سلّمت زمام الإدارة لسلطة مطالبة بالتقيد بالدستور والقوانين، وأنها ليست حرة في التصرف، لأن حريتها مقيّدة بالقوانين الناظمة، وبمراقبة ومحاسبة الهيئات التشريعية والقضائية والرأي العام الوطني من أجل إلزامها بالتقيد بهذه القوانين أو إرغامها على التنحي بالطرق الدستورية والقانونية.

صحيح أن الدولة ليست ظاهرة طبيعية، بل اصطناعية خلقها الذكاء البشري لإدارة شؤون الجماعة، وهذا يجعل طبيعة الدولة متطابقة مع المجتمع الذي يقيمها ومدى تطوره، ولكن هذه الحقيقة يجب ألا تكون رصيدا مفتوحا لتبرير أخطاء الحكام وقصورهم، واستمرار اعتبار النقاد من دعاة الإصلاح خارجين على القانون، ودعوة قوة الدولة الإلزامية لردعهم أو لمعاقبتهم إن لم يرتدعوا.

فالتطور الدستوري والقانوني الإنساني سمح بنمو وعي حقوقي لدى القوى الاجتماعية المحلية قادها إلى التحفظ على تحويل عقيدة النظام إلى دين للدولة بما يسمح بتأسيس شرعية سطحية توظَّف في خدمة تقييد المجتمع واستتباعه والسيطرة عليه والمسّ المنظم بحقوق المواطنين وحرمان فئات واسعة من المجتمع من خيراته، كما غدا النظام الدولي، عبر القانون الدولي العام والخاص، قيدا على حرية السلطة في التعامل مع مجتمعها، خاصة بعد إقرار الأمم المتحدة لحق التدخل في الدول لاعتبارات إنسانية.

أما استخدام السلطة للقضاء لقمع الناقدين والمعارضين، والتذرع بأن القضاء في أعرق دول العالم ديمقراطية يتجاوب مع مخاوف الرئيس/الحكومة إزاء أمن البلاد، فإنه محاولة مكشوفة لإطلاق يد السلطة التنفيذية في التصرف دون ضوابط.

صحيح أن القضاء في الدول الديمقراطية لا يتجاهل مخاوف الرئيس/الحكومة الأمنية، ولكنه بعد أن يأخذ هذه المخاوف بالاعتبار، يتصرف بطريقة قانونية: يعاين، يحقق، يدقق، وفق مقتضيات القانون لا وفق رغبات الرئيس/الحكومة، فأحكام القضاء ليست صدى لمخاوف الرئيس/الحكومة ورغباته، بل استجابة لدواعٍ قانونية.

كما قاد الوعي الحقوقي إلى المطالبة بشرعية دستورية وممارسة قانونية قائمة على تحديد واضح ومفصّل للحقوق والواجبات، وهذا يستدعي انتقال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية والإدارية في الدول العربية من حالتها الراهنة، حالة أشباه المؤسسات، أو مؤسسات تابعة للسلطة التنفيذية، إلى بُنى حقيقية قائمة على لوائح وأنظمة داخلية تحكم حركتها، كي تكون قادرة على القيام بوظائفها، وتكريس تقاليد مؤسساتية/إدارية تعمل في ظل شرعية قانونية تسهم في تحويل الثقافة السياسية السائدة نحو تلك القاعدة الضرورية لأية شرعية، قاعدة الاقتناع الحر بصحة وصلاح البنية القانونية للسلطة التنفيذية.

لقد استطاع النظام الشعبوي الالتفاف على السلطة التشريعية بخلق عشرات المنظمات، مثل: اتحاد العمال، واتحاد الفلاحين، واتحاد الطلاب، واتحاد المرأة ... إلخ، كي يزيد من تمثيل المجتمع الملتف حوله، الملتحم به والمستتبع له، ولكنها -المنظمات- لا تسهم البتة في تمثيل المجتمع في مواجهة السلطة، والالتفاف على السلطة القضائية بوضع دساتير وقوانين تتسق مع خياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستمرارية هذه الخيارات تقيد حركة المجتمع وتحد من حريته في نقد هذه الخيارات ورفضها وتغييرها، والاختباء وراء الإنجاز، مع أن تكريس شرعية الإنجاز تستدعي التدقيق في هذا الإنجاز، بطرح أسئلة حول حقيقته وصحته، مقارنة مع الشروط الموضوعية التي أنتجته واختبار حجمه ونوعيته بالمقارنة مع الوسائل المتوفرة والثمن الاقتصادي-الاجتماعي الذي دفع لقاءه، أي تحديد جدواه في ضوء الشروط والثمن والمحصلة.

لذا فإن عبور الدول العربية إلى حياة وطنية دستورية وقانونية مستقرة ومثمرة يستدعي، بداية، سيادة ثقافة سياسية تميّز بين الدولة والسلطات المتفرعة عنها، وتتمسك بحق المواطنين في تصويب خطوات الرئيس/الحكومة باستخدام وسائل الحد من سلطة الرئيس/الحكومة، مثل الدستور وقوانين حقوق المواطنين، ومبدأ الفصل بين السلطات واللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا أو غيرها، التي أوجدتها الخبرة الإنسانية لمنع إساءة استخدام الرئيس/الحكومة للسلطة التي منحتها له الدولة، والتخلص من الثقافة السياسية التي تعد انتقاد الرئيس/الحكومة إساءة للدولة وتطابق بين انتقاد الرئيس ومحاسبته والإساءة إلى حرمة الدولة وهيبتها.

تحرم الممارسة السياسية السائدة في الدول العربية المواطن من ممارسة حقوقه التي تنظمها الدساتير, وتقيد حق المجتمع في ممارسة نقد السلطة التنفيذية، والمطالبة بالمحاسبة والمعاقبة

فالأفراد، حسب فقهاء القانون الدستوري، لا يقومون بطاعة السلطة من أجل الطاعة ذاتها، وإنما يطيعونها من أجل أهداف يعتقدون أنها ستتحقق عندما تؤدي هذه السلطة عملها، فهم يخضعون للأوامر لأنهم يعرفون ما تتضمنه هذه الأوامر من غايات، وهم يفسرون هذه الأوامر في ضوء انعكاسها الإيجابي على حياتهم وما يسعون إلى تحقيقه من أمن واستقرار وازدهار، والأفراد الذين يؤدون الطاعة للحكومة لا يفعلون ذلك من أجل النظام فقط، ولكن لما سيتمخض عن هذا النظام من فوائد، وهم يقومون بتقدير قيمة الدولة ووكيلتها (الرئيس/الحكومة) من زاوية موجبات الرضا التي يعتقدون أنها تتيحها لهم، وأن من صميم حقوقهم استخدام القوانين والنظم التي تتيح لهم ليس فقط نقد الرئيس/الحكومة بل واستبدالهما.

تحرم الممارسة السياسية السائدة في الدول العربية المواطن من ممارسة حقوقه التي تنظمها الدساتير (الحريات العامة) ومن حقوقه المدنية (الحقوق الأساسية للمواطن) وتقيد حق المجتمع، بمؤسساته المدنية والاجتماعية، في ممارسة حقه في نقد السلطة التنفيذية، والمطالبة بالمحاسبة والمعاقبة الدستورية والقانونية للمقصرين والفاسدين، وتُلحِق السلطتين التشريعية والقضائية بالسلطة التنفيذية، مما يجعلها سلطات صورية، وتصور ما تقوم به السلطة التنفيذية (الرئيس بخاصة) من واجبات وما تنفذه من برامج على أنه كرم من السلطة التنفيذية وليس واجبا عليها تستدعيه طبيعة الدولة، ناهيك عن الدولة الحديثة.

لقد بلغ أثر هذه الممارسة في حياتنا الوطنية حد تدمير القيم الثقافية والاجتماعية، وهذا لم يفقدها مبرر وجودها وشرعية استمرارها فحسب بل وحتم العمل الجاد والمباشر من أجل الانتقال من هذه الممارسة إلى ثقافة الدولة الحديثة بمحتوياتها السياسية وأطرها الإدارية والمؤسساتية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك