غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

حمص ليست آخر المدن والحواضر الشهيدة، قد تكون الأولى في عقد ستبدأ حباته بالانفراط، لكن العين على فضاء جغرافي أوسع تتوسطه حمص، فضاء نظيف ومطهر من الآخر. ثم أين صارت حمص؟ يقول من رأى خيالها، إنها تأبطت ديك جنها وحلاوتها الشهيرة ونكتتها وتوزعت في الأرض يوم أغلق الطغاة عنها منافذ الهواء.
لم يشكل أحمد الأسير في صيدا ظاهرة خطرة على أمن حزب الله، بل ظل معزولا حتى عن الوسط السني الذي لم يتعامل معه بشكل جدي، وكان مدعاة للتندر

من حمص إلى صيدا، صار عنوان المعركة واضحا، ترسيم الحدود وتنظيفها، تجهيزا لمرحلة قادمة. ربما لن يكون موعد تلك المرحلة آنيا، وربما تتأجل إلى حين، لكن غبار المعركة الكثيف، وحالة خلط الأوراق المتسارعة، إضافة إلى الرغبة بالاستفادة من ظرف دولي مناسب، كل هذه العناصر تسمح بالقيام بمثل هذا الإجراء، أو قل تغري على القيام به.

في صيدا، لم يكن الأمر ملحا، ولم يكن يستدعي كل تلك الضوضاء، فلم يشكل أحمد الأسير ظاهرة خطرة على أمن حزب الله، ظل معزولا حتى عن الوسط السني الذي لم يتعامل معه بشكل جدي، بل وكان مدعاة للتندر.

كل المؤشرات تتجه صوب تأكيد وقوع الأسير في فخ نصبه الحزب ببراعة، من خلال قصة الشقق واستفزازه وجره إلى الكمين القاتل. في نهاية الدراما الأسيرة وبعد انقشاع غبارها الكثيف، يتضح أن الأسير كان بيدقا هيأ له حزب الله مسرح العمليات، ليرسم على وقع الحادثة خطوط نفوذه وحدود كيانه من عبرا إلى الناقورة جنوبا، وهو يرسمها في الشرق بشكل أكثر دقة، مستثمرا الحدث السوري إلى أبعد الحدود، وبعد إكمال رسمها في المنطقتين التوقع أن يتم افتعال أسير في البقاع الغربي، الواصل بين المنطقتين، غير أن الأمر هنا سيتطلب تهجيرا قسريا لمئات آلاف السنة.

وبما أن هذه المناطق تحتوي على خليط من الدروز والمسيحيين، فالحزب بدأ يطرح نفسه بصفته مدافعا عن الأقليات في مواجهة الخطر التكفيري، ألم يقل نصر الله في خطابه الأخير إنه يدافع عن المسيحيين والدروز والعلويين والإسماعيليين، وإنه بات ممثلهم وحاميهم في مواجهة السنية التكفيرية!

غير أن الحزب يدرك في قرارة نفسه أن تهجير هؤلاء من تلك المناطق، بعد اقتلاع السنة، أمر أكثر سهولة، وغالبا سيتكفلون هم أنفسهم بالرحيل والتسربل رويدا رويدا خارج المكان. والقليل القليل الذي سيبقى منهم إما أن ينخرط ضمن الحالة الشيعية، خاصة أنه جرى تشييع أفراد من مختلف الطوائف، وإما أن يتحولوا إلى رعايا ضمن الفضاء الشيعي الممتد.

أما في سوريا، فقد باتت واضحة للعيان جدية هذه الخطوة لدى بشار الأسد وكتائبه العسكرية، فثمة ملاحظة لم تعد تخطئها العين تتعلق بطبيعة المجهود العسكري لهذا الطرف، وهي أن جند الأسد لا يقاتلون بشكل جدي إلا على تخوم مناطقهم.

وفي التحليل العسكري قد يبدو ذلك منطقيا، على اعتبار أنه في تلك المناطق يتوفر النظام على خزانه البشري المؤيد، وبالتالي فهو يملك القوة اللازمة لإنجاز أي عملية عسكرية بنجاح، بعكس قتاله في المناطق الأخرى حيث يعتمد على جيش من مختلف المكونات وليست لديه القناعة بهذه الحرب ولا يمتلك الحافز لخوضها كما لا يمتلك الشعور بالخطر الذي يعيشه مؤيدو النظام.

لكن، من ينظر لخط سير عمليات النظام والسياق الجغرافي الذي تجري فيه، سيكتشف على الفور الخريطة الجهنمية التي يسير بها ووفقها هذا المخطط، ذلك أن مسار عمليات قوة النظام تسير باتجاهات لا تبدو من الناحية الإستراتيجية فاعلة في إعادة سيطرة النظام على التراب السوري، أو على الأقل تبدو هذه المهمة مؤجلة، لما بعد تحقيق مهمة أخرى ملحة، وهي السيطرة على خطوط إستراتيجية محددة.

من ينظر لخط سير عمليات النظام والسياق الجغرافي الذي تجري فيه سيكتشف على الفور الخريطة الجهنمية التي يسير بها والهدف هو السيطرة على خطوط إستراتيجية محددة

وهذه الخطوط لدى تجميعها في مشهد واحد سوف نكتشف أنها خطوط امتداد الدولة ووصلها مع جغرافيا بهلال الحلف، بحيث تتواصل مع العراق ولبنان بطرق واضحة، أولها يبدأ عند البقاع الشرقي، ونهايتها تصل إلى القريتين في عمق الصحراء على الحدود العراقية.

ولدى قراءتها بشكل متفحص يتبين أنها ليست سوى عمليات وصل وفصل بين مكونات طائفية وعرقية، بل وعملية التفاف على فعلة الوزيرين الشهيرين سايكس وبيكو، اللذين رسما خطوط الفصل بين كيانات الشرق الأوسط.

فالعملية الجديدة تهدف إلى تطوير جيوسياسية جديدة تنسف تلك التي عاشت المنطقة في ظلها واستندت على معطيات جغرافية وديمغرافية واقتصادية، روعي فيها تحقيق توازنات معينة تساعد هذه الكيانات، بالحد الأدنى، على الاستمرار والتطور، وتمنع إمكانية هيمنة كيان دولي على آخر، خاصة في حالة سوريا والعراق.

ماذا يعني ذلك على هامش المذبحة الدائرة، هل ترسخ في يقين المكونات أن العودة إلى حياة طبيعية باتت امرا مستحيلا، وبالتالي من الغباء عدم التعامل بالجدية الكافية والمناسبة مع الحدث، أم أنه مجرد تحوط طبيعي ذي طبيعة دفاعية ليس أكثر، أم هو نوع من تجهيز العدة لمفاوضات آتية مهما طال أمد الصراع، وحينها يكسب من كانت أوراقه وازنة خاصة بالممرات والحدود والتخوم، بالتضاريس الجغرافية المشرفة والواصلة والقاطعة؟

ثمة من يقول إنه لا هذه ولا تلك، هي مجرد تكتيكات يطبقها نظام بشار وجماعة نصر الله، الهدف منها خلق واقع تفاوضي جديد، واستحداث عناصر ملهاة جديدة، توظف نطاقا يحمي الملفات الحقيقية، إخفاء جرائم بشار وربما إعادة تأهيله لحكم سوريا، أو إبعاد النظر عن المطالبة بإنهاء استثنائية سلاح حزب الله وإلى الأبد؟

في الواقع، هذه أهداف قد تكون موجودة، المهم أن نظام بشار وحزب الله يعملان ضمن مناخ مريح خال من الضغوط الدولية وضعف المنافسين المحليين والإقليميين، وفي هذا المناخ يشكلان مجالا واسعا من الأهداف والخيارات، ويجعلان أغلبها قابلا للحياة، في الوقت الذي تسمح لهما قوتهما النارية والسلطوية والمؤسساتية في سوريا ولبنان بحصر خيارات الآخرين ضمن أطر ضيقة، إما من خلال ردود أفعال عالية النبرة قليلة التأثير فيصار إلى إعادة توظيفها والاستفادة منها، كحالة الأسير، وحالات كثيرة صدرت عنها المعارضة السورية.

أو من خلال دفعهم إلى ما يريدونه، أي تسعير الخطاب الطائفي وإيصالهم إلى حد المطالبة بالتقسيم، فقد بات يسري شعور يائس لدى الكثير من جمهور الثورة السورية وفي قلب حاضنتها مؤداه أن ليس مهماً كيف ستكون سوريا، المهم الخلاص من هذا الموت الذي لا يرحم.

هذه اللحظات يقتطعها الثنائي بشار وحزب الله، ومن خلفهما إيران، التي تراقب بانتشاء تشكل هلالها من قزوين إلى عمق المتوسط، من لحظة انحطاط دولية، سمحت لهذا الحلف أن يقوم بأسوأ الأفعال الاستعمارية والطائفية، فيما يصر على تسجيل نفسه على قائمة المقاومة والمقاومين، في أكبر عملية تزوير واستغفال، تبدو أمامها سياسات وأساليب الأنظمة الديكتاتورية بديماغوغيتها ساذجة وسطحية.

قبل قرن من الزمن، أعادت الدول الأوروبية رسم حدود المشرق حسب حاجاتها ثم رحلت, وبقيت الدول العربية حتى اليوم مستمرة في حرق وتدمير نفسها

هي سياسة لا بد من الاعتراف بحرفيتها وبراعتها، إذ تشكل لطمه لوعي ساذج ترك الأمور تتشكل على هواها في مرحلة تاريخية معينة، وعيا كان مأخوذا برطانة التحرير والمقاومة، وغافلا عن المحتوى الاستبدادي الاستعلائي والعنصري للهجين الأيديولوجي الذي قذفه النظام السوري وشريكه حزب الله وحليفهما الإيراني بوجه ووعي شعوب المشرق، خليط من علمانية بائسة وإسلاموية مذهبية وقومية غائمة.

قبل قرن من الزمن، أعادت الدول الأوروبية رسم حدود المشرق حسب حاجاتها وظروفها الإستراتيجية في ذلك الوقت، رحلت هذه القوى، إنما الخريطة بقيت، مع أن المفارقة الكبرى أن هذه الدول وجدت طرقا أفضل لرسم حدودها، في حين أن الدول العربية التي اقتطعت من السلطنة العثمانية مستمرة في حرق وتدمير نفسها.

خرائط بشار-نصر الله، هي النموذج النظري" السيئ" المتخيل لخرائط سايكس-بيكو، التي أنفت عن هذا التشكيل، والتي طالما دفعت شعوب الشرق أعمارها وحرياتها وثرواتها للابتعاد عن شبحها، الذي، ومن المفارقات الكبرى، أن فريق المقاومين والمانعين وحده من كان يبشر بها، وها هو اليوم يرسمها على جسد المشرق بسكين القوة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك