علي حسين باكير

علي حسين باكير

باحث ومحلل سياسي

يتعرّض لبنان منذ عام 2005 إلى مخاطر داخلية جسيمة تهدّد وحدة كيانه وتفتح الباب واسعا أمام انفجار الخلطة الطائفيّة الأكثر تدميرا في المنطقة، في ظل تآكل شرعيّة مؤسساته الواحدة تلو الأخرى بدءاً من موقع رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب والسلطة القضائية والأجهزة الأمنيّة، وأخيرا المؤسسة الوطنية الأولى الضامنة للأمن والسلم الأهلي وهي الجيش اللبناني.

شهدت مدينة صيدا اللبنانية من قرابة الأسبوع ونيف ما يمكن اعتباره 7 مايو/أيار جديدا. فمن ناحية الشكل، صُوّرت القضية على أنّها عملية عسكريّة للجيش اللبناني تستهدف القضاء على الشيخ الأسير وأنصاره كرد على الاعتداء الذي تعرّض له الجيش من قبل مجموعة تابعة للأسير، وفقاً للرواية المتداولة التي لم يتم إلى اليوم إعطاء تفاصيل واضحة ودقيقة بشأنها.

ما حدث في صيدا كان معركة متكاملة على الأرض بكل ما للكلمة من معنى، يقوم بها طرف ثالث ليس ضد الأسير وأنصاره فقط بل ضدّ أهالي المدينة على شاكلة ما حصل في 7 مايو/أيار 2008

وفي المضمون، فقد تبيّن أن الموضوع أكبر من هذا بكثير. إذ بيّنت التفاصيل التي أكّدتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من فيديو وصور إلى جانب شهادات أهل المدينة أنّ طرفا ثالثا كان يخوض معركة متكاملة على الأرض بكل ما للكلمة من معنى، ليس ضد الأسير وأنصاره فقط بل ضدّ أهالي المدينة على شاكلة ما حصل في 7 مايو/أيار من العام 2008، حينما اجتاح حزب الله وحلفاؤه المسلّحون بيروت والمناطق المحيطة بها، مع فارق أنّ الجيش الذي كان يتفرّج فقط على ما يقوم به هؤلاء آنذاك، تحوّل طرفاً في الموضوع اليوم.

بل هناك من يعتبر أنّه تم استخدامه من قبل حزب الله في هذه العملية لتصفية حسابات مع الأسير الذي كان بدأ منطقه يشكّل إزعاجا لحزب الله الذي يحرص على أن لا يتجاوز أحد في لبنان الخطوط الحمراء التي يرسمها.
انتشرت في البداية بعض الصور التي أُخِذت لهؤلاء المقاتلين وهم يرتدون زي الجيش اللبناني والمغاوير (القوات الخاصة) الرسمية، مع فارق أنّه يوجد إشارة صفراء على الكتف أو الزند.

وترافقت هذه الصور مع شهادات لمواطنين تمّ اقتحام بيوتهم من قبل هؤلاء العناصر، وآخرين تم تهديدهم وطردهم من أماكن سكنهم، بالإضافة إلى عمليات اقتحام وأسر وخطف وتحقيق جرت مع عدد كبير من المواطنين من قبل هؤلاء العناصر.

وبعد انتشار هذه الدلائل مترافقة مع شهادة لمجموعة من علماء صيدا كان قد تم التعرّض لهم ولبيوتهم وكراماتهم من قبل هذه العناصر، أنكر وزير الداخلية اللبناني أن يكون هناك أي جهة قاتلت مع الجيش اللبناني، ثم خرج وزير الدفاع بعده ليؤكّد ذلك نافيا مشاركة أي طرف ثالث في المعركة بين الجيش والأسير وعدد من أنصاره.

لكن عنصر الفيديو غيّر المعادلة مرّة أخرى، إذ انتشرت أشرطة تؤكّد بالصوت والصور مشاركة عناصر من حزب الله في هذه المعركة، وأشهرها شريط الفيديو الذي يظهر من يفترض به أن يكون عنصرا من عناصر الجيش اللبناني وهو يهتف "يا زينب" عند الإمساك بأحد أنصار الأسير، على غرار "يا حسين" عند احتلال القصير في سوريا. بالإضافة إلى شريط يظهر فيه عناصر مسّلحة ملتحية وهو أمر لا يُسمح به في الأجهزة الرسمية التابعة للدولة.

أكثر من ذلك، فقد قالت السيدة بهية الحريري شقيقة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي تم اغتياله عام 2005، إنّ حزب الله قام باحتلال التلّة المقابلة لمنزلها، وتعرض المنزل المقابل لإطلاق نار من هؤلاء العناصر في مشهد يماثل مشهد محاصرة حزب الله لمنزل سعد الحريري، وكذلك لمنزل وليد جنبلاط في بيروت في اجتياح 7 مايو/أيّار من عام 2008.

وسرعان ما أصدرت قيادة الجيش مديرية التوجيه بياناً يقول إنّ هذه الأفلام والصور مفبركة، مهدداً بملاحقة متداوليها، ومعللاً وجود مقاتلين ملتحين إلى جانب الجيش بأنّهم عناصر من الاستخبارات، دون أن يعلق على حالة "يا زينب" و"الإشارات الصفراء على الكتف" أو على شهادات المواطنين والمشايخ والمسؤولين. لكن تكشف حالات وفاة لمدنيين قضوا تحت التعذيب لدى استخبارات الجيش إعادة تصويب الغضب باتجاهه.

المفارقة أن المشاهد التي تثبت مشاركة عنصر ثالث في معركة الجيش وأنصار الأسير جاءت من قناة المنار التابعة لحزب الله، فيما يبدو أنّه رسالة غير مباشرة هدفها التأكيد على تنفيذهم العملية وعلى سياسة قهر الخصم وإذلاله وتدميره معنويا بحيث يرتدع هو ومن ورائه من تسوّل له نفسه التفكير في تحدّي حزب الله أو تعدي خطوطه الحمر في لبنان.

وقد بلغ الأمر بحزب الله أنّه، وبالتوازي مع إنكار وزير الداخلية ووزير الدفاع اشتراك أية عناصر مع الجيش اللبناني في هذه العملية، شيّع علناً أربعة من مقاتليه مانحا إيّاهم صفة الجهاد وهم يقاتلون المسلمين "استشهدوا أثناء قيامهم بواجبهم الجهادي في صيدا"!

كل ذلك أثار عددا كبيرا من الشكوك وطرح تساؤلاتٍ مشروعة في ظل هذه المعطيات. هل صحيح أن الأسير نصب كميناً للجيش واندلعت الاشتباكات على إثرها معه؟ أم أنّ الجيش نصب كمينا للأسير ليتخلّص منه؟ أمّ الصحيح أنّ حزب الله نصب كمينا للأسير والجيش معا؟

من دون إجراء تحقيق جدّي وحقيقي من الصعب الإجابة على هذا السؤال، إذ ستبقى الرواية غير دقيقة ومليئة بالثغرات الخطيرة مترافقة مع تساؤلات عديدة تطرح نفسها. لماذا وقع ما وقع قبل يوم واحد من التحذير الذي وجهه الأسير لحزب الله بضرورة إخلاء الشقق الأمنيّة التي زرعها في صيدا؟ وهل من الصدفة أن يقوم حزب الله بعملية موازية لعملية الجيش في نفس المنطقة والتوقيت وبلباس خاص بالجيش أيضا دون أن يكون قد أعدّ لذلك بشكل مسبق؟! وهل من المنطقي أن يرى جنود الجيش اللبناني النظاميين نظراءهم الذين يحملون شرائط صفراء ويغضوا النظر عنهم إذا لم يكن ذلك متفقا عليه بشكل مسبق؟

في المقابل لم نستمع إلى رواية الأسير أو أنصاره لحقيقة ما جرى وهو أمر ضروري لتبيان الحقيقة، لكن على فرض أن الرواية المتداولة حالياً صحيحة، وهو أمر لم يحسم بعد، قد يكون الأسير وقع في الفخ المرسوم له لافتعال مواجهة مع الجيش تضع الأخير في موقف لا يستطيع معه التراجع إلا بعد حسم ظاهرة الأسير، أو قد يكون الأسير قد وقع في خطأ في الحسابات عندما أغراه تزايد قوته وشعبيته بشكل لم يحسن معه قراءة حجمها الحقيقي واقعيا، خاصة أنّ أسلوبه ما قبل هذه الواقعة كان يعتمد الذكاء وليس القوة.

حزب الله يستخدم أجهزة الدولة المختلفة بما يخدم أجندته، وعندما لا تنصاع المؤسسة المعنيّة إليه يقوم بضربة تأديبية لها

وسواء كان فخاً محكماً من قبل حزب الله أو مخابرات الجيش أو خطأ من الأسير، فقد تم استغلاله سريعا من قبل حزب الله الذي وضع التيار العام السني في موقع حرج، إما أن يدعم السنّة الجيش وبالتالي يكون قد تم التخلص من الأسير وأنصاره، وبالتالي تم ضرب السنّة تيارا تلو الأخر بعدما تم ضرب الحريري في عام 2008.

وإمّا أن يقف السنّة مع الأسير ويتخلوا عن الجيش، وهو ما يتناقض مع الثوابت السنّية التي ترى أنّ الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي يجب أن تحتكر السلاح وتحمي السلم الأهلي، وهو موقف سيستغله حزب الله إلى أقصى درجة في أي استحقاق قادم ضد السنّة، وهو ما سيكون بمثابة انتحار لهم.

لا يوجد شك بأنّ حزب الله يستخدم أجهزة الدولة المختلفة بما يخدم أجندته، وعندما لا تنصاع المؤسسة المعنيّة إليه يقوم بضربة تأديبية لها. وهذا حصل لموقع الرئيس اللبناني ولموقع رئاسة الحكومة ولكيان البرلمان اللبناني والنظام اللبناني بشكل عام. كما أنّه من المعروف أنّ الحزب يستخدم أجهزة الدولة اللبنانية كرافعة له وداعم حينما يحتاج إليها، فالأمن العام اللبناني يُصنّف على أنّه مقّرب من حزب الله وكذلك استخبارات الجيش اللبناني وأجهزة أخرى، ناهيك عن المليشيات المساندة كسرايا المقاومة، وكلها تحظى بغطاء لا أساس شرعيا له من القوى الأمنية، أو أنّ القوى الأمنيّة تغضّ الطرف عمداً نظرا لتفوق حزب الله الساحق عليها.

التحليل المعمّق لما جرى يقودنا إلى أن ندرك أنّ الأمر أبعد من صيدا، وأنّ الأخيرة ليست استثناءً في معركة حزب الله داخليا وخارجياً. فحزب الله يراقب عن كثب كل المناطق السنّية في لبنان منذ 7 مايو/أيار عام 2008، وأشهر الأهداف المحتملة لعمله هي مناطق مثل طرابلس في الشمال، طريق الجديدة في بيروت، الناعمة على الطريق الساحلية الواصلة لبيروت، عرسال في البقاع.

ولأن جبهات حزب الله قد تعدّدت وتوزّعت وامتدت بشكل قد يهدد قدراته الذاتية، فهو حبّذ على ما يبدو أثناء انشغاله في الداخل السوري أن يجري "ضربة استباقيّة" للمناطق السنيّة في الداخل اللبناني لتحييدها ومنعها من إشغاله خلال مساندته للنظام السوري.

وإذ تؤكد تقارير عديدة بأنّ حزب الله رمى بثقله في الداخل السوري، وأنه اضطر أيضاً إلى سحب عدد من مقاتليه من مناطق إستراتيجية في الداخل اللبناني ليرسلها إلى الداخل السوري، وهو ما يعني أنّ الحزب لن يتمكن من الانخراط في معارك طويلة وعلى مساحات متباعدة في الداخل اللبناني ضدّ السنّة حتى وإن كانوا أضعف منه بكثير، لذلك فهو كان بحاجة على ما يبدو إلى حالة يستطيع من خلالها أن ينشئ الردع المطلوب، كما أنّه كان بحاجة إلى أداة يستطيع من خلالها التخفي دون أن يخفي في نفس الوقت أنّ الضربة هي ضربته من خلال ترك عدد من المؤشرات المكشوفة بشكل عمدي حتى تصل الرسالة بشكل واضح.

وفي هذا الإطار، يبدو منطقيا أنه فضّل الاعتماد على ما يسمى سرايا المقاومة بالإضافة إلى استخدامه -على ما يبدو- الجيش اللبناني لتلقين الحالات السنيّة في لبنان "درسا رادعا" يكفيه عن الانشغال بهم من خلال حالة الأسير.

أخطر تداعيات عملية صيدا التي قام بها حزب الله هو انضمام المؤسسة العسكرية الممثلة في الجيش الوطني إلى قائمة المؤسسات التي بدأت شرعيتها تتآكل، وإن كانت حتى الآن أكثر تماسكا من غيرها

لقد نجح حزب الله مؤقتا في تحقيق هدفه، لكنّ تكاليف هذه العملية كما تكاليف عملية 7 مايو/أيار 2008 كانت كبيرة وهي تتراكم الآن باتجاه الانفجار الكبير لدى الطائفة السنيّة. إذ تشعر الطائفة أنّها مستهدفة، بدءًا من اغتيال زعمائها التاريخيين وآخرهم رفيق الحريري، ومن ثم إذلال زعمائها اللاحقين ومنهم سعد الحريري، وبعدها قتل علمائها وكل من أراد أن يثير موضوع الظلم الذي تتعرض له، لا سيما من قبل حالة "الشيعيّة السياسية والعسكرية" التي يمثّلها حزب الله والتي ابتعلت الدولة ومؤسساتها.

والمفارقة أنّ قسماً من الغاضبين وجّه غضبه إلى قيادات الطائفة السنيّة المختلفة على اعتبار أنّه ما كان لهذه العملية أن تتم من دون غطاء سياسي وموافقة من قبل مراجعها المعنيين، أو على الأقل غض نظر، ومنهم سعد الحريري ونجيب ميقاتي ومفتي الجمهورية محمد قبّاني.

لكن أخطر تداعيات هذه العملية التي قام بها حزب الله على الصعيد الوطني هو انضمام المؤسسة العسكرية الممثلة في الجيش الوطني إلى قائمة المؤسسات التي بدأت شرعيتها تتآكل وإن كانت حتى الآن أكثر تماسكا من غيرها. وعلى عكس 7 مايو/أيار 2008 حينما عذر الناس الجيش اللبناني إزاء عدم قيامه بأي شيء لحماية المواطنين المعتدى عليهم، ناهيك عن تأمين الممتلكات العامة والخاصة وصد اجتياح حزب الله وحلفائه رغم شعور المواطنين بالذل والمهانة الكبيرة، إلا أنّ الموقف اليوم من الجيش يحمل علامات استفهام كبيرة لدى الطائفة السنيّة على وجه الخصوص، والتي باتت شريحة واسعة منها ترى أنّه يُستخدم كأداة لمواجهتها حصرياً.

وهذا ما يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرة حزب الله على استخدامه مرة أخرى كعصى غليظة لمواجهة خصومه في الداخل اللبناني، وعمّا اذا كان الجيش سيصمد أمام أي تحدي قادم من هذا النوع خاصّة أنّ معلومات تشير إلى أنّ حوالي نصف عناصر الجيش اللبناني هم من السنّة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك