علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

شكّل الحدث المصري الأخير التحول الأبرز في مسار الحراكات الجارية في بعض البلدان العربية التي شهِدت وما زالت تَشهد تحولات داخلية تتباين من بلد لآخر تبعا للظروف والمعطيات القائمة على الأرض.

لكن التحول المصري بدا هذه المرة وكأنه نتيجة صراع مرير بين اتجاهين فكريين سيطرا على المشهد العام داخل أرض الكنانة، التيار الإسلامي الرئيسي ممثلا بحزب حركة الإخوان المسلمين والتيار القومي واليساري العلماني وملحقاته، فهل يقع ما حصل في خانة العودة لصراع التيارين، أم أن القصة أكبر من ذلك وتتحدد باستمرار ذهنيات الإقصاء في عالم عربي ما زالت الديمقراطية غائبة عن حياة شعوبه أو فَجة وطرية وغضة في أحسن الأحوال، وأن المنطقة ما زالت مشبعة بروحية الانقلابات الدراماتيكية؟

مأساة الديمقراطية
من حيث المبدأ، كشف الحدث المصري الخلط واللغط الكبير في مفهوم الديمقراطية والشرعية لدى التيارات السياسية والفكرية في الأقطار العربية. فمأساة الديمقراطية في بلادنا العربية وفي معظم البلاد العالمثالثية أنها ما زالت إلى الآن دخيلة أو مستجدة في أحسن الأحوال على تلك المجتمعات التي شَهِدت تقلبات وانقلابات لأنظمة معظمها من طينة (العسكرتاريا)، وقد جاءت إلى مواقع السلطة والقرار بفعل الانقلابات العسكرية منذ استقلال تلك البلدان مع أفول عهد الاستعمار القديم مع نهاية حقبة الحرب العالمية الثانية.

الديمقراطية التي افتقدتها شعوب المنطقة منذ مطالع النصف الثاني من القرن الماضي، استعيض عنها على الدوام بديمقراطيات زائفة كانت صناديق الاقتراع فيها مكتومة ومغلقة مسبقا لصالح فريق متنفذ

فالديمقراطية التي افتقدتها شعوب المنطقة منذ مطالع النصف الثاني من القرن الماضي، استعيض عنها على الدوام بديمقراطيات زائفة (مع استثناءات محدودة : لبنان على سبيل المثال بمراحل من معينة من تاريخه المعاصر) كانت صناديق الاقتراع فيها مكتومة ومغلقة مسبقا لصالح فريق متنفذ، فيما كانت النتائج تأتي كما كان متوقعا لها لتقارب الكمال والاكتمال بنسب لا يمكن أن تأتي حتى في دول عريقة تمثل (أم الديمقراطيات في العالم) كبريطانيا، وفي الهند التي شكلت على الدوام في هذا المجال حالة استثنائية في منظومة الدول العالمثالثية.

إن ملخص ما حصل في مصر، وبعيدا عن توصيف الحالة وتفاصيلها، يؤكد ما ذهبنا إليه، فتكاليف الديمقراطية التي تأتي بنتائج حقيقية انطلاقا من شفافيتها ووضوحها ورقابة الناس عليها، ومن مشاركة الشعب بحرية في إبداء الرأي وفي اختيار ممثليه، هي تكاليف احترام العقل، والقبول بالآخر والسعي الدؤوب للحوار مَعَه وزجه في مشروع بناء البلاد والأوطان، والسعي معه لتوطيد الحوار العاقل والبناء وفتح مساحات التلاقي المشترك وفي بناء التعددية الرحبة وإرسائها، وفي تعميق خيارات الناس واحترام تلك الخيارات حتى لو كانت التباينات بين مختلف الفرقاء السياسيين والفكريين من النقيض إلى النقيض وبين مختلف التيارات التي يمكن لها أن تشارك بالمعركة الديمقراطية الحقيقية لتحديد خيارات الناس المجتمعية الاقتصادية والحياتية وحتى السياسية وفي رسم مستقبل البلاد لسنوات تالية، وبالتالي في تأصيل للفكر المؤمن بالتغيير عن طريق صناديق الاقتراع، والعمل السياسي السلمي بعيدا عن لغة العنف والإكراه أو تدخل مراكز القوى الأمنية والعسكرية.

الديمقراطية وروح البراغماتية
فالديمقراطية في هذا السياق في بلاد تتنافس فيها الأحزاب ذات المنابت السياسية والفكرية المختلفة تعني روح البراغماتية التي تجمع بين الخاص والإصرار على مشاركة الآخرين ودعوتهم للحوار وبناء الحالة الجامعة، ومحاولة  تقديم شيء أخر للناس، وبعيدا عن سياسية رجم الآخرين بكل السلبيات.

كما تعني الدستور الديمقراطي، وتمفصل السلطات، وسيادة القانون، ومأسسة الدولة، وحقوق الإنسان، وبرامج التنمية البشرية والاقتصادية والسياسية، فهي أمور لا يمكن غض الطرف عن عدم وجودها في بناء وإرساء عملية ديمقراطية حقيقية في بلاد عربية وعالمثالثية كانت وما زالت بمعظمها منكوبة بأنظمة العسكرتاريا والفردية والتسلط.

إن مأساة الديمقراطية أنها لا تنمو نمواً طبيعيا أو سلسا ولو بحدود مقبولة في بلاد ملوثة بالتصحر السياسي والتعددي الحقيقي، وسيطرة الدكتاتوريات العسكرية وحكم الفرد والمجموعات الضيقة، بل يكون نموها في هذه الحال وعلى الغالب نموا مشوها، يشبه إلى حد بعيد تشوه الأجنة في رحم تلوث بسقوط الأشعة السينية (أشعة إكس) عليه.

تكاليف الديمقراطية
إن تكاليف الديمقراطية باهظة وقاسية، فمن يريد صندوق الاقتراع عليه أن يقبل بنتائجه بغض النظر عن الرغبات الذاتية أو الإسقاطات المسبقة، وهي عملية تحتاج لتعميق باستمرار ولا يمكن تجزئتها واختصارها.

الانقسام الحاد في الشارع المصري يكاد يكون مستحكما حال بقيت القوى المصرية ومنظوماتها الحزبية بعيدة عن روحية الانفتاح بعضها على بعض وعن روحية العمل المشترك

فهي تتطلب تربية وتعميقا ليس للناس في الشارع بل عند عموم القوى السياسية والحزبية التي تَعِيش في غالبيتها ومن كل التيارات والتلاوين الفكرية حالات من الاستبداد الداخلي وسيطرة الفرد أو المجموعة الضيقة على القرار السياسي والتنظيم لهذا الحزب أو ذاك، فغياب الديمقراطية في عموم أحزابنا بتلاوينها السياسية والفكرية في عالمنا العربي يشكل (قمة المآسي) في الحالة السياسية والتنظيمية لعموم أحزابنا.

ووصلت الأمور إلى حدود أن اختلف أصحاب التيارات الواحدة في عالمنا العربي، اختلفوا في داخلهم، فأنشؤوا عدة أحزاب وإطارات، واختلف كل حزب جديد بمن فيه، فحدث الانشطار والتفكك، لتبدو الأمور وكأن الانشقاقات التي تتحول إلى تشرذم ليست سوى تعبير فج عن الثمن القاسي لممارسة السياسة في ظل غياب الديمقراطية بل وغياب التربية الديمقراطية داخل منظومات أحزابنا العربية.

في هذا السياق، بات الانقسام الحاد في الشارع المصري مثيرا للقلق على مصير البلاد، فالانقسام الأفقي والعمودي واسع ويكاد يكون مستحكما حال بقيت القوى المصرية ومنظوماتها الحزبية بعيدة عن روحية الانفتاح بعضها على بعض وعن روحية العمل المشترك، فمن يفكر بعقلية إقصائية استئصالية اجتثاثية لن يحصد سوى الخيبة والنتائج السلبية في نهاية المطاف، لتصبح الأوطان معرضة لأخطار جسيمة مدوية لا تذر ولا تبقي.

ضريبة التحدي الديمقراطي
إن الحلول الديمقراطية تقول بقبول النتائج الحقيقية التي أفرزتها نتائج العملية الديمقراطية، بغض النظر عن الرغبات لأي طرف من الأطراف (فالقبول بالتحدي الديمقراطي الحضاري يتطلب ضريبة يجب أن تدفع بقبول الآخر) وفي الوقت نفسه استكمال تلك النتائج بالقبول في إرساء التشاركية وفقا لحضور تلك القوى كما أشارت نتائج ومعطيات العملية الانتخابية الديمقراطية بالنسبة لحضور مختلف القوى ونفوذها على الأرض، وتكريس التشاركية بين مكونات المجتمع المتباينة في منابتها الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تتيح للأفكار أن تتلاقح وأن تتطور في مسار بناء البلاد والأوطان، وإلا فالبديل هو الاحتراب الداخلي المقيت والصراع العدمي وعودة مجموعات العسكرتاريا، وحدوث الانقلابات على الشرعيات الدستورية وإجهاض عمليات الدمقرطة ووأد المساعي الهادفة لتعميق الديمقراطية وتكريسها في بلدان عاشت وما زالت تعيش حالات من التصحر في هذا الميدان.

يخطئ تماما من يعتقد أن التيارات السياسية والفكرية ستحدث انقلابا دراماتيكيا كاملا في برامجها وسلوكها وتوجهاتها حال صعودها لمواقع متقدمة عن طريق صندوق الاقتراع

وعليه، يحتاج الانقسام الشعبي الحاصل في مصر إلى حلول سياسية إبداعية تعتمد الحوار والديمقراطية وإيثار المصلحة الوطنية واحترام الحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان، واجتراح الحلول التوافقية لمعضلات الواقع الصعب لمصر التي تحمل إرثا ثقيلا من الأعباء التي تركها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك طيلة ثلاثة عقود من فرضه بسلطة القرار في مصر.

أخيراً، يخطئ تماما من يعتقد أن التيارات السياسية والفكرية ستحدث انقلابا دراماتيكيا كاملا في برامجها وسلوكها وتوجهاتها وفي اشتقاقاتها حال صعودها لمواقع متقدمة عن طريق صندوق الاقتراع، وإلا فستفقد عندها هويتها.

ومن هنا نقول بالتشاركية، فالتحول البرنامجي المطلوب للعمل اليومي في رؤية المنظومات السياسية الصاعدة على السلم الديمقراطي لقضايا البلاد والعباد يحتاج دوما لعملية إنضاج لا تقوم على التحليل والمماحكة النظرية فقط كما يدعي البعض من أساطين التنظير، بل يحتاج إلى التحليل المنطلق من التجربة المعيشة وإرهاصاتها المتتالية، وعليه فإن تجربة الشهور القليلة الماضية استطاعت أن تدفع نحو الاستدارة المعقولة، بهدف استيعاب معطيات الواقع والبناء عليها لتوسيع فضاءات العمل التشاركي الائتلافي والتي تم وللأسف صدها في مهدها في حالة مصرية ليست ببعيدة عن معمعان التدخلات والتداخلات الإقليمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك