عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

عندما قامت الثورة وبدأت المرحلة الأولى بعدها في 11 فبراير/شباط تحت حكم المجلس العسكري حاولت مصر أن تنهض فتعثرت، ثم حاولت مرة أخرى بعد انتخاب الرئيس الأول ولكنها تعثرت، وها هي للمرة الثالثة تحاول النهوض وتهيئة الأوضاع لترجمة أهداف ثورة 25 يناير إلى حقائق على الأرض. ولذلك أردنا بهذه المقالة أن نحيط هذه المحاولة بكل الضمانات لنجاحها، لأن مصر لن تحتمل سقوطا جديدا، ركزنا على أهم الدروس اللازمة للمرحلة الجديدة وعلى أهم التحديات التي يجب الالتفات إليها.

فلا يجوز أن تمر أحداث الثورة على الدكتور محمد مرسي دون دراسة وتأمل واستخلاص للعبر. ولكن هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر ما بعد الثورة لا تتسع الآن لتقييم شامل، ولكن يكفي أن نشير في هذه المقالة إلى مجموعتين من الملاحظات، المجموعة الأولى تتعلق بأهم الدروس الفورية وهي أربعة:

الحاكم في مصر لا بد أن يركز على التواصل مع الشعب وتحقيق الإنجازات المعيشية وإشراك الشعب في القرارات والحسم وعدم التردد فيها بعد دراستها والحزم الكامل في تنفيذها

الدرس الأول أن الحاكم في مصر لا بد أن يركز على التواصل مع الشعب وتحقيق الإنجازات المعيشية وإشراك الشعب الذي يعني الآن الشارع، وهو يفوق البرلمان في القرارات والحسم وعدم التردد فيها بعد دراستها والحزم الكامل في تنفيذها. صحيح أن الدكتور مرسي لم يكن يملك أدوات السلطة من الناحية العملية، ولكن ضعف الإدارة والتركيز على سلامة القصد دون الالتفات إلى ما يحدث في الشارع فوت الكثير من الفرص الثمينة فضلا عن الأخطاء القاتلة التي لا مبرر لها وخلق حالة من التوتر بين أجهزة الدولة تحلها السياسة وليس معايير الصحة والخطأ.

الدرس الثاني أن الشارع المصري الذي دعم الرئيس في البداية بدا عند عزله وكأنه شارع آخر، ولذلك فإن الشارع اليائس يسهل التأثير عليه.

والدرس الثالث هو أن مصر كما نقول دائما تمصر كل شيء ولها طابع خاص، ولا بد من التعامل مع متعدد في كل شيء. وقد يكون من المبكر أن نقول إنه لا يمكن ضمان الشارع بالتمني وباعتباره قضية مسلمة، لأن عدم احتواء السلطة له مهما كانت أسبابها خلق مناخا مريحا لكل الاتجاهات.

الدرس الرابع هو أن الحكم فن وله مهاراته، خاصة بعد ثورة فتحت مسام الشعب ومنحته حريات غير مسبوقة، ولذلك يحتاج إلى نوعية خاصة من الحكام للتعامل معه، أهم خصائص هذه النوعية أنها تبعد الدين عن مجال السياسة، وتعمل بأسباب الدنيا مع شعب عرف التوحيد والإيمان بشكل تلقائي، ولذلك احتضن كل رسالات السماء، ولكنه دافع عن جوهر الدين وهو حرية الاعتقاد مع مراعاة مختلف الثقافات والشرائع والسلوكيات, ولعل الفراعنة هم أول من اهتدى إلى هذه الحقيقة، فكان شعارهم "عيش ودع غيرك يعيش".

الدرس الخامس هو أن مصر بحاجة إلى نخبة سياسية قوية وإلى أن يركز الحاكم على الاحتياجات البيولوجية مع الكرامة ولكن مع العقل والثقافة، فنحن بحاجة إلى العقل والحرية معا، ولا يمكن الفصل بينهما، ولهذا السبب سوف نشرع للإعداد لثقافة المجتمع في جميع المجالات، لأن الاستبداد والخرافات لا تزدهر إلا في حالات تعطيل العقل وفساد القدوة.

هذه المقدمة تقودنا إلى ضرورة الإسراع في التنبيه إلى التحديات التي تواجه المجتمع الذي حاول أن ينطلق نحو الديمقراطية والرخاء، ولكنه لم يتمكن بسبب ضعف القيادة وإتاحة الفرصة لقوى مناهضة لتقدم المجتمع، مما جعل لشعارات الخروج على الحاكم بريقا عند الناس، وفي هذه النقطة لا بد أن تجري جماعة الإخوان المسلمين تقييما موضوعيا منصفاً لكل شيء, لأن التحدي الأول الذي واجه المرحلة الجديدة بعد فشل تجربة أول رئيس منتخب هي ضرورة البحث عن قواسم مشتركة لشركاء المرحلة الجديدة التي لا يجوز أن تنفي أحدا في تشكيل أسس الحوار المؤدي إلى المصالحة الجديدة.

إذا كان الحكم قد أخطأ وعجز فلا بد لكل الشركاء أن يدرسوا بأمانه وحرية سبب هذا العجز، ولا يجوز أن يكون فشل النظام السابق سببا في عدم احترام القانون أو الحيف على حقوق الجميع إذا أردنا مصالحة حقيقية.

التحدي الثاني هو تشكيل وإنجازات الحكومة الجديدة، لأن ذلك سوف يدخل مقارنة عفوية بينها وبين الحكومات السابقة.

إذا كان الحكم قد أخطأ وعجز فلا بد لكل الشركاء أن يدرسوا بأمانه وحرية سبب هذا العجز ولا يجوز أن يكون فشل النظام السابق سببا في عدم احترام القانون أو الحيف على حقوق الجميع

التحدي الثالث هو الأمن والحالة النفسية للمجتمع المصري وتخفيض الأسعار وتوفير الاحتياجات وتشغيل الشباب، وكذلك نشر الثقافة القانونية والعامة في المجتمع قبل إعادة الكرة لبناء النظام السياسي الجديد، ولذلك نأمل أن تنضج المشاعر والعقول قبل إجراء الانتخابات القادمة في البرلمان والرئاسة وإعادة الاعتبار لقيمة نتائج الصندوق، ولا بد أن يفهم الحاكم أن قدسية الصندوق لا بد أن تتكافأ مع فعالية الأداء والإنجاز.

التحدي الرابع هو أنه لا يجوز الخلط بين كل من أجرموا في حق الوطن والذين شاركوا في ثورة الشعب المصري على مبارك وعلى نظام الإخوان المسلمين، فالأولى ثورة على الفساد والثانية ثورة على العجز وعدم الإدراك الحقيقي بطبيعة المصريين، وفي كل الأحول فإن الثقافة لا بد أن تسبق الديمقراطية، فلا يمكن أن تستقر مؤسسات الديمقراطية إذا لم تغمرها ثقافة ديمقراطية عند النواب وعند الناخبين.

التحدي الخامس ضرورة التوفيق بين حتمية الإسراع بإنهاء هذه المرحلة الاستثنائية وضرورة نضج الإجراءات المؤسسة لما بعد هذه المرحلة. والتحدي السادس يتعلق بترتيب أولويات المرحلة، وهي الدستور أولا، ولكننا نحذر من استغلال الثورة الجديدة على الإخوان المسلمين للتنكيل بهم أو بغيرهم أو أن يمتد السخط على التيار الإسلامي بأكمله، أو أن يتم العبث ببعض الأحكام الأساسية في الدستور، على افتراض أن الذين يدافعون عن هذه الأحكام قد انفض جمعهم وذهبت ريحهم، لأن الدستور لا يجب أن يوضع على أساس توازن القوى في لحظة معينة، وإلا تغير الدستور مع كل تغيير لهذا التوازن.

وأعتقد أنه يجب أن ننظر بعين الاعتبار إلى الظروف التي وضع فيها الدستور والمعارضة الإعلامية له، بحيث تركت انطباعا قويا عند الشعب الذي لم يقرأ معظمه هذا الدستور بأن الدستور من صنع الإخوان المسلمين وألصق الإعلام به الكثير من الصفات، كما برر نسبة 64% الذين أيدوا الدستور رغم الدعاية القوية ضده بأنه من صنع التيار الإسلامي، وكأن التخلص من هذا الدستور أحد مكاسب هذه الثورة.

والمشكلة الحقيقية في هذا الدستور هي أنه قرئ للناس في إطار الحرب الباردة بين المعارضين والسلطة، ولذلك يجب أن يقوم بتعديل الدستور لجنة من المتخصصين والشخصيات العامة التي تضمن للدستور موضوعية تتجاوز الظرف السياسي الذي يتم فيه التعديل، وهو ظرف مناقض تماما للظرف الذي وضع فيه.

ونصيحتي هي أن يدرّس الدستور لهذا الشعب بشكل موضوعي، ثم تتم المناقشة فيه بشكل علني حتى يستفيد المصريون من الثقافة الدستورية ومن الفكر الدستوري الذي تشكله المناظرات والمحاورات، لأن وعى المصريين وثقافتهم هي الصمام الواقي لعدم الخروج على الدستور وضمان احترامه من الحاكم والمحكوم.

تلك نظرة أولى لما حدث وتحذير لما قد يحدث، ولذلك فإننا نعيد في نهاية هذا المقال التأكيد على الدروس المستفادة التي أشرنا إليها، والدروس الأخرى التي يجب استخلاصها عندما يحين الوقت لتقييم ما حدث وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.

ويتصل بهذه الدروس التنبيه إلى التحديات، فلا يمكن أن نكرر الأخطاء، ومصر لا تحتمل مزيدا من التجارب، ولهذا لا بد من الحذر عند اختيار الأشخاص وعند رسم القواعد. فلا يجوز أن تظل مصر بعد الثورة في مرحلة انتقالية تلغي أجهزتها بعضها بعضا أو تنحرف بعض الأجهزة أو تتورط، وأخشى أن يكون الجيش المصري هو المستهدف في هذه المرحلة بعد أن صفيت الجيوش العربية الأخرى، وهى ظاهرة نبهنا إليها، فلا نريد للجيش أن يدخل في عمليات استنزاف، كما لا نريده أن يرتكب ما يستحق المؤاخذة، ونأمل أن يكون الجيش والشرطة يدا واحدة ضد الخروج على القانون والإجرام وتهديد الأمن، وألا يتم المساس بالحريات لأي فصيل، لأن ثورة 25 يناير منحت هذه الحريات، فلا يجوز لثورة الاحتجاج على نهج معين في الحكم وتصحيح مسار الثورة الأولى أن يجور على الحريات والحقوق التي كانت تنتظر التقنين والحماية.

فتح حوار موضوعي حر حول قضايا المصالحة وقضايا الدستور دون قهر أو تحيز داخلي أو خارجي وأن نضع في أذهاننا جميعا أن مصر أمانة في أعناق أبنائها المخلصين

أكرر التنبيه إلى دقة عملية المصالحة ودقة مراجعة الدستور، كما أؤيد فتح حوار موضوعي حر حول قضايا المصالحة وقضايا الدستور دون قهر أو تحيز داخلي أو خارجي، وأن نضع في أذهاننا جميعا أن مصر أمانة في أعناق أبنائها المخلصين، ولن تكون فريسة للمتآمرين والمندسين بين الصفوف في الجنازات والحفلات، فنحن ممن يحرسون المؤشر الوطني المصري وسط هذه الأنواء المتلاطمة والتيارات العنيفة.

فقد عارضنا فساد نظام مبارك وأيدنا النظام الجديد، وارتبط التأييد بآمال كبار، ثم بذلنا النصيحة المخلصة والنقد الموضوعي في الجلسات الخاصة والإعلام، وقدرنا أن ميزان المصلحة الوطنية يتطلب شجاعة الإفصاح.

فمن أجل مصر عارضنا نظام مبارك بكل أدب، ومن أجل مصر اعترضنا على منهج الحكم في العهد الجديد، وسوف نواصل الإمساك بميزان المصلحة الوطنية في الوقت الراهن ما دمنا لا نريد سوى مصلحة هذا الوطن، وهي سمه دائمة نفخر بأنها من أهم معالم تاريخنا، فالحب والكراهية في الوطن ولمصلحته دون غيرها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك