مرح البقاعي

مرح البقاعي

شاعرة وإعلامية وأكاديمية سوريّة


ما حجم الدعم الذي قدّمه المجتمعان العربي والدولي للثوار السوريين وقضيتهم التحرّرية في مواجهة ما يناله النظام السوري من حشد وتمكين منقطعي النظير، بالأفراد والعتاد والأسلحة والأدوات الدبلوماسية والسياسية، ومن دول هي صاعدة في سلم القوى الكبرى؟

وما سبب انجرار الثورة السورية إلى مواقف تقارب المواجهات المذهبية والطائفية التي كان أول من بشّر بها، ومنذ الأشهر الأولى للثورة، المستشارة السياسية لبشار الأسد وربيبة والده حافظ الأسد المدللة، بثينة شعبان، وقد حذرت من الاقتتال الطائفي حين كان المتظاهرون يرفعون زهر القرنفل وغصون الزيتون والريحان في داريا وحمص وحماة؟

وما أهمية دور المعارضة السورية المنكفئة على حساباتها الخاصة تسيّرها أجندات إقليمية ودولية مرة، وتغلب عليها المصالح الحزبية الضيقة والمواقف الشخصانية مرات، في مجريات الواقع السوري المتعاظم في تعقيداته السياسية؟ ولماذا لم تستطع مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري حتى تاريخ كتابة هذه السطور أن تدفع باتجاه تطبيق القوانين الدولية لحماية المدنيين في زمن الحرب وأهمها مبدأ "مسؤولية الحماية" R2P؟!

ضعف أداء المواطن الأميركي فيما يخص المساعدات لسوريا مرده إلى ضعف الإعلام العالمي والأميركي في نقل الصورة الحقيقة لمعاناة الشعب السوري في وجه آلة النظام المدججة بالمال والسلاح والدعم الروسي الإيراني المزدوج

عشرات الأسئلة تجول في الرأس حين يطالعنا كل صباح مشهد الدم المنفلت في سوريا من شريانها المفتوح، المشهد الذي يتعثر به يومنا ويتشنج من هوله جهازنا العصبي وتنقبض لقسوته الأرواح والأسارير.

فالكارثة الإنسانية السورية المترتبة على مرور ما يقارب العامين من العنف الممنهج والهمجي الموجه من النظام السوري نحو هذا الشعب الذي لاحول له ولا قوة، هذه الكارثة هي من كبائر المصائب البشرية التي عرفها المجتمع الإنساني في التاريخ المعاصر.

ففي بلد يبلغ تعداده السكاني نحو 22 مليون نسمة أمسى سبعة ملايين من مواطنيها بحاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة، و4.25 ملايين نازحون داخل سوريا و1.6 لاجئون في دول الجوار والعالم، هذا إلى جانب ما يزيد عن 100 ألف شهيد و200 ألف معتقل ومفقود، و400 ألف معوق جسديا نتيجة إصابات أثناء الأعمال القتالية. تشير هذه الأرقام والإحصاءات الصادمة إلى أن حجم الكارثة في سوريا يتفوق على أعتى الكوارث الإنسانية في العالم بما فيها كارثة حرب دارفور.

وفي نظرة إلى استجابة المجتمع الأميركي للحاجة الإنسانية الملحة والعاجلة في سوريا مقارنة باستجابته السريعة، بالمساعدة المادية والمعنوية لكوارث أخرى في العالم، نجد في التقرير التي نشرته منظمة أوكسفام مؤخرا، وهي منظمة جامعة لـ17 مؤسسة في العالم تعمل من أجل القضاء على الفقر وتقديم المساعدات في المناطق المنكوبة، نجد إجابة عن سبب ضعف الرأي العام الأميركي في تجاوبه مع حاجة الشعب السوري المنكوب.

يفيد التقرير بأن أوكسفام أميركا تمكنت من جمع مبلغ متواضع من التبرعات الشعبية الأميركية بغرض توجيهها كمساعدات إنسانية إلى سوريا لم يتجاوز 140 ألف دولار، بينما نجحت بجمع مبلغ 29 مليون دولار لضحايا زلزال هاييتي في العام 2010، و4 ملايين دولار في السنة من أجل مساعدة دارفور، ومبلغ 3 ملايين دولار لمتضرري فيضانات باكستان في العام 2010.

ويرى التقرير أن ضعف أداء المواطن الأميركي فيما يخص المساعدات لسوريا مرده إلى ضعف الإعلام العالمي والأميركي في نقل الصورة الحقيقية لمعاناة الشعب السوري في وجه آلة النظام المدججة بالمال والسلاح والدعم الروسي الإيراني المزدوج.

يشكل هذا الأمر دلالة موضوعية لأسباب التقاعس الأميركي الرسمي عن التدخل المجدي لمصلحة الثورة السورية ودعمها!

سياسيا فقد وجدت أميركا نفسها ملزمة بدعم الائتلاف السوري المعارض على "عَجَرِه وبَجَرِه" من أجل خلق بديل سياسي للمرحلة الانتقالية في حال سقوط النظام أو تنازله عنها كنتيجة ممكنة لمفاوضات جنيف2

فهو -أي الموقف الرسمي الأميركي- لم يخضع حتى الآن لضغط شعبي يفرض على الكونغرس، وبالتالي على البيت الأبيض، تعزيز موقفه من الثوار ودعمهم مباشرة بالسلاح أو بإقامة مناطق حظر جوي في الأراضي المحررة من الشمال السوري. هذا ناهيك عن الفشل الذريع للمعارضة السورية في التواصل مع أصحاب القرار في الولايات المتحدة خاصة، والمجتمع الدولي عموما، وعدم قدرتها على تشكيل لوبي سوري ضاغط يتابع المستجدات مع صانعي القرار الدولي ويحثهم على تفعيل أدائهم باتجاه نصرة الشعب السوري الكليم.

رماديون في جسم الائتلاف
قال لي أحد المسؤولين الأميركيين المعنيين مباشرة بالملف السوري إن سوريا بحاجة إلى تريليون دولار من أجل إعادة بنائها، هذا ناهيك عن حجم المعونات اللازمة في مجال الإغاثة الطبية والاجتماعية والنفسية أيضا. فمستوى العنف الذي مورس ويمارس في سوريا سيؤدي حسب تقرير منظمة اليونيسيف إلى ضياع جيل سوري بأكمله.

وأردف هذا المسؤول ليتحدث بإسهاب عن الفرصة الأخيرة للشعب السوري التي يهيئها مؤتمر جنيف2 في محاولة أممية لوقف العنف المنفجر في سوريا وتجنيب سوريا وإقليم الشرق الأوسط تداعيات مواجهات مذهبية وطائفية قد تطول لعقود وتحصد في طريقها الأخضر قبل اليابس.

فما فرص نجاح مؤتمر جنيف2 في ظل تعنت النظام وعودته بقوة إلى الحالة العسكرية الهجومية على الأرض بعد أن كان في موقع الدفاع عن نفسه في وجه ضربات الجيش الحر الموجعة؟

ولماذا يريد المجتمع الدولي أن يدخل إلى المؤتمر طرفان ضعيفان: الأول (المعارضة) بسبب تجفيف موارد السلاح عن جناحها المقاتل، والثاني (النظام) إثر الضربة الإسرائلية بضوء أخضر أميركي التي تلقّاها مؤخرا على مواقع سيادية حساسة في دمشق؟

وهل فعلاً ستحضر إيران جلسات المؤتمر بناء على رغبة روسية، أم أن قطب الخارجية الأميركية، الوزير جون كيري، سيحول دون حضورها بقوة كون المشروع هو"مشروعه بامتياز" -كما أخبرني مسؤول مقرّب من كيري- وبالتالي سيكون هو من سينفرد برسم خريطة طريق المؤتمر دون الاستجابة لضغوط الدول الكبرى المشاركة.

الملاحظ أن شرط المعارضة بتنحي بشار الأسد قبل المباشرة بأعمال جنيف2 قد انخفض سقف المطالبة به قليلا بعد أن طالت التوسعة جسم الائتلاف لتسمح -بعد مساومات شخصانية بين أعضائه- بدخول أعضاء جدد من "الرماديين"

تقف الولايات المتحدة متلكئة وعاجزة أمام تعقيدات المشهد السوري ودمويته، وهي في معرض بحثها عن مخرج للأزمة السورية لم تجد سوى تقديم الدعم الإنساني الإغاثي، والتي كانت في المقدمة منه عالميا، حيث وصل حجم الدعم الأميركي إلى 234 مليون دولار شمل الأغذية والاتصالات والمواد الطبية والمعدات العسكرية غير القتالية.

أما سياسيا فقد وجدت أميركا نفسها ملزمة بدعم الائتلاف السوري المعارض على "عَجَرِه وبَجَرِه" من أجل خلق بديل سياسي للمرحلة الانتقالية في حال سقوط النظام أو تنازله عنها كنتيجة ممكنة لمفاوضات جنيف2، والأمران مستبعدان بشدة في غياب أي احتمال لقيام أميركا وحلفائها بضربة عسكرية قاسمة تودي به إلى مقبرة التاريخ.

سارع النظام السوري إثر التقدم الذي يحققه على الأرض مدعوما بقوات النخبة من مليشيات حزب الله وبالأسلحة المتطورة التي تزوده بها روسيا، وآخرها وليس أخيرها منظمومة S300 للدفاع الجوي الأحدث في عداد السلاح الروسي، سارع إلى قبول الذهاب إلى جنيف معززا بالنظرية المبنية على واقع الحال أنه لا يوجد ما يخسره من خلال مشاركته في المفاوضات.

هذا على عكس حال المعارضة السورية، بقوامها السياسي المنخور والمترهل، والتي في حال خسارتها لجولات المفاوضات تكون قد فقدت على قربان جنيف زخم الدعم الدولي الأممي ودعم دول أصدقاء سوريا لها، وبالتالي أسباب استمرارها ودواعيه، مما سيودي إلى ضعف كبير في مفاصل الائتلاف ويعود به إلى مربعه الأول على ضعف أدائه وانحسار تأثيره ميدانيا ودوليا.

أما الشروط التي يضعها الطرفان قبل الذهاب إلى المفاوضات فتبدو تعجيزية من وجهة نظر كلا الطرفين.

فآخر الشروط التي وضعتها المعارضة تتمثل بانسحاب حزب الله من القصير ومحيط دمشق حيث تمادى المد الإيراني، بواسطه ذراعه العسكري، مدعيا حماية مراقد آل البيت، بينما اشترطت طرف النظام الدخول إلى المفاوضات بشرط بقاء الأسد ومنظومته!

والملاحظ أن شرط المعارضة بتنحي بشار الأسد قبل المباشرة بأعمال جنيف2 قد انخفض سقف المطالبة به قليلا بعد أن طالت التوسعة جسم الائتلاف لتسمح بعد مساومات شخصانية بين أعضائه- بدخول أعضاء جدد من "الرماديين" الذين ما فتئوا يتأرجحون بين صفي النظام والثوار وينتظرون مواقع لهم في السلطة بغض النظر عن تبنيهم لأهداف الثورة وأفكارها فيما يمكن أن نطلق عليهم: سياسيي المصادفة التاريخية!

الإجراءات الدولية الخجلى إنما تضع المعارضة أمام أمر جنيف الواقع وتجعل من السهل إدارة قرارها من قبل الدول الـ11 للتدخل المباشر من خلال تسليح فوري للمعارضة

مجموعة الـ11 وأمر جنيف الواقع
ليس سرا أنه في تاريخ 2-8-2012 وإثر الفيتو المزدوج (الصيني-الروسي) الذي حال دون استصدار قرار أممي في مجلس الأمن لمعاقبة النظام السوري في ذاك الوقت، تقدمت برسالة إلى المملكة العربية السعودية عن طريق سفارتها في واشنطن من أجل دعم تأسيس مجموعة دولية لحماية الشعب السوري من همجية الآلة العسكرية والأمنية للنظام السوري، يطلق عليها مجموعة أصدقاء سوريا، وتتلخص مهامها في نقاط ثلاث هي:

  • 1- توجيه المساعي الدولية لدعم الثورة السورية ومساعدة الثوار على تحقيق أهدافهم المشروعة والعادلة.
  • 2- تأمين منصة دولية لتنسيق الرد الدولي على الأزمة السورية المتفاقمة التي إذا لم يتم احتواؤها بشكل عاجل فستشعل المنطقة بأسرها وتدخلها في دوامة من العنف والعنف المضاد.
  • 3- توفير أرضية مشتركة ضمن مظلة المجتمع الدولي للتواصل والتنسيق مع أطراف المعارضة السورية كافة من أجل تحقيق أهداف الثورة. وتابعت الأمر مع مجموعة دول خليجية وجامعة الدول العربية والولايات المتحدة وفرنسا، وانضمت جهود إقليمية ودولية لهذا المسعى إلى أن رأت المجموعة النور.

إلا أن ضبابية رسائل المعارضة وانفراط عقد خطابها وابتعاده عن العمل بدلالة المصلحة العامة انعكس سلبا على أداء مجموعة أصدقاء سوريا الذي بقي يراوح في حدود الممكن بعيدا عن التصعيد الأممي الذي كان من شأنه أن يحقّق انقلابا نوعيا في المعادلة السورية المرتبكة.

وتراجع عدد الأصدقاء من 134 إلى 11 دولة فاعلة أطلق عليها اسم مجموعة الـ11.

ومن الإنجازات المتواضعة لمجموعة الـ11 أن أقر الاتحاد الأوروبي في 27 مايو/أيار رفع الحظر عن تسليح المعارضة من الدول التي ترغب بالتسليح وتأجيل تنفيذ هذا القرار إلى ما بعد جنيف2 من أجل إعطاء فرصة للعملية السياسية أن تأخذ مجراها.

أما لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي فقد صادقت في 21 من الشهر نفسه على قانون "دعم الانتقال في سوريا" لتقديمه إلى الكونغرس، والقانون يفتح الطريق لتقديم دعم قتالي وزيادة الدعم غير القتالي لمجموعات في المعارضة السورية المعتدلة خضعت "للكشف الأمني"، حسب المعايير الأميركية.

هذه الإجراءات الدولية الخجلى إنما تضع المعارضة أمام أمر جنيف الواقع وتجعل من السهل إدارة قرارها من قبل الدول الـ11 الراعية، في غياب أي إرادة أميركية للتدخل المباشر من خلال تسليح فوري للمعارضة يضمن رجاحة كفتها العسكرية، مما يساعدها على اتخاذ مواقف أكثر صلابة في المفاوضات، أقلّها رفض استمرار بشار الأسد في الحكم إلى حين انتهاء فترته الرئاسية في العام 2014.

صرح رئيس الأركان الأميركي، الجنرال مارتن ديمبسي، غير مرة، بأن خطط البنتاغون غدت جاهزة للتدخل المباشر الأميركي في حال فشلت لغة السياسة والضغط الاقتصادي والدبلوماسي في وقف العنف المستشري في سوريا.

فهل باستطاعة الرئيس أوباما أن يأخذ القرار الصعب في تأمين حظر جوي في أجواء سوريا إذا ما فشل جنيف2؟ وما درجة استعداد إدارته لتقويض تلك العلاقة المضمرة والضمنية بينها وبين إيران، التي تتبدى جلية في سياسة العصا والجزرة حين يتعلق الأمر بالمشروع النووي الإيراني وأوراق المساومة عليه؟!

هي أسئلة نتركها مشرعة إلى التاريخ القريب الذي لا يحمل -للأسف- أملا ولاعزاءً للشعب السوري الكليم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك