توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

لو أن قاتلا ذبح امرأة كل ثلاثة أسابيع في أي بلد, لاستنفرت كل أجهزة الأمن ولأصبح حديث كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية. هذا القاتل موجود في الأردن, وخطورته مضاعفة لكونه ليس واحدا بل قتلة متعددين, بمعنى أن إلقاء القبض على القاتل لا يوقف مسلسل الجرائم بل على العكس هو يشجع عليها, ببساطة لأن القاتل لا يعاقب, ما أوجد مؤيدين لتلك الجريمة.

ففي دراسة حديثة أجرتها جامعة كمبريدج في الأردن, نصف العينة من الذكور وخمس العينة من الإناث في سن المراهقة يؤيدون قتل الفتاة باسم جرائم الشرف, وهذا التأييد يرتفع بتدني سوية التعليم وتراجع سوية البيئة الاجتماعية.  

ما يسمى بجرائم الشرف ليست فقط بحق المرأة, بل بحق "الشرف" و"الأخلاق" وتخرق صراحة رسالة وأحكام الإسلام

بشاعة ولاإنسانية ما يسمى بجرائم الشرف والتي تتجاوز الأرقام والإحصائيات دفعتني, في عمل تطوعي عبر ناد للنساء الجامعيات, لتنظيم حلقة بحث في تلك الجرائم بداية عام 1989. وكانت الحلقة ناجحة بما جعل كتابا جادين يشيدون بمناقشاتها وتوصياتها بدل الهجوم الجاهز الجاهل على كل من يحاول فتح الموضوع بتهمة تشجيع التسيب الأخلاقي للفتيات. ولكن أيا من توصيات الحلقة  لم تجد طريقها للتنفيذ, ببساطة لأنه في غياب الديمقراطية -حينها وليومنا هذا- يجعل من هم في مواقع القرار لا يأبهون بالمواطن وما يجري له!!

وأسرد هنا بعض الحقائق البشعة التي تثبت أن تلك جريمة ليست فقط بحق المرأة, بل بحق "الشرف" و"الأخلاق" وتخرق صراحة رسالة وأحكام الإسلام. وأبدا بما يسمى "بجرم" الفتاة المقتولة, وهو ليس "جريمة الشرف", فتلك تطلق على فعل قاتلها.

أولا: ضحايا هذه الجريمة غالبيتهن لم يرتكبن جرما أخلاقيا, وحتما ليس بما يتيح لقاتلها "العذر المخفف" في قانون العقوبات, الذي كان من قبل "العذر المحل" من العقوبة وعدل عام 2011 بضغط دولي ليصبح عذرا مخففا للعقوبة في حدود أقصاها سبع سنوات سجن نادرا ما يقضيها القاتل في السجن.

فالعذر هو فقط لمن "فاجأ زوجته" مع آخر في فراش الزوجية أو ضبط أيا من أخواته أو أصوله أو فروعه في فراش غير شرعي. أي أنه عذر يقوم على افتراض فورة دم تغيّب العقل للحظة وليس عذرا لجريمة جرى التخطيط لها وتنفيذها ببرود.

فمن أمثلة ما اعتبر جريمة شرف قتل فتاة لجلوسها مع زميل في مقهى على الشارع العام يرتاده طلاب وطالبات الجامعة الأردنية. كما قتلت أخرى على يد شقيقها الأصغر بتحريض ابن عمها الذي ترفض الزواج به عندما رآها تتحدث مع شاب في عرس عائلي. ومثلها أية شبهة أو مجرد ظن أو حتى زعم الشك في سلوك الضحية, وثبوت أن لا أساس لتلك الظنون لا يجرم القاتل بالقتل العمد.

ثانيا: في الحالات التي يؤدي كشف الطب الشرعي لبيان أن القتيلة -غير المتزوجة وهن غالبية- فاقدة لعذريتها أو حامل, لا يتم التحقيق الوافي في سبب الحمل أو فقدان العذرية. فزنا المحارم أو "السفاح" مما لا يلاحق قانونا إلا بشكوى من قريب متضرر, ما يؤشر على أن الدولة غير معنية  بهكذا جرم يخرق كل المحرمات.

وقد ثبت مؤخرا أن غالبية هؤلاء كن ضحايا لجريمتين, الأولى تتمثل في الاعتداء الجنسي من محارم في الأسرة  كالأب أو أحد الأخوة, وحين تظهر آثار جريمتهم بالحمل أو تبدأ الفتاة تشكو وتحاول الحصول على منقذين يتم قتلها. وقبل تزايد ضغط المنظمات الحقوقية, القضايا التي ظهر فيها جرم السفاح يعود الفضل فيها لتقدم من سبق واشتكت لهن الضحية (معلماتها في الأغلب) بشهادتهن لاحقا, في ندم على نأيهن بأنفسهن عن شكوى الضحية في البداية خوفا من التورط مع أسرة وقانون جرائم شرف بهذا السوء وتطبيق للقانون أسوأ.

ثالثا: العديد من حالات القتل تتم لأسباب مالية كالطمع في إرث الفتاة أو لرفضها تزويجها بثمن. وأحدهم عرّى جثة شقيقته وألقاها تحت جسر للإيحاء بأن مقتلها مقترن بأسباب أخلاقية.. وأرملة تعيش بدخل محدود يكرر ابنها مطالبتها بالمال ويرفض تصديق نفاده لديها, وحين ثبت أن الابن هو القاتل تعذر بكونها جريمة شرف.. أي أنهم يقتلون نساء بيتهم وحتى أمهاتهم, مرتين: مرة بطعنة قاتلة وثانية بالطعن في شرفهن!!

وعن القتلة نورد, أولا: في الأغلب تتواطأ الأسرة بكاملها بمن فيهم الأم على القتل طوعا أو قسرا, وبخاصة في حالة التستر على زنا المحارم. وهذا شرخ رهيب في مفهوم الأسرة ودورها كحاضنة أولى ومصدر الأمن الأول والباقي حتى عندما يفتقد الإنسان لكل مصادر الأمن الأخرى.

ثانيا: أغلب حالات قتل الفتيات, بخاصة ضحايا الاعتداء الجنسي لمحارم, تحال لأخ قاصر كي يحظى بتخفيف مضاعف  للحكم. وبهذا يصبح هذا القاصر ضحية أخرى.

بمجرد زعم القاتل أن ما قام به جريمة شرف يتطوع كثيرون للشهادة ضد الضحية مسقطين, بأثر رجعي، الشائعة الأخلاقية المستجدة على مسلكها السابق الذي لم يكن أثار لديهم أية شبهة حينه

ثالثا: بعض هؤلاء القتلة مرضى نفسيون. وقد أورد طبيب نفسي شارك في حلقتنا الدراسية حالة قاتل لم تقبل المحكمة مجرد النظر في دفع محامي أهل الزوجة القتيلة بكون الزوج مهووسا بالشك في النساء بعامة, ولزم قبول النظر في هذا قتله لامرأتين أخريين (شقيقته وأمّه) في جريمتين منفصلتين وبذات تهمة الشرف.. وفي الثالثة فقط قُبل النظر في هوسه, وقبلها كانت قتيلاته مدانات ابتداء في نظر القاضي!!

وهذا يؤدي بالضرورة لبيان دور القضاء والضابطة العدلية بمجملها في حماية مرتكبي هذه الجرائم بما يزيد على الحماية القانونية بالعذر المحل ثم المخفف, كون هؤلاء  ينطلقون في الأغلب من قناعاتهم الخاصة وخلفياتهم الاجتماعية في التعامل مع هذه القضايا وليس من القانون كما يفرض الواجب والمهنية.

ويتبدى هذا بشكل رئيس من تطبيق "العذر المحل أو المخفف" في غير موضعه, أي دون أن يكون القاتل فاجأ الضحية في فراش غير شرعي. ومثله تعامل أمن السجون (وبقية السجناء) مع الموقوفين أو المحكومين بجرائم الشرف معاملة تفضيلية وكأنهم أبطال!

وهذا الإسقاط لمفاهيم اجتماعية على الجريمة يؤثر على مجرى التحقيقات. فبمجرد زعم القاتل أن ما قام به جريمة شرف يتطوع كثيرون للشهادة ضد الضحية مسقطين, بأثر رجعي, الشائعة الأخلاقية المستجدة على مسلكها السابق الذي لم يكن أثار لديهم أية شبهة حينه.

ونأتي للعامل الديني لنؤكد الفارق الضخم بين التدين بالمفهوم الشعبي المسطح, وبين الدين كأحكام تقوم على مبادئ أخلاقية تلزم بحقوق أو بعقوبات.

والتدين المسطح لا يلام عليه الجهلة الذين تؤكد كافة الدراسات أن جرائم الشرف منتشرة بينهم, بل تدان به المؤسسة الدينية التي ينضوي تحت لوائها شيوخ جهلة كثر يخلطون بن الإرث الاجتماعي والحكم الديني. ويفاقم الأمر تسييس الدين الذي أدى لأن يركز على عدد الأتباع وليس على صوابية الفكر المنشور, وفي هذا يمالىء علماء كثر جهل الجاهلين إن لم يشجعوه, كما تفعل أنظمة مستبدة كون الجهل يضمن التبعية والولاء المطلق غير المدقق.

ففي حين يروج هؤلاء بأن غياب "التدين" أصل المشكلة, نجد تلك الجرائم تنتشر بخاصة بين قطاعات ظاهرها متدين وباطنها جاهل. وعلى سبيل المثال نورد قصة شقيقتين قاصرتين تبين أن شقيقهما القاصر أيضا (سبعة عشر عاما)هو المتسبب في حملهما, وتيسر له الاعتداء عليهما لغياب والديه في أداء مناسك الحج.

والتدين الظاهري الذي يقف عند الشعائر دون قيم الإسلام الأعمق قد يكون أدى للعكس, أي أنه وفر تربة جاهزة لتلقي فتاوى من مثل تلك التي صدرت عن شيوخ في الأزهر لا أقل, بتحليل زواج الرجل من ابنته غير الشرعية, دون أن تتخذ مؤسسة الأزهر إجراء يزيد عن الطلب من المحتجين تناسي الأمر.

وكقاعدة لا نجد أية مساعدة من رجال الدين في بيان حكم الإسلام الصريح ضد تلك الممارسة, بل هم يتكتمون عليه في شوفينية واضحة. ففي حلقة بحث جرائم الشرف التي أدرتها, اضطررت لوقف واحد من أفضل وأتقى شيوخنا كنت دعوته للمشاركة, عن خطبة عائمة لأطلب منه أن يحدثنا عن الضوابط الشرعية لحكم الزنا وبخاصة ما يسمى بـ "اللعان", المجهول تماما لدى العامة والنخب كونه لم يقم أي من الشيوخ والخطباء بذكره على كثرة منابرهم الإعلامية وخطبهم  كل جمعة في مئات المساجد!

فالإسلام يتشدد في إثبات الزنا كما يتشدد في عقاب مطلقي تهمه, ويشترط وجود أربعة شهود يؤكدون أن ما رأوه هو علاقة جنسية كاملة. فإن كانوا ثلاثة فقط يطبق عليهم حد "القذف" بثمانين جلدة ولا تقبل شهادتهم بعدها أبدا. أما عقابهم في الآخرة ففي الحديث الشريف أن "قذف المحصنات الغافلات" من السبع الموبقات التي لا يدخل مرتكبها الجنة.

ودرجة التشدد في قبول تهمة الزنا تتبين في حكم الرسول في أول قضية زنا على امرأة جاءت للرسول معترفة, فصدها حتى قدمت له الدليل المادي القطعي بقولها إنها حامل, فجاء قول الرسول: إذهبي حتى تضعيه (احترام حق الطفل في الحياة وليس ذبح الأم الحامل به). وحين راجعته بعد الوضع ولم يراجعها هو, قال لها اذهبي حتى ترضعيه, ثم قال لها اذهبي حتى تنشئيه, والإنشاء كان حينها لتسع سنوات مرت ولم يطلب الرسول المرأة فجاءته هي, ما اضطره لإقامة الحد عليها لكونها أول حادثة زنا بعد نزول حكمه.. ولكنه رفض نعت عمر بن الخطاب لها "بالزانية" قائلا: والله إنها تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم. وهذا يوضح كره الرسول لتطبيق الحد على عكس تلهف عامة الجهلة على جريمة القتل للشبهة.. فيما توليته المرأة المعترفة بالزنا بتنشئة مولودها منه فيه رفض للإدانة المطلقة المسقطة لكل حقوق المرأة الإنسانية وحقوق طفلها.
 
أما حكم اللعان المنزل في سورة "النور" فيحرّم ما ورد في قوانيننا من "عذر محل أو عذر مخفف", كونه يتناول تحديدا من يضبط زوجته في الفراش مع غيره فلا يتيح له أخذ الأمر بيده بل عليه اللجوء للقضاء. وكان الرسول الكريم أول من قضى في هذا الشأن, طالبا من الزوج أن يقسم أربعا أن زوجته زانية (بدل الشهود الأربعة) وخامسة أن تحل عليه لعنة الله إن كان كاذبا.
 
يطبق حد الشرع على الطرف المعترف بالزنا دون الشريك, وبهذا سبق الإسلام قوانين العالم المتحضر في فهمه "لجريمة العاطفة" والتي قد تدفع طرفا عشقهُ مرفوض لتوريط نفسه ومن يعشق في تهمة وعقوبة الزنا

والزوجة التي أنكرت التهمة أقسمت أربعا بأنها بريئة, وخامسة أنها ملعونة لو كانت كاذبة. فحكم الرسول بالتفرقة بينهما بطلاق بائن بينونة كبرى. وفي هذا درء للجريمة بتفريق يحول دون قتل أو انتقام أي من الزوجين من الآخر. وهو أيضا حفاظ على قيم الأسرة التي هي نواة المجتمع, فأسرة بلغ بها الأمر حد الخيانة أو القذف تفقد كل مقومات قيامها.

أما حكم الشرع في حالة الاعتراف بالزنا, فبتطبيق الحد على الطرف المعترف دون الشريك. وبهذا يسبق الإسلام قوانين العالم المتحضر في فهمه "لجريمة العاطفة" والتي قد تدفع طرفا عشقهُ مرفوض لتوريط نفسه ومن يعشق في تهمة وعقوبة الزنا.

والإسلام ساوى في عقوبة الزنا بين الرجل والمرأة, والفارق في الحالة الزوجية, فعقوبة المتزوج والمتزوجة أشد, ما يعكس فهما لدور الغريزة التي خلق بها البشر كما يعكس رفضا للخيانة.

وهذا عكس المطبق في مجتمعنا باسم جرائم الشرف وبمعايير مزدوجة تصل حد التهليل لجرائم يغيب عنها الشرف تماما وبتواطؤ للدولة وسكوت رجال الدين عن تحريم ما حلل الله, واستباحة محرمات بالاستهانة بالأعراض وقتل النفس التي حرم الله!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك