غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

على عكس ما أشاعته وسائل الإعلام، من مناخ محبط، وما صورته من فشل، في محادثات الثمانية الكبار، فثمة ما يشير إلى أن القمة انتهت إلى مقاربة جديدة للأزمة السورية، ترتكز على عنصرين رئيسيين: ضمان مصالح مختلف الأطراف، والقدرة على تطبيق مندرجات الاتفاق على أرض الواقع من دون أية أوهام.

الروس أقدموا في قمة الدول الثماني الكبرى على اجتراح يمكن وصفه بالمعجزة، بالنظر للتعقيدات التي كانوا يضعونها في السابق بوجه أي محاولة لحل الأزمة السورية

الموقف الروسي، من الأزمة السورية، تزحزح أخيراً، صحيح أنه لم يصل إلى الحد الذي تطالب به دول الغرب، من مطالبة صريحة بانتقال الحكم وعزل بشار الأسد، إلا أن الروس أقدموا في قمة الدول الثماني الكبرى على اجتراح يمكن وصفه بالمعجزة، بالنظر للتعقيدات التي كانوا يضعونها في السابق بوجه أي محاولة لحل الأزمة السورية.

أعطونا وقتا حتى شهر أغسطس/آب، واضمنوا لنا بقاء مؤسستي الجيش والأمن في أي ترتيب مستقبلي، وعدم الإشارة إلى مصير بشار الأسد في هذه المرحلة، وعلى المعارضة والجيش الحر التعهد بمحاربة التطرف "والقاعدة" في سوريا، إضافة إلى إرضاء إيران من خلال الموافقة على مشاركتها بمؤتمر جنيف المنوي عقده.

تلك كانت خلاصة الموقف الروسي الجديد في إيرلندا، وكل هذه التفاصيل كانت واضحة وعلنية، ولا تحتمل الكثير من التأويلات ولا الاجتهادات.

لم يدع رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر، المجال لاحتمال تأويل نتائج مباحثات السبعة الكبار مع روسيا، بل إنه ذهب إلى فضح ما حاولت الأطراف إخفاءه، بطلب من روسيا، فاعتبر أن البيان يمثل تحولاً حقيقياً في موقف روسيا، مضيفاً "لدينا نتيجة مختلفة تماماً ونتيجة أفضل كثيراً مما ظننت أننا سنحققه، أعتقد أن ذلك كان تحركاً مهماً جداً من جانب السيد بوتين والروس". وكان هاربر نفسه قد قال قبل القمة إنه يخشى أن يكون الاتفاق في مجموعة الثماني صعباً بسبب دعم بوتين لسوريا.

ربما هذا الكلام هو ما دفع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى إضافة ملحق إعلامي ونفسي للاتفاق الروسي الغربي، عندما أكد أن الأمر لا يعني "استسلام" نظام الرئيس بشار الأسد، فيما بدا أنه نوع من الطمأنة المقصودة ورسالة مرسلة إلى جهات معينة وأطراف بعينها داخل أطر النظام وفي بيئة النظام الاجتماعية نفسها.

وبحسب مؤشرات عديدة، فإن روسيا والغرب توافقا على أن يكون المخرج للأزمة السورية بإخراج بشار الأسد من السلطة، والاتفاق على حكومة انتقالية تضم أطرافاً من المعارضة والنظام بقدر متساو، على أن يتم ضمان بقاء المؤسسات والحفاظ على هيكلتها وفاعليتها في المرحلة التي تعقب انتقال السلطة، وخاصة مؤسسات الجيش والأمن، التي ينضوي في إطارها عدد كبير من العلويين، ما يشكل ضمانة للبيئة المؤيدة بعدم تعرضها لأي تصرفات انتقامية في المرحلة المقبلة، كما يضمن لروسيا وجود علوي مؤثر في أي سلطة قادمة في سوريا، باعتبار العلويين يشكلون ضمانة روسيا الوحيدة في سوريا المستقبلية.

ثمة ورقتان مهمتان لعب بهما الغرب جيداً في مواجهة الروس، ودفعتهم إلى الجنوح باتجاه البحث عن مقاربة بديلة للحل في سوريا: الأولى تسليح المعارضة, والثانية التلويح بالانقلاب العسكري

أما مصير بشار الأسد، فيتم تحديده في مرحلة لاحقة، وخاصة أن المعارضة السياسية السورية لا ترفض مثل هذا الحل، وكان رئيس الائتلاف الوطني السابق معاذ الخطيب قد طرح مثل هذا الحل عندما اقترح خروج بشار الأسد مع خمسمائة شخصية يختارها، وعند ذلك يتم اختيار الجهة والمكان الذي سيتوجه إليه بشار الأسد وحاشيته.

السؤال هنا، كيف ولماذا وافق الروس بعد تصلبهم لمدة عامين على هذا الحل، وما هي الأوراق التي واجه بها الرئيس الأميركي باراك أوباما نظيره فلاديمير بوتين وأدت إلى حصول هذا التغيير في الموقف الروسي؟

من الصعب القول إن واقعة استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمياوية كانت هي النقطة الحاسمة في هذا التغير، صحيح أن واشنطن قد أعدت هذا الملف بشكل جيد وأرفقته بالدلائل القاطعة، لكن الروس طالما ظلوا يحاجون بأن المعارضة أيضاً استخدمت السلاح الكيمياوي في مناطق معينة وأن لديهم دلائلهم وإثباتاتهم، حتى وإن لم تكن قاطعة، وكان أغلبها من صنع أيدي النظام السوري نفسه، لذا فمن المستبعد أن تكون قضية الكيمياوي هي من وضعت الروس في الزاوية الصعبة.

ثمة ورقتان مهمتان لعب بهما الغرب جيداً في مواجهة الروس، ودفعتهم إلى الجنوح باتجاه البحث عن مقاربة بديلة للحل في سوريا:

الورقة الأولى تمثلت بخيار التسليح، إمداد المعارضة المسلحة بأنواع متطورة من القواذف ومضادات الدروع، وهي الأسلحة التي من شأنها تغيير المعادلة العسكرية لصالح المعارضة، حيث يعرف الروس، الذين لهم مشاركة فعلية في أرض المعركة السورية من خلال خبرائهم ومستشاريهم، أن إبطال فعالية الدبابات والطائرات التي يستخدمها النظام، من شأنه قلب الأوضاع كلية لصالح المعارضة، حتى في ظل مشاركة قوات "حزب الله" والقوات الإيرانية، ذلك أن هذه الأخيرة تعتمد بدرجة كبيرة على الغطاء الناري الذي توفره دبابات وطائرات النظام وأنها تفقد جزءاً كبيراً من فاعليتها في حال تعطل تلك الآلة أو ردعها.

ولم يكن الكلام الغربي عن تسليح المعارضة مجرد تخويف، بل تجاوز الأمر ذلك إلى تجهيز البنية اللوجستية اللازمة للقيام بهذه الإجراءات، من تجهيز مطارات ومعابر وطرق نقل هذه الأسلحة، إلى تجهيز غرفة عمليات، في أنقرة، إلى تحضير فرق نخبة من تركيا والأردن والسعودية وقطر، وحتى استجلاب عروض لأسعار الأسلحة من أوكرانيا وغيرها من أسواق الأسلحة. وقد تم وضع الرئيس الروسي في أجواء هذه التحضيرات وذلك تطبيقا لقاعدة سياسية بسيطة مفادها "إذا كنت تريد السلم أعِدَّ للحرب" وهو ما دفع الجانب الروسي إلى تكرار معزوفة طلب عدم تسليح المعارضة السورية علناً، وفي السر طلب تأجيل تسييل تلك الأسلحة إلى المعارضة حتى أغسطس/آب القادم.

تبدو خيارات روسيا وقد انحصرت في إطار اختيار الأقل سوءاً، فالساحة لم تعد خالية تشكلها على هواها، وجل ما باتت تطمح به هو المشاركة وضمان أن يكون لها وجود في سوريا المستقبلية

الورقة الثانية، وهي الأهم والأكثر تأثيرا، تلويح الغرب بالتخطيط لانقلاب عسكري في سوريا، وهذا يعني أيضاً أن أجهزة الغرب الاستخباراتية قد توصلت أخيراً إلى اختراق النطاق الصلب في النظام، أو ما يسمى الدائرة المحيطة ببشار الأسد، وذهبت تقارير صحفية بهذا الخصوص إلى حد التأكيد بأن قادة مجموعة الثماني اتفقوا خلال قمّتهم على الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه أعوان الأسد في إعادة بناء سوريا، وأنهم وعدوا كبار الشخصيات في أجهزة الأمن السورية بالنجاة في حال رحيل الرئيس بشار الأسد، بل إن ديفد كاميرون -رئيس الوزراء البريطاني- ذهب أبعد من ذلك حين قال "إن قادة مجموعة الثماني يريدون إقناع الموالين للأسد، الذين يعلمون في داخلهم أنه راحل، وبأن سوريا لن تسقط في مستنقع الفوضى من دون الرئيس السوري".

أمام هذا المشهد، تبدو خيارات روسيا وقد انحصرت في إطار اختيار الأقل سوءاً، فالساحة لم تعد خالية تشكلها على هواها، وجل ما باتت تطمح به هو المشاركة وضمان أن يكون لها وجود في سوريا المستقبلية، والواضح أن طلب إعطائها المزيد من الوقت إنما بهدف الإشراف على ترتيب عملية الانتقال وطمأنة بيئة النظام بأنها ستكون موجودة ومشرفة على الحل المخرج وكيفية تنفيذه على أرض الواقع.

خلاصة نتائج قمة الثماني، إلزام روسيا بإحداث عملية، التغيير السياسي، أو الانقلاب على بشار الأسد، أو تهيئة نافذة لخروجه من المأزق، وإخراج سوريا والمنطقة من أتون النار الذي باتت تقف على شفيره، والزمن هذه المرة محدود، لا يتعدى شهر أغسطس/آب، وذلك بالتزامن مع استمرار الأطراف الإقليمية والغربية بالعمل على استكمال تحضيراتها اللوجستية وتثمير الخيارات البديلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك