إبراهيم رمضان الديب

إبراهيم رمضان الديب

خبير في التنمية البشرية

 

الهوية الوطنية السورية الجامعة هي سؤال الساعة، فهل ستنجح المقاومة السورية خاصة بعدما فشلت العديد من التجارب الحالية في الإجابة عليه، وأصبحت مهددة بالتوقف, والسؤال الكبير الذي يجب الإجابة عليه والإعداد الاستباقي له من الآن، هو كيف وإلى أين يجب أن يتجه الشعب السوري؟ وكيف ستدار الأمور؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في هذه المرحلة الانتقالية، موطن الاختبار والتعثر لجميع دول الربيع العربى، الجديدة على أجواء الحرية، حديثة العهد بثقافة وممارسة الديمقراطية، التي قوضت طول فترة الاستبداد والقهر الكثير من لياقتها الذهنية والنفسية، وأفقدتها الكثير من قدرتها على التفكير المنظم وترتيب أولوياتها، بل وعلى قدرتها على إنتاج الحلول الوطنية المحلية الخاصة وأبعدتها  كثيرا عن صنع المبادرات القوية الجريئة، خاصة تلك المعنية بالصناعات الصلبة والثقيلة، مثل صناعة الهوية الوطنية الجامعة لكافة طوائف وتكوينات المجتمع.

ثمة مجموعة من الاعتبارات، تؤكد مدى تعقد وصعوبة الملف السوري أكثر من غيره من ملفات الإصلاح والتحول العربى، مما يتطلب بناء تصور استباقي للأوضاع فيما بعد التحرر

وفي سياق رصدنا لمجموعة من الاعتبارات الذاتية الخاصة، والخارجية ذات العلاقة بموازين القوى الإقليمية والعالمية ومصالحها الخاصة مع سوريا، تؤكد مدى تعقد وصعوبة الملف السوري أكثر من غيره من ملفات الإصلاح والتحول العربى، مما يتطلب بناء تصور استباقي للأوضاع فيما بعد التحرر، وأهم وأولى الملفات الواجب التعاطي معها والإعداد لها من الآن، خاصة بعد حالات الأزمة والتعثر في الملف المصري والليبي واليمنى.

من أهم هذه الاعتبارات:
- التنوع العرقي والطائفي الكبير الذي تتمتع به سوريا، والذي يحتاج إلى إدارة جيدة له، حتى لا يتحول إلى خلاف واختلاف وربما صراع يهدد واقع ومستقبل سوريا ما بعد الأسد.

- تنوع وتبيان مستويات الفهم والممارسة داخل التيارات الإسلامية السورية، التي جاءت نتيجة لطبيعة منطقة الشام التي تتميز بعمق وتجذر الفكر الإسلامي في سوريا موطن العلم والعلماء والوعاء الكبير لتنوع وثراء الأفكار والمذاهب الناتجة عن التجديد الفقهي والفكري الذي كانت تتمتع به سوريا من علماء الأصول والمقاصد والفكر السياسي وعلى رأسهم الشيخ أحمد الزرقا، وسعيد حوى ومن قبلهم الكواكبي، خاصة في العقود السابقة لحكم البعثيين.

من جهة أخرى تجذر التيارات الإسلامية داخل المجتمع السوري منذ بدايات القرن الماضي وما أعقبها من أحداث حماة في ثمانينات القرن الماضي، انتهت إلى قتل واعتقال وتشريد عشرات الألوف من قيادات ونخب التيار الإسلامي والوطني، في بقاع المعمورة الأرضية إبان هروبها من حكم الأسد، الذي كان سلاحا ذا حدين، حيث منحها أمرا هاما وفى الوقت نفسه حرمها من أمر أكثر أهمية وخطورة, منحها فرصة الاحتكاك والتعايش مع الثقافات العالمية في بلاد المهجر في أوروبا وأميركا وآسيا، مما أكسبها اتساعا في آفاق التفكير وفهم وممارسة الإسلام، حيث أجبرها على الدخول في تجربة التعايش مع الثقافات الأخرى، والذي أصقلها بالكثير من المفاهيم الجديدة غير المسبوقة بالنسبة لها، ومنحها فرصة التجربة وكسب الخبرات العالمية.

إضافة إلى عالم العلاقات الإستراتيجية التي كونتها مع نخب وساسة ومفكري هذه الدول، والتي يمكن توظيفها سياسيا في المرحلة المقبلة، وفى الوقت نفسه حرمها من وحدة التواصل والتفكير كأفراد ينتمون لتنظيم معين يحملون رؤيته وفكره ومنهاجه الخاص، وطريقة ومحددات تفكيره، وثوابته، وثقافته المميزة له عن غيره في البناء والإصلاح والتغيير فحرمها وحدة الفهم، وقوة التنظيم المؤسسي الذي تتمتع به الحركات الإسلامية الأخرى خاصة في مصر واليمن، تقريبا تكاد تتشابه الحالة السورية مع الحالة الليبية في هذا الأمر، مما يجعلها مرشحة للاختلاف وربما الصراع الداخلي، الذي يستوجب سرعة التخطيط والتعامل معه من الآن.

هذا بالإضافة إلي الفجوة الثقافية والفكرية والنفسية الكبيرة بين القيادات الإسلامية والوطنية التي عاشت في أرض الشتات خارج سوريا لما يقارب نصف قرن، عانت خلالها ويلات التهجير القصري، وذاقت مرارة الغربة عن الوطن، وسارعت مع بداية الثورة بتقديم كل أشكال الدعم والمساندة المادية والمعنوية للثورة ولكن من الخارج، وعلى الحدود السورية مع دول الجوار، وبين القيادات والتكوينات الميدانية في الداخل التي تعرضت للقتل والتدمير والتشريد والتهجير الداخلي بالإضافة إلى عمليات انتهاك الأعراض على يد النظام وشبيحته وأعوانه من مليشيات إيران وحزب الله الشيعي، هذه الفجوة، والحديث غير المعلن عن حجم ونوع التضحيات، والذي تغذيه أقلام خارجية لا تريد لسوريا استقرار ولا تطورا، بالتأكيد سيلقي بظلاله على شكل وكيفية جني ثمار الثورة، ومن هو الأحق بتحمل مسؤولية إدارة شؤون البلاد.

مارس نظام الأسد عمليات النحت والتفريغ لقيم وثوابت وهوية المجتمع السوري المتدين, التي تسببت في إنتاج أجيال أقرب من التغريب لها عن العروبة والتدين 

- كذلك ثمة أمر بالغ الخطورة والأهمية، وهو عمليات النحت والتفريغ التي مارسها نظام الأسد لقيم وثوابت وهوية المجتمع السوري المتدين بطبيعته، التي تسببت في إنتاج أجيال أقرب من التغريب لها عن العروبة والتدين،  والتي ستمثل حائط صد ممانع للتيارات الدينية القادمة بقوة والتي ستسعى إلى استعادة الهوية الطبيعية الأصيلة للشعب السوري.

إذن ونحن بصدد المشهد السوري، فإننا أمام أزمة هوية بامتياز، نسيج مجتمعي يجمع ثلاثة أنواع من التعددية, العناصر القومية، والأديان والطوائف، والعقائد والتيارات الفكرية والحزبية، وداخل كل منها تكوينات متعددة، لكل منها قيمه وثوابته وأهدافه الخاصة به، هذا النموذج المتعدد الأيديولوجيات التي تتقاطع أحيانا، بل وتقاطعت، وتقاتلت بالفعل، وأصبح بينها تاريخ وميرات دموي، يمكن إشعاله وتفجيره في أي لحظة.

- أما التحديات الخارجية فتأتي في مقدمتها الأطماع الخارجية المتعددة، التي تعمل بكل قوتها  لاستقطاب وصنع روافد، وامتدادات لها في الداخل السوري، والتي أكدت الكثير من الدراسات الاستشرافية الأولية لمستقبل سوريا عمق تأثيرها، بفعل ما بنته وأنجزته من قيادات وأقلام وأبواق داخل المجتمع السوري في الحقبة الماضية، بالإضافة إلى الروافد والامتدادات والعلاقات التي بنتها مع الكثير من تشكيلات المقاومة السورية، التي تنذر ببوادر انشقاقات كبيرة بعد التحرر ورحيل الأسد، بالتأكيد ستسعى القوى الخارجية إلى استثمارها في إشعال حرب أهلية بهدف تقويض ثمار الثورة السورية المباركة.

- من جهة ثانية فلسفة ودروس التاريخ، التي تؤكد على ضرورة الإدارة المثلى للاختلاف والتنوع، عبر نظام محكم للمواطنة يضمن الجميع فيه حقه، وفرصته في المشاركة في إدارة الدولة، وتقرير مصيره وتأمين مستقبله.

ومن واقع التجارب العملية للدول المجاورة المماثلة في مصر وتونس وليبيا واليمن، التي تعاني تعثرا كبير في التحول الديمقراطى بها، نتيجة تفكك وارتباك الساحة السياسية وتعدد الأفكار والرؤى والكثير من الاستقطاب الخارجي، نتيجة غياب هوية وطنية جامعة يستند ويحتكم إليها الجميع، وقد سارعت أغلبها إلى بناء مؤسسات الدولة متجاوزة بناء هوية المجتمع والدولة، مما أثر بالسلب على تقويض لجزء كبير مما أنجزته هذه الدول، وتعطل وتعثر للأجزاء الباقية.

كل ذلك يحفزنا للدعوة إلى المسارعة بتصميم هوية وطنية جامعة للشعب السوري، تحترم
وتستوعب جميع طوائف ومكونات الشعب السوري، في بوتقة وطنية واحدة، قابلة للتوافق الوطني، والاستناد إليها مرجعية عليا للشعب السوري.

ويقصد بالهوية الوطنية الجامعة منظومة المفاهيم والقيم والثوابت الواحدة المجتمعة، التي تضمن الحد الأدنى لكل طرف من مكونات المجتمع السوري، وتصلح للتوافق الوطني من كل تيارات وطوائف الشعب السوري وتتوافق مع السنن الكونية، وتعي الزمان جيدا، وتستطيع التعاطي مع قوانين الحراك الدولي المعاصر.

ومما هو جدير بالذكر هنا أن نؤكد على  مسألة تخطيط القيم وصناعة الهوية وعلاقته بالأمن القومي وترجمة ذلك تنفيذا في أجهزة الدولة، حيث تطور الاهتمام العالمي بتخطيط القيم والمحافظة على الهوية من مجرد هدف تربوي لضبط السلوك المجتمعي، إلى إدارة وتوجيه واستثمار السلوك الفردي والمجتمعي لخدمة أهداف الدولة والمرحلة التي تمر بها ، وصولا إلى استخدامها لتحقيق أهداف الأمن القومي، بالإضافة إلى كونها من أهم أدوات القوة الناعمة التي يتم بها غزو المجتمعات الأخرى لتحقيق مكاسب ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية.

لا بد من صف وحشد كل طوائف الشعب السوري تجاه بوصلة المصالح الوطنية العليا للشعب السوري, وقطع الطريق على كل محاولات شق واختراق الصف السوري

وبذلك أصبح تخطيط القيم وصناعة الهوية من المهام الأربعة الأساسية للأمن القومي للدولة الحديثة بعد حفظ السيادة، وتوفير فرص النمو والتنمية، وحماية المصالح الخارجية للدولة.

وتم تجسيد ذلك بهيئة متكاملة تتبع مؤسسة الرئاسة، تنسق وتشرف إستراتجيا على كل الوزارات المعنية ببناء الإنسان في الدولة، وممثلة في جهاز الأمن القومي، صانع القرار الإستراتيجي للدولة. بما يضمن تحقيق منظومة الأهداف التالية:

1- نشر وتعزيز وتمكين ثقافة المواطنة السورية، كنظام أخلاقي، واجتماعي، وسياسي عام للدولة السورية الحديثة، مع احتفاظ كل طائفة بخصوصيتها المميزة لها، بما يحفظ قوة الطائفة ويحقق قوة الدولة.
2- المحافظة على وحدة وتكامل الشعب السوري.
3- صف وحشد كل طوائف الشعب السوري تجاه بوصلة المصالح الوطنية العليا للشعب السوري.
4- قطع الطريق على كل محاولات شق واختراق الصف السوري.
5- توفير بيئة سياسية نوعية صالحة ، وداعمة لعمليات تنمية وبناء سوريا الحديثة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك