كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي

"ثمة شيء خطأ في مملكة الدنمارك"!
                                  هاملت

المتأمل في الأزمة السودانية يستطيع أن يضع يده على كلمة السر في تطاولها المتفاقم، إذا لم يقصر نظره على جانبها المتصل بجبهة الحكم، وأولى اعتباراً مخصوصاً لكيفية تمظهرها، بالمثل، في جبهة المعارضة! فرغم أن سيطرة النظام الإسلاموي تعتبر السبب الأساسي في عقدة هذه الأزمة، إلا أن من الغفلة التعويل على "التقادم" وحده، أي عوامل التجريف الداخلي والتآكل الذاتي للنظام، كحل حاسم لهذه العقدة.

شيء كهذا قد يحدث في "الطبيعة"، فالثمرة إذا نضجت دون أن تمتد إليها يدٌ قاطفة، تسقط من تلقاء نفسها. على أن ذلك غير وارد، قط، في "السياسة"؛ فالأزمات قد تحتوش نظاماً ما، فتنخر فيه حتى يتخثر، ومع ذلك، إنْ لم يجد معارضة قوية وفاعلة تسقطه من أعلى دست الحكم، يبقى متشبثاً بـ "غصن" السلطة إلى يوم يبعثون! والمعارضة القوية والفاعلة هي، أيضاً، بمثابة "دابة الأرض" التي مضغت "منسأة" سيدنا سليمان، فتداعت جثته بعد أن استندت إليها آلاف السنوات.

(1)

"التحالف" ليس زواجاً كاثوليكياً، بل كيان مؤقت، يوجد لينقضي، والمحك هو طاقة استبصار قواه الأساسية على عدم الغفلة عن التقاط أيٍّ من اللحظتين التاريخيتين الصائبتين لتكوينه أو لفضِّه

المُعامل الرئيس هنا، إذن، ليس مِنعة أو ضعف النظام، بل تضعضع أو تماسك معارضته. ولو كان إطار هذه المعارضة حزباً لهانت المعضلة شيئاً؛ فبالمقارنة مع "التحالف" يعتبر الحزب أسلس قياداً، كمنصَّة تنظيم للطاقات الأقدر على التعبير عن مصالح طبقة ما باتجاه تحقيق أهدافها التاريخيَّة.

لكن، ولأنَّ تطوُّر المجتمعات ليس صعوداً سلساً تواتيه الريح، بل غالباً ما تعترضه المهابط الزَّلِقة، فإن القوى السياسية كثيراً ما تجد نفسها مضطرة، في سبيل الإقناع بجدارتها، لتكوين منصَّات "تحالفات" تعينها على الفعل المعارض. فلئن كانت قوة المنصَّة، وفاعلية أداتها الحركية، هي العنصر الحاسم في سؤال جدواها، فإلى أيِّ مدى يتوفر هذا العنصر، حالياً، في "الإجماع" السوداني؟!

تلزمنا، ابتداءً، كلمتان، ولو خطفاً، عن المحددات المفاهيمية لظاهرة "التحالفات". فجدل "التحالف" ينهض على فرضية مؤداها تأكيد الحركة والتغيُّر، ونفي السكون والثبات، وفق قوانين التطور الموضوعية. لكن "التحالف" ليس زواجاً كاثوليكياً، بل كيان مؤقت، يوجد لينقضي! والمحك هو طاقة استبصار قواه الأساسية على عدم الغفلة عن التقاط أيٍّ من اللحظتين التاريخيتين الصائبتين لتكوينه أو لفضِّه.

(2)

وكنموذج لفضِّ "التحالف" في اللحظة المناسبة، وإلا صار عبئاً على الحركة الجماهيرية، يسطع في الذهن، مثلاً، قرار الحزب الشيوعي أواخر 1962م - مطالع 1963م، بالانسحاب من "تجمُّع المعارضة" بقيادة الإمام الصديق، في مواجهة نظام عبود، عندما بدأ ذلك "التحالف" في التراجع في خواتيم 1961م، عقب وفاة الإمام، خصوصاً بشأن خطة الإضراب السياسي والعصيان المدني، فضلاً عما بدأ يسببه من خلط في الأذهان بين "الجبهة الديمقراطية" و"تجمُّع المعارضة" (ثورة شعب؛ ص 258 -اليسار السوداني في عشر سنوات؛ ص 407).

فضُّ ذلك "التحالف"، في الوقت المناسب، أتاح الفرصة كي يتمايز طرح القوى التقليدية، في الظرف الجديد، عن طرح الشيوعيين وحلفائهم، بما رفع الحرج عن التقليديين بشأن ما لا يناسبهم من برامج وأساليب، وحرر الشيوعيين من ربقة الاستتباع لمواقف لم تعُد جديرة، في رأيهم، بالتعبير عنهم، أو بإقناع عضويتهم بجدوى الاستمرار في ذلك "التحالف" باسم حزب يعدونه موسوماً بالفداء، ومجبولاً على التضحية، مما هيأ لهم التفرغ لتكريب "تحالفاتهم" الأكثر ملائمة لمستجدات العمل السياسي عشية ثورة أكتوبر 1964م، في مستوى "الجبهة الديمقراطية"، أو "جيش القوى الثورية المتحد من العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين الثوريين" (اليسار السوداني ..؛ ص 409). لاحظ: الحديث ليس عن "وحدة قوى اليسار"!

أما نموذج الغفلة عن رصد تلك اللحظة التاريخية، كفعل قصدي يحول دون صيرورة "التحالف" عائقاً للنشاط الجماهيري، فهو مآل "التجمُّع" الذي تكوَّن عقب الانقلاب الإسلاموي. فبعد الدخول المنفرد للحركة الشعبية في "مفاوضات السلام" مع الحكومة السودانية، تخثر ذلك "التحالف" حتى أضحى يتهاوى ويتخبط، كشاحنة في منحدر، مما كان يستوجب فضَّه بحسم.

لكن بقية مفرداته واصلت الالتصاق به، ربما بحكم تلقائية العُشرة، على طريقة "أدروب الولوف" في الطرفة الشعبية الرائجة! ولا نحتاج للتذكير بالبلبلة التي سببها ذلك للعمل الجماهيري، خصوصاً بعد عودة القيادات من المنافي وليست في حقائبها إجابة على السؤال الملح: أين "التجمع"؟! كما ولا نحتاج للتذكير بتبضُّع البعض، باسمه، في أسواق نخاسة المواقف والاستوزار، رغم أنه لم يعد يشغل أحداً، بل لم يعد له وجود أصلاً! ولعل من أقوى دلائل تلك الوضعية الشاذة أنه ليس ثمة من يستطيع، الآن، حتى ضمن القيادة المحترمة لذلك "التحالف"، أن يجزم بالكيفية التي انقضى بها.

(3)

ولمقاربة سؤال فاتحة مقالتنا، ربما تكفينا، في ما يلي، نماذج لمواقف مفردات "الإجماع" المتصادمة، وعلاقاتها المأزومة، مع ملاحظة أن لحزب الأمة نصيب الأسد في ذلك:
1- قبل عامين تجهَّم الإمام "حليفه" د. الترابي بأنه "ساقط وشايل قلمو يصحح!" (الاتحاد الإماراتية؛ 20 مايو2011م). 

اتهم المهدي "حلفاءه" باللجوء للتحالفات الثنائية لتسوية خلافاتهم, علماً بأن "حلفاءه" يستطيعون إثارة اتفاقه الثنائي، في غيابهم، مع الترابي، لإعادة هيكلة "التحالف"

2- وإزاء تخبُّط "الإجماع"، إبان هجمة النظام عليه، غداة إبرامه ميثاق "الفجر" بكمبالا، مطلع يناير/كانون الثاني 2013، إلى حد تنصله عن تفويض ممثليه، شنَّ عليه الأستاذ إبراهيم الشيخ، عضو هيئته العليا، هجوماً عنيفاً، واصفاً مواقفه بـ"المأزومة" و"المخزية"، ومؤكداً أن فكرة الميثاق "خرجت من داخل اجتماعاته!" (آخر لحظة؛ 19 يناير 2013م).

3- وضمن ذلك المشهد تبرَّأ حزب البعث من الميثاق باعتباره "غير توافقي" و"غير إجماعي"! 
4- وهدد المؤتمر الشعبي بالانسحاب من "الإجماع" "إن لم يتبرَّأ من الوثيقة (السوداني؛ 12 يناير 2013م)، متحججاً بأن في "إعادة هيكلة الدولة إلى أقاليم تمزيق للسودان" (المجهر؛ 8 يناير 2013م)؛ علماً بأنها ضرب من "الفدرالية" التي سبق أن تبنتها حركة الترابي عقب انتفاضة أبريل/نيسان 1985م، ثم وافقت عليها في يونيو/حزيران 2012م، بحكم التزام "برنامج الإجماع" بـ"إلغاء الحكم الاتحادي الراهن، وإعادة هيكلة نظام الدولة بما يحقق ديمقراطية حقيقية... إلخ".

5- واعترض الشعبي (المصدر نفسه)، وحزب الأمة (بيان مكتبه السياسي، 7 يناير 2013م)، على "فصل" الدين عن الدولة/السياسة، رغم أن الفكرة مدرجة، بموافقة حزب الأمة، ضمن "مقررات أسمرا؛ 1995م"؛ مثلما سبق للحزبين أن وافقا، في "برنامج الإجماع" على الالتزام بأن "الدولة مدنية ديمقراطية تتأسس على المساواة، وأن الشعب مصدر السلطات، وأن المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وأن الحـكومة الانتقالية تتقيد باحترام واقـع التعـدد الثقافي والاجتماعي وبعدم استغلال الدين في الصراع السياسي أو الحزبي"، فأين "وصل الدين بالدولة/السياسة" هنا؟!

6- واحتفى الحزب الشيوعي بـ"الفجر الجديد" كـ"خطوة متقدمة لتوحيد المعارضة، وإيقاف الحرب، واستدامة السلام"؛ مؤكداً "أنه يخضع للمراجعة قبل توقيعه نهائياً بواسطة قادة الأحزاب والقوى المسلحة" (7 يناير 2013م). لكن كلمة (الميدان)، صحيفة الحزب، لم تشر، في اليوم التالي، إلى "المراجعة"، بل وصفته، بصورة وثوقية إطلاقية، بأنه "بداية عهد جديد .. لإسقاط النظام .. ورؤية سياسية هادية ومرشدة .. ودلالة على وطنية عالية ورغبة أكيدة في العمل المشترك" (8 يناير 2013م)، قبل أن تعود بعد يوم من ذلك، ويومين من المؤتمر الصحفي، لتستدرك بأن "الوثيقة ما زالت "مشروعاً قابلاً للتعديل بالحذف والإضافة قبل توقيعه من رؤساء الأحزاب" (9 يناير 2013م). عدم الاتساق القاطع، هنا، ناجم، يقيناً، عن الارتباك العام الذي أصاب "التحالف"، وقاد حتى هيئته العامة لاعتبار الميثاق "مشروعاً" خاضعاً للمراجعة (صحف ووكالات).

7- وأعلن المهدي أن "الإجماع" يعاني من علل هيكلية وبرامجية، مما وسَمَ أداءه بالضعف الإعلامي والجماهيري (الشرق؛ 19 فبراير 2013م)؛ فضلاً عن وصفه لغالبية مفرداته بأنها "ضعيفة ومتعبة" (الحياة؛ 16 أبريل 2012م).

8- وتجاوز حزب الأمة العمل الجماعي، إذ، برغم الاتجاه العام لـ"الإجماع" بعدم محاورة النظام إلا بعد تهيئته لمناخ التحول الديمقراطي، مما يعني جماعية مثل هذا الحوار، أعلن المهدي "استعداده للتفاوض على الدستور مع المؤتمر الوطني الحاكم"، وإن ساق شروطاً لذلك (سودان تريبيون؛ 7 مارس 2013م).

9- وتفاقمت مشاحنات المهدي مع أبو عيسى، رئيس هيئة "الإجماع"، لدرجة المطالبة بتغييره، وتغيير اسم "الإجماع" نفسه، والاستهزاء بأنه "ما شادي ليهو حلة!"، وبحلفائه داعياً لـ"التمييز بين حطب الطرور والصندل!" (المجهر؛ 19 فبراير 2013م).

10- ومن أحدث "مكايدات" حزب الأمة لحلفائه نرصد نموذجين بليغين:
الأول: نظم حزب الأمة، بداره، مساء 8 أبريل/نيسان 2013م، "لقاءً تشاورياً حول الوضع الراهن"، خاطبه الإمام راصداً عشر نقاط طلب تداولها، ووعد بتجديد اللقاء بعد ثلاثة أسابيع للتقرير بشأنها. وبدا لي أن الإمام يريد خطف زمام المبادرة من "الإجماع"! لكن شهرين انقضيا ولم يُجدَّد اللقاء.

الثاني: طرح "الإجماع"، مطلع يونيو الجاري، خطة مائة يوم لإسقاط النظام، فسارع الإمام إلى سكب سطل من الماء المثلج عليها، طارحاً خطة أخرى، تبدأ بتوقيعات، وتنتهي باعتصامات، نافياً مشاركتهم في إعداد خطة "الإجماع"، رغم تأكيد "الإجماع" لتلك المشاركة؛ لكن ناطقه سكب، هو الآخر، سطل ماء مثلج على مسألة "إسقاط النظام"، موضحاً أن "المقصود ليس الإسقاط بنهاية المائة يوم، وإنما توحيد خطاب المعارضة، واستكمال هياكلها، ووضع ترتيبات ما بعد الإسقاط!" (الأهرام اليوم؛ 13 يونيو 2013م).

11- ووصف الإمام بعض "حلفائه" بـ"الشمولية"، بل وتساءل عن "حقيقة وجود معارضة من الأساس!" (سودان تريبيون؛ 7 مارس 2013م)؛ وعاب على "الإجماع" صيرورته "مَضْحَكَة"، ملوحاً بقدرات حزبه على التحرك الفردي (المجهر؛ 07 - 03 - 2013 م). وربما بأثر مثل هذا الهجوم طالب البعث العربي الاشتراكي، في 21 فبراير الماضي، بتعليق عضوية حزب الأمة في "التحالف" (المصدر نفسه).

12- وفتح المهدي النار على أبو عيسى، قائلاً إنه "يكن غيرة وحسداً للحزب وقيادته!" وغامزاً إياه بـ"التنقل بين المواقف، وتدبير الانقلابات، ودعم الشموليات... إلخ" (شبكة "الشروق"؛ 16 مارس 2012م).

13- واتهم المهدي "حلفاءه" باللجوء للتحالفات الثنائية لتسوية خلافاتهم (شبكة الشروق؛ 16 مايو 2013م)؛ علماً بأن "حلفاءه" يستطيعون إثارة اتفاقه الثنائي، في غيابهم، مع الترابي، بوساطة كامل إدريس، لإعادة هيكلة "التحالف"، وترشيح المهدي رئيساً للفترة الانتقالية (الخليج؛ 6 فبراير 2013م).

14- ولم يقف الحلفاء، على أيَّة حال، معقودي الألسن حيال هجوم المهدي، فقد اعتبروا تصريحاته، مثلاً، محض مهاترات تخدم السلطة (التيار؛ 14 مارس 2012م).

(4)

يكابر من يزعم أن مزاج الجماهير منعقد على حلول "الإجماع" السياسية، بينما اهتمامها يتزايد، أردنا أم لم نرد، بأخبار جبهة الحل المسلح

المعارضة خيار معظم القوى السياسية. لكن، على حين لم تمت جذوتها، فإن "الإجماع"، كشكل لـ"تحالفها"، قد شبع موتاً، ونخشى أن فرصة فضِّه، لتكوين "تحالفات" أجدى، تتسرب من بين الأصابع.

حدث ذلك، من قبل، لـ"التجمع"، حيث انقشع اهتمام المزاج الجماهيري حتى  بأخباره. والآن نجابه وضعاً مشابهاً، حيث يكابر من يزعم أن مزاج الجماهير منعقد على حلول "الإجماع" السياسية، بينما اهتمامها يتزايد، أردنا أم لم نرد، بأخبار جبهة الحل المسلح! وليس ثمة أمل في استعادة ثقتها بجدوى وإمكانية الحل السياسي إلا باتخاذ قرار شجاع بفضِّ هذا "التحالف"، والبحث عن تحالفات أخرى تستجيب لمقتضيات التغيير، ومزاج الجماهير.

أما الشقاقات التي تكاد تسم، الآن، مجمل علائق "الإجماع" الداخلية، كوصف المهدي لـ"حلفائه" بـ"الطرور والكرور... إلخ"، و"تخوين" هؤلاء له، بالمقابل، إلا عرض لمرض ضرب "الإجماع" في النخاع، ومظهر لـ"حراق روح" يعتري مفرداته، جراء استمرارهم في "تحالف" لم يعد مناسباً لتوحيد حراكاتهم أو تنسيق مشروعاتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك