عارف أبو حاتم

عارف أبو حاتم

كاتب وصحفي يمني

كأن اليمن تعيش مرحلة ما بعد الاستقلال, الحماس متقد، والآراء المتضاربة طافية وغامضة، ورؤوس النخبة بين صاعدة ومنتكسة، مراكز قوى نمت وأخرى أفلت، الانتهازيون قفزوا إلى قلب الثورة، وتعاملوا معها كـ"مغسلة"، وربما تمكن بعض رموز النظام السابق من صعود "منصة" ميادين التغيير، وقالوا كلمة قاسية في وجه نظامهم، ليعودوا بعدها إلى مركز جديد، في عهد نظام جديد، لكن بصفة ثورية هذه المرة، وكأننا جماعة بوذية قامت بثورة روحية، لطرد الأرواح الشريرة من أجسادها ومعابدها!!

تشتت أحلام النخبة
لا يستطيع اليمني أن يفكر إلا بمشروع "الوطن الواحد"، حتى لا يقذفه أحد بتهمة المناطقية، أو الدعوة لعودة الانفصال بين شطري الوطن، ولم أجد حتى الآن يمنيا يقول "لدي حلم" كما قال لوثر كينغ، حين سعى لتحقيق حلمه بإلغاء نظام العنصرية في أميركا، وغالبا تظل فكرة "بناء الوطن الواحد" حبيسة الأمنيات، لأنها تصطدم بمشاريع نافذين كبار، ومراكز قوى لا تريد أن يذهب زمام القيادة من يدها.

شعر الشعب اليمني أنه أفاق من غفوته، وأن فرصة التحرر من هيمنة مراكز القوى تمر الآن بين يديه، وعليه تدارك نفسه من خلال فرض نظام سياسي برلماني، بصيغة فيدرالية، يحقق عدالة متساوية

ومع قوة الفعل الثوري شعر الشعب اليمني أنه أفاق من غفوته، وأن فرصة التحرر من هيمنة مراكز القوى، تمر الآن بين يديه، وعليه تدارك نفسه من خلال فرض نظام سياسي برلماني، بصيغة فيدرالية، يحقق عدالة متساوية لكل اليمنيين.

وإذا لم ينطلق اليمني من وجعه الداخلي، وخصوصيته المحلية، فلن يستطيع فعل شيء، والمنطق والتاريخ اليمني المعاصر يشهدان بهذا، مثلا: ماذا قدم نخبة تعز للوطن الأم، وهي كبرى المحافظات اليمنية، وأكثرها سكانا وتأثيرا في السياسة والاقتصاد، كل أحلامهم الوطنية الكبرى تعثرت، لأنها اصطدمت برغبات نافذين ومراكز قوى من سياسيين وعسكريين وشيوخ قبائل.

واليوم يكرر التاريخ نفسه وتتعاضد ذات المراكز والقوى ضد قيام الدولة الفيدرالية، حتى لا تحد من تدخلاتهم المستمرة في توجيه مؤسسات الدولة، وهذا ما جعل عددا منهم يستاؤون مما قاله المفكر السياسي محمد حسنين هيكل عبر قناة الجزيرة، إنه "لا يوجد في اليمن ثورة، بل قبيلة تريد التحول إلى دولة"، وهذا من وجهة نظره "مستحيل"، ولاحقا أوضح هيكل لوفد من اليمنيين في مكتبه بالقاهرة مقصده بأن نظام صالح لم يمكن الدولة من بناء نفسها، بقدر ما اهتم ببناء مؤسسة القبيلة على حساب مؤسسات الدولة، وهو مُحِق، إذ لا يمكن الجمع بين: بناء الدولة والقبيلة معا، وتحقيق التنمية دون ترك السلاح، وجلب المستثمرين وخطف السائحين، وبناء اقتصاد وطني قوي وتفجير أنابيب النفط وأعمدة الكهرباء، واستتباب الأمن واستمرار الثأر!!

تجنب الصدام المحتمل
ذات يوم صحت في رأس المستشار الألماني الأسبق "كونراد إديناور" فكرة أن "التاريخ هو المجموع الكلي لأشياء كان يمكن اجتنابها"، والمواجهة القائمة بين الحالمين ببناء الدولة المدنية والمستميتين دفاعا عن دولة يختلط فيها القبلي بالسياسي بالثيوقراطي، مواجهة يمكن تجنبها، فأبناء المناطق الساحلية يكادون يتجهون بالإجماع نحو المدنية، ويمكنهم تجنب المواجهة والاصطدام بالآخرين، من خلال توظيف طاقاتهم وقدراتهم وتأثيرهم للضغط على النظام القائم من أجل بناء دولة فيدرالية تتسع للجميع، خاصة أن الجميع متجهون نحو مؤتمر وطني شامل للحوار مطلع العام القادم.

ولا أظن لحظة ستأتي أفضل من هذه، وتعبير رئيس الحكومة محمد باسندوة كان شفافا وصادقا في حواره مع "الخليج" الإماراتية منتصف مارس/آذار قبل الماضي، وقال صراحة إنه يفضل الفيدرالية حلا لمشاكل اليمن، ليأتي لاحقا حديث الرئيس هادي في فبراير/شباط 2013 عن توجه لإقامة خمسة أقاليم في اليمن منها إقليم عدن الاقتصادي.

موقف الأحزاب السياسية لا يزال ملتبسا، فجميعها تقريبا لم تحدد موقفا علنيا من مشروع الفيدرالية، في حين تدور داخل أروقتها نقاشات وجدل واسع حول المشروع.

وعلى الجانب القبلي هناك من رفض الفيدرالية صراحة كزعيم قبيلة حاشد الشيخ صادق الأحمر، في حين ينادي بها الشيخ محمد الشايف نجل زعيم قبيلة بكيل، وهما كبرى قبائل اليمن.

ثلث دول العالم تقريبا أخذت بنظام الفيدرالية، وما أخشاه هو أن نتجه إلى هذا النظام، ونقف في منتصف الطريق، تماما كما اتجهنا عقب الوحدة إلى الدولة الديمقراطية بتشريعات شمولية

ومن الخطأ أن نكرر الآن ما جربناه طيلة الفترة الماضية، حين مارسنا -جميعا- "الحب القاتل" مع الوطن، علينا جرأة التذكر: لقد قاد نظام صالح ستة حروب عبثية في صعدة، وقبلها كنا نشاهد المتقاعدين -إجباريا- من أبناء الجنوب، يقفون بسلمية ومدنية، أمام البرلمان ووزارات الدفاع والداخلية والخدمة المدنية، يطالبون بحقهم المشروع: العودة إلى وظائفهم. ولم يحرك أحد منا ساكنا، ولم تخرج أي مظاهرة في أي محافظة يمنية تندد بالظلم الذي مارسه نظام صالح ضد أبناء الجنوب، فقد تمكن النظام السابق من إقناعنا بأن حب القائد من حب الوطن، وحب الوطن من الإيمان، وإيماننا لا يمكن أن نجرحه، اليوم نعود إلى ذات الدائرة، الفيدرالية ضد مصلحة الوطن، ومصلحة الوطن من الإيمان، والإيمان يقتضي أن نظل خرفانا في مزرعة النظام، أو دافعي "غرامات" في مجلس شيخ القبيلة!!

ثلث دول العالم تقريبا أخذت بنظام الفيدرالية، وما أخشاه هو أن نتجه إلى هذا النظام، ونقف في منتصف الطريق، تماما كما اتجهنا عقب الوحدة إلى الدولة الديمقراطية بتشريعات شمولية، وعقليات شطرية، وظللنا أربع سنوات بعدها، بجيشين وعملتين، وتشريعات تقدس الشطرية، وانحصرت الوحدة في مظاهر البرلمان والحكومة والنشيد الوطني، وظل كل طرف يدفع المكايد نحو الآخر، ويتعامل معه بطريقة استفزازية.

جيل الثورة يبحث عن وطنه
في مجتمعٍ نام عقودا كالمجتمع اليمني وصحا فجأة على جيل جديد، ثائر، يطالب بكامل حقوقه وبناء هيبة دولته، والاستفادة من خيرات وطنه، لن يكون هناك طريق غير الفيدرالية، فهي أفضل وأقصر الطرق نحو التنمية والاستقرار، والشواهد الحية تقول إن عشرات الدول في العالم المتقدم أخذت بنظام الفيدرالية كماليزيا وكندا وأميركا وبريطانيا والهند، وفي العالم العربي العراق، ودولة الإمارات التي أصبحت معجزة الصحراء بفضل أخذها بنظام الفيدرالية.

وإذا كان تعدد المحافظات اليمنية الـ21 سيقف حجر عثرة أمام الأخذ بالفيدرالية فيمكن الدمج بين المتجاورات والمتجانسات، وسيكون لكل مقاطعة أو ولاية مواردها واستقلالها الجزئي، فيما يبقى الجيش والدستور والبرلمان والعملة والثروات السيادية ورئيس واسم الدولة ونشيدها الوطني، وتمثيلها الخارجي، أمورا سيادية موحدة.

لقد تغير كثيرا رأي النخب اليمنية نحو الدولة المركزية "القابضة على كل شيء" ولن يكون هناك مخرج غير بناء يمن اتحادي، متعدد الأقاليم، فهل هناك أفضل للمحافظات: صنعاء وذمار وعمران من إقليم يوحدها، ويجعلها تستفيد من خيرات أبنائها، ومن عائدات الضرائب، ومن ثرواتها الزراعية والحيوانية والصناعية والبشرية.

والفيدرالية ليست مقدمة لكتاب "الانفصال" كما يفسرها رافضوها، بل هي مجموعة سلطات موزعةً دستوريا بين حكومة مركزية وحكومات صغيرة "أقاليم وولايات"، ويحدد الدستور فيها مسألة تقاسم الثروات السيادية والمنافذ البحرية والبرية.

وفكرة "الفيدرالية" لا تتعارض مع "الوطنية"، أو "الهوية الجامعة"، ولا يستطيع أي منا الاستغناء عن ذرة من تراب الوطن، وقد ذهب ينسون تشرشل رئيس حكومة بريطانيا الأسبق -وهي مملكة فيدرالية- إلى أبعد من ذلك حين قال "أستطيع التنازل عن جميع مستعمرات بريطانيا، ولا أتجرأ أن أتنازل عن نص كتبه شكسبير". وكان محقا، فالمستعمرات ملك الغير، ونص شكسبير يمثل روح الهوية البريطانية.

طمأنة الشعب
وكارثتنا المنتظرة هي أن نتجه إلى الفيدرالية بعقليات مركزية، نتجه محملين بذهنيات توالي "المركز المقدس"، وتشريعات تحابي المركز على حساب الأطراف، أو ننطلق من قوانين غائمة وعائمة في المصطلحات، وبالتالي قابلة للتفسير والتأويل الذي لا يخدم هدفا ولا يبني وطنا.

ينبغي تمييز الحدود الفاصلة بين "الوطنية" و"الفيدرالية"، مع الأخذ بالاعتبار أن فكرة تقسيم اليمن إلى إقليمين "شمال وجنوب" هي فكرة لوضع حجر الأساس لمشروع انفصال الدولة الموحدة.

الأهم من الفيدرالية هو أن تتخذ الدولة الأم نظاما سياسيا برلمانيا، حتى يطمئن الشعب أنه لن يعود إلى عهد "الرئيس المعجزة" و"دولة الفرد" و"جيش العائلة"

وما سيكون أهم من الفيدرالية هو أن تتخذ الدولة الأم نظاما سياسيا برلمانيا، حتى يطمئن الشعب أنه لن يعود إلى عهد "الرئيس المعجزة" و"دولة الفرد" و"جيش العائلة"، بل لديه دولة مؤسسات، ورئيس جمهورية بصلاحيات محدودة، ورئيس حكومة يتغير مع كل دورة برلمانية.

يجب أن يكون هناك تقسيم عادل وتشريعات واضحة، وما أطالب به ليس بمنأى عن سياقه التاريخي، فالتاريخ اليمني لم يتحدث عن حضارة نشأة ودولة بنيت إلا في ظل الأقاليم والمخاليف.

حتى في العهد العثماني الذي امتد إلى خروج الأتراك من اليمن عقب صلح دعان عام 1914م، كانت الدولة المركزية في الأستانة تتعامل مع "ولاية اليمن" كأقاليم وولايات صغيرة، وعندما خرجنا عن هذا السياق التاريخي المتفهم لطبيعة اليمن الجغرافية والسكانية، وطبائع أهلها ومواردهم، وجدنا أنفسنا أمام دولة مركزية عجزت عن بناء نفسها، ووقفت حجر عثرة أمام بناء أقاليمها.

موارد الأطراف تذهب للمركز
في اليمن لا يكاد يسهل تمييز القبيلة من الدولة، وعادة يكون رجال الدولة "خاصة في الجيش" من زعماء العشائر والقبائل، ومع طرح فكرة الفيدرالية للنقاش، ليس هناك دفاع جاد وموضوعي عن بقاء الدولة المركزية، بقدر ما هناك دفاع عن بقاء هيمنة المركز، وسيطرته على موارد الأطراف، وهذا ما يجعل عامة الشعب يتساءلون: أليس من الفداحة أن تكون ميزانية مصلحة شؤون القبائل أكثر من 13 مليار ريال (تقريبا 60 مليون دولار) وميزانية البحث العلمي صفرا.

وهنا لا أطالب بإلغاء ميزانية مصلحة شؤون القبائل، بل بصرفها من موارد محافظاتهم، وليس من موارد الدولة المركزية.

اليوم وقد دفعت القبيلة ثمنا غاليا، وقدمت قوافل الشهداء، أليس من حق أبنائها أن ينعموا بخيرات وعائدات محافظاتهم، في ظل دولة فيدرالية عادلة؟!

ثم أليس من الظلم أن تذهب ضرائب تجار تعز، وموارد ميناء عدن، وعائدات نفط حضرموت، لشراء ولاءات شيوخ صنعاء وذمار وعمران، وتذهب أيضا لدفع ديات الثأر، وتعهدات الصلح بين القبائل، لو كانت تلك الأموال قد ذهبت لصالح البنية التحتية لتلك المحافظات، لكانت خيرا لنا جميعا.

اليوم وقد دفعت القبيلة ثمنا غاليا في سبيل التحرر من نظام صالح، وقدمت قوافل الشهداء، أليس من حق أبنائها أن ينعموا بدولة فيدرالية اتحادية عادلة، ينعمون فيها بخيرات محافظاتهم؟! وفي الحديدة، غرب اليمن المنسي، كيف تحول السكان الأصليون إلى حراس مزارع، كيف سيتصالح التهامي مع ذاته وهو حارس مزرعة، أو عامل نظافة، في حين يجد رجالا جاؤوا من "المركز" معززين بقوة الدولة واستولوا على أراض لا حصر لها في منطقته؟! كيف سيشعر التهامي بلذة النشيد الوطني وهو يتقاضى راتب "ألفي ريال-10 دولارات" مقابل حراسة مزرعة كانت بالأمس ملكا له.

يجب التقاط اللحظة التاريخية الآن، فـ"الفرص لا تتجول في الشوارع"، بل لحظة عابرة، وطرح فكرة الفيدرالية للنقاش يجب أن يكون في منأى عن الاعتراضات القاسية، ومن المخجل بعد 50 سنة من ثورة سبتمبر أن نفكر بذهنيات عصبوية، وسلالية، وما يجب أن نخجل منه اليوم هو دماء الشهداء، الذين دفعوا حياتهم ثمنا لبناء الدولة اليمنية المدنية، وجسر العبور الاضطراري نحو المدنية لن يكون غير اتخاذ النظام الفيدرالي أساسا لشكل الدولة القادمة. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك