فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي

 

تطفو على سطح المشهد العربي العام خلال وبعد حركات الربيع العربي ومن قبلها العراق، تجاذبات في غالبها سلبي، تجاه الاستحقاقات الوطنية أمام حالات صريحة وواضحة من ممارسات تسعى لتأسيس قواعد فكرية ونفسية وعقائدية لمفاهيم متقاطعة مع هذه الاستحقاقات ترتكز في جلها على تعزيز مفهوم المحاصة بالشكل الذي يجعل الشعب أسير التجاذبات السياسية والفكرية والمذهبية ويفقد إلى حد ما إحساسه الفطري بالمواطنة بما تعنيه من قدسية الوطن الواحد بحدوده وشعبه وكم الحقوق والواجبات للمواطن العربي في ظله.

والمواطنة -كما هي في واقع حالها، وكما كنا نعيشها ونمارسها- لا ترتبط بغضب أو رضى عن أداء الحاكم وحكومته، ولكنها قد تتعزز وتكون العامل الأول في زيادة الإنتاجية والتقدم والإيثار في ظل حكومة رشيدة أو قائد ملهم لشعبه، ولعل التجارب في الولايات المتحدة وأوروبا والصين ومعظم دول العالم بضمنها الكثير من دولنا العربية، تؤكد ما تحقق من إنجازات كبيرة سواء في مجال الإنتاج أم في مجال التنظيم أو عند ضرورات الحرب، ولعل قواميس هذه الدول وقوانينها وممارساتها تؤكد أيضا أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز في لون أو أصل أو دين أو عقيدة.

مارست الشعوب منذ القدم حركات نضال طويلة من أجل تحقيق مبادئ المواطنة، داخل الوطن الواحد، بما تعنيه هذه المبادئ من تحقيق للعدالة والمساواة بين الناس

والمواطنة لغويا مشتقة من وطن، وهو بحسب كتاب لسان العرب لابن منظور "الوطن هو المنزل الذي تقيم فيه، وهو موطن الإنسان ومحله, ووطن بالمكان أقام، وأوطنه اتخذه وطنا"، ويشير باحثون إلى أن المواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد عديدة ومتنوعة منها ما هو مادي قانوني، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها أيضا ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغها تدريجيا، لذلك فإن نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري لهذه الدولة، وهي بحسب الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، تعني "الانتماء إلى مجتمع واحد يضمه بشكل عام رابط اجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة".

وتبعا لنظرية جان جاك روسو في "العقد الاجتماعي" المواطنة تعني "المواطن الذي له حقوق إنسانية يجب أن تقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها". أما دائرة المعارف البريطانية فتعرّف المواطنة على أنها "علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة متضمنة مرتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات وتسبغ عليه حقوقا سياسية مثل حقوق الانتخاب وتولي المناصب العامة".

تاريخيا مارست الشعوب منذ القدم حركات نضال طويلة من أجل تحقيق مبادئ المواطنة، داخل الوطن الواحد، بما تعنيه هذه المبادئ من تحقيق للعدالة والمساواة بين الناس، وبما أجبر الحكام في مختلف البلدان وحقب التاريخ بداية من الحضارة السومرية والبابلية والصينية وغيرها، وصولا إلى عصرنا الحالي، على أن يسنّوا القوانين الضابطة لهذه العلاقة، وإن كانت هذه القوانين في مختلف دول العالم قد أفرزت معاني متعددة للمواطنة بحسب التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بظروف المكان والزمان والتأثيرات الاقتصادية والأيديولوجية والتربوية.

إن العنصر الأساسي في مفهوم المواطنة هو الانتماء وحقوق الانتماء كما يراها الكثير من الباحثين تتركز في ثلاثة مجالات: حقوق مدنية "حق المواطن في الحياة وعدم إخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الإحطاط بالكرامة، وعدم استرقاق أحد والاعتراف بحرية كل مواطن طالما لا تخالف القوانين ولا تتعارض مع حرية آخرين، وحق كل مواطن في الأمان على شخصه وعدم اعتقاله أو توقيفه تعسفياً، وحق كل مواطن في الملكية الخاصة، وحقه في حرية التنقل وحرية اختيار مكان إقامته داخل حدود الدولة ومغادرتها والعودة إليها وحق كل مواطن في المساواة أمام القانون، وحقه في أن يعترف له بالشخصية القانونية وعدم التدخل في خصوصية المواطن أو في شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته وحق كل مواطن في حماية القانون له، وحقه في حرية الفكر والوجدان والدين واعتناق الآراء وحرية التعبير وفق النظام والقانون... إلخ".

ثم الحقوق السياسية "حق الانتخابات في كافة السلطات والترشيح، وحق كل مواطن بالعضوية في الأحزاب وتنظيم حركات وجمعيات ومحاولة التأثير على القرار السياسي وشكل اتخاذه من خلال الحصول على المعلومات ضمن القانون والحق في تقلّد الوظائف العامة في الدولة والحق في التجمع السلمي... إلخ"، وأخيرا، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "حق كل مواطن في العمل بظروف منصفة والحرية النقابية، وحق كل مواطن بحد أدنى من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي وتوفير الحماية الاجتماعية والحق في الرعاية الصحية والحق في الغذاء الكافي والحق في التأمين الاجتماعي والحق في المسكن والحق في المساعدة والحق في التنمية والحق في بيئة نظيفة والحق في الخدمات، والحق بالتعليم والثقافة... إلخ".

تمثل المحاصّة بشكلها المطبق في بعض أقطار وطننا العربي أو بالنسبة للساعين لتطبيقها، نظاما انتخابيا, لاختيار ممثليها بما يقسم الشعب وفق العناوين العنصرية أو الطائفية

أما مصطلح المحاصّة فيعني عملية تقسيم الكل إلى مكوناته حسب الاستحقاق الكمي للأطراف المشاركة فيه، والمحاصّة في المجتمعات الديمقراطية الواعية تختلف عن المحاصة في الدول المتخلفة أو التي لم تعرف الديمقراطية طريقا لتربية شعوبها أو منهجا لسلوكيات مجتمعاتها ونخبها الفكرية والسياسية، هي في الدول الديمقراطية منهج سياسي تسمح من خلاله لجميع المكونات الحزبية الفائزة عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة بالمشاركة في الحكومة وفي تحمّل مسؤولية تضامنية في قيادة دفة البلاد وإدارة شؤون الدولة لخدمة الوطن، وهي في ظل وجود ثقافة واعية في مفهومها وأهدافها أنجع أسلوب وأفضل علاقة تجمع بين الأحزاب الوطنية المتآلفة والمتنافسة في نفس الوقت ضمن فسيفساء تكاملي وتوافقي وبقاسم مشترك محوره تحقيق المصلحة العليا للشعب والوطن.

فيما تمثل المحاصّة بشكلها المطبق في بعض أقطار وطننا العربي أو بالنسبة للساعين لتطبيقها، نظاما انتخابيا يقترح بموجبه أعضاء فئات عنصرية أو دينية معينة بمعزل عن الفئات الأخرى لانتخاب ممثليها بما يقسم الشعب وفق العناوين العنصرية أو الطائفية المشار إليها، كما تحوّلت معاني مصطلحات مثل أقلّية أو أغلبية إلى مقاصد مباشرة تعني الطوائف والقوميات لا الأحزاب، وربما تكون التجربة العراقية النموذج الأكثر وضوحا في تجسيد هذه الانحرافات الخطيرة والطائفية في مفهوم المحاصّة، فأغلبية الأحزاب التي في العملية السياسية لم تكن أحزابا سياسية بالمفهوم الكلاسيكي وإنما تنظيمات قومية دينية طائفية رفعت وترفع -خلال حملات الانتخاب المختلفة في معرض سعيها لاستقطاب الجماهير- شعارات مبنية على قاعدة الانتماء القومي والمعتقد الديني والمذهبي، وهذا المسلك الخطير الضار الذي انتهجته غالبية التنظيمات والأحزاب منذ البداية قد أسقط صفة الوطنية من هويتها السياسية وبالتالي تحولت العملية السياسية منذ بدايتها إلى صراع من أجل بناء وتعزيز وتحصين الذات القومي الديني المذهبي مع استهداف الهيمنة على السلطة لضمان الصيرورة والتواصل والإدامة.

وفي سوريا فإن المعارضة بأجنحتها السياسية والعسكرية مبتلية أيضا من موضوع المحاصّة, فكل حوار يجري بين أطراف المعارضة كان عبارة عن عملية محاصة غير معلنة بين الأطياف المختلفة جرت على أساس طائفي وقومي وعشائري ومناطقي.

وفي لبنان لم يتمكن اللبنانيون من التخلص من المحاصة رغم آثارها السلبية على الحياة السياسية وتسببها في اختلال اجتماعي وثقافي بدأت تتضح سلبياته بشكل كبير في الحاضر المعيش ويتوقع لها أن تزداد سلبا بشكل متسارع في ظل الظروف المحيطة بلبنان والقوى الإقليمية المؤثرة عليه.

أما في ليبيا، فرغم عدم وجود أية أسباب موضوعية لتبني المحاصة بمعناها الضيق والذي سيضعف التنمية السياسية في البلاد بعد إسقاط نظام معمر القذافي ويجعل نتائج الانتخابات التي أجريت في البلاد غير فعّالة وقد يحرم الأحزاب الفائزة من حقها في تولي الوظائف القيادية الأعلى وبالتالي التفرغ لإعادة الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية لوضعها الطبيعي، بالتأكيد أن ليبيا بعد نجاح ثورتها ليست بحاجة إلى خيار المحاصّة بوضعه المطروح حاليا والذي ينادي برئاسات من محاصة من شرق ليبيا وغربها وجنوبها يعتمد في جلّه على التحالفات القبيلة مع أحزاب وشخصيات ستضع ليبيا في نهاية المطاف أمام تقسيم اجتماعي واعتباري أخطر بكثير من التقسيم الدستوري الموجود لدى بعض الدول.

إن منطق المحاصّة لا يتوقف من خلال تجارب مستمرة عند الوظائف الأعلى في الدولة بل ينتهي به الأمر إلى تقسيم كل الوظائف العامة مهما صغرت وفق ذلك المنطق وتصبح هيئات ومؤسسات الدولة تجسيدا للتركيبة الفئوية القائمة، وبمرور الزمن (كما حدث في العراق) يعتاد الناس على ذلك ثم يتحول الوجهاء والمراجع الدينية والمذهبية والقبيلية إلى قادة يمتلكون التأثير الأكبر في المشهد السياسي على حساب الأحزاب السياسية الوطنية الحقيقية، وفي حالة كهذه، وفي ظل اختلالات هيكلية وعقائدية وتربوية كبيرة سيكون في أمتنا العربية أجيال لا يربطها بمبدأ المواطنة شيء وستبرز صور مثل ضعف الولاء والانتماء للوطن وقدسيته والدولة وقيمها الدستورية، وسيكون  الفساد، والمحسوبية، والرشوة، والفئوية، وعدم احترام القانون، وإهدار الحقوق، وغيرها البديل عنها.

غياب مفردة الوطن والمواطن من القاموس السياسي للجماعات التي تحكم بعض أقطار أمتنا وبسطها لغة القومية والدين والمذهب بدل ذلك، أدى إلى عقم عملية المحاصّة السياسية

إن استهداف مبدأ المواطنة هدف تخريبي يمس أمن الأقطار العربية وبالتالي الأمن القومي العربي، فالعربي كان يرتجف غضبا ويخرج متظاهرا في كل الأقطار العربية تقريبا عندما يمس بغداد عارض ما أو عندما يدنس الصهاينة مسجدا صغيرا في قرية ما في فلسطين المحتلة أو عندما تتعرض أية جهة عربية لضغوط أو عدوان، وكذلك الأمر في النطاق الوطني، حيث يشكل هدر المال العام قضية تقض مضجع موظف بسيط أو يهرول نحو وحدته العسكرية تلبية لنداء الدفاع عن الوطن تجاه عدو ما، لم يكن العربي وكل من يعيش على أرض أقطار الأمة يرتبط في سلوكه الوطني بموقفه من الحكومة القائمة على هذا الوطن، ولم يربط مبادئ وقيم الشرف الوطني بحجم المكاسب التي يحصل عليها من حزبه أو تنظيمه، إن غياب مفردة الوطن والمواطن من القاموس السياسي للجماعات التي تحكم بعض أقطار أمتنا وبسطها لغة القومية والدين والمذهب بدل ذلك، أدى إلى عقم عملية المحاصّة السياسية بمعناها الإيجابي وأفرغها من أي محتوى وطني.

لقد خاض الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حربا ضروسا مع جارته الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، امتدت لثماني سنوات كاملة بجيش كان الشيعة فيه يشكلون نسبة كبيرة ، ورغم أن الخميني (كمرجع شيعي أعلى) يمثل (روح الله ونائب الإمام المنتظر وظل الله في الأرض) بحسب قناعات أبناء المذهب الشيعي، إلا أن شيعة العراق قاتلوا ببسالة قلّ نظيرها وقتل الكثير منهم على حدود العراق دفاعا عن وطن وإن كان من يقاتلهم عليه إمام مذهبهم، إنها روح المواطنة التي كانت سائدة لدى العراقي، كما كانت لدى المصري عندما عبر بشغف وقوة وروح أمل قناة السويس ليعيد لوطنه الهيبة التي فقدها في نكسة حزيران مع الكيان الصهيوني.

لذلك كان مبدأ المواطنة واحدا من أهداف الحملة على الشرق بدءا من أفغانستان وانتهاء بالمغرب العربي، ولهذا يمكننا القول إن المجتمع سواء كان عراقيا أم مصريا أم تونسيا أم ليبيا أم غيره، هو أحوج ما يكون إلى دولة مدنية عصرية ترفض الحصاص الطائفي والعرقي، وتعلي مبدأ الكرامة والمواطنة والحق الدستوري، دولة تسعى إلى التربية على المواطنة وترسيخ مبدأ المواطنة في صفوف الأفراد والشباب وتأهيل المؤسسات التعليمة وبخاصة التمهيدية منها ورياض الأطفال لتعزيز قيم المواطنة، فهي الضمانة الوحيدة لأن نكون.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك