مرح البقاعي

مرح البقاعي

شاعرة وإعلامية وأكاديمية سوريّة

 

مبدأ مسؤولية حماية المدنيين
دونيلون وبوصلة قوى الشرق الصاعدة

مهندستا التدخّل العسكري في ليبيا من أجل حماية المدنيين، سوزان رايس وسامنتا باور، انضمتا إلى طاقم الأمن القومي للولايات المتحدة بعد أن عيّن الرئيس باراك أوباما السيدة رايس مستشارة لشؤون الأمن القومي، بينما ستخلفها باور سفيرة لبلادها في الأمم المتحدة حين موافقة مجلس الشيوخ على تعيينها.

شغلت رايس منصب مسؤولة شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي حين وقعت مجازر رواندا في العام 1994، وقد تأثرت رايس بشدّة من العنف غير المسبوق الذي مورس في رواندا وكذا من موقف الرئيس بيل كلينتون آنذاك الذي رفض التدخّل من أجل حماية المدنيين، ولكنه اعتذر نادماً عن موقفه هذا بعد انتهاء فترته الرئاسية الأولى. وصرّحت رايس في ذاك الوقت تصريحاً شهيراً حيال موقف الولايات المتحدة من تلك الكارثة "أقسمتُ لنفسي أنه في حال واجهتني كارثة إنسانية مشابهة في المستقبل فإنني سأختار الحل الصعب (الدراماتيكي) وسأشعل النيران وأسير فيها إن احتاج الأمر لدرء الكارثة".

تعتبر رايس عرّابة تطبيق مبدأ مسؤولية حماية المدنيين بالأمم المتحدة وجمعيتها العامة والذي ساهم في استئصال نظام هو الأعتى ديكتاتورية في العالم المعاصر

ورايس التي عملت مع فريق مستشاري الرئيس باراك الانتخابي قبيل العام 2008، ثم سفيرة لبلادها في الأمم المتحدة، كانت من أشد المدافعين عن مشروع التدخّل العسكري المباشر في ليبيا لإسقاط نظام القذافي منذ عامين. وسعت بقوة في حينها إلى استصدار قرار أممي من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة من أجل الإطاحة بالقذافي ونظامه.

ونجحت بالفعل في قيادة هذه الحملة في أروقة الأمم المتحدة، وتعتبر عرّابة تطبيق مبدأ مسؤولية حماية المدنيين في الأمم المتحدة وجمعيتها العامة، والذي ساهم في استئصال نظام هو الأعتى ديكتاتورية في العالم المعاصر.

غير أن هذا النصر السياسي الذي حققته لم يشفع لها عند الصقور الجمهوريين حين اتهموها بتضليل الرأي العام حين قدّمت روايتها عن الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي والذي أودى بحياة السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز، مما أدى إلى سحب البيت الأبيض ترشيحها لخلافة هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية.

وقد امتنعت رايس خلال الحملة الانتخابية للفترة الرئاسية الثانية لأوباما من قول إن تنظيم القاعدة كان وراء الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، واكتفت بالتأكيد أن ما حدث هو نتيجة مظاهرات خرجت عن السيطرة. ويجزم صقور الجمهوريين أنها لو اعترفت بحقيقة تورّط القاعدة في ذاك الهجوم لما فاز أوباما بفترة رئاسية ثانية أبداً.

أما سامنتا باور، مرشّحة الرئيس أوباما لمنصب سفارة بلادها في الأمم المتحدة، فقد شغلت منصب مسؤولة حقوق الإنسان في طاقم مجلس الأمن القومي، وكانت من أشد دعاة التدخل العسكري في ليبيا. وقد غطت كصحافية حروب رواندا ويوغسلافيا السابقة، ونشرت كتابا بعنوان "مشكلة من الجحيم" تنتقد فيه الولايات المتحدة وفشلها في وقف العنف في رواندا حين كانت الإدارة الأميركية "تغضّ بصرها عن العنف والجرائم ضد الإنسانية في الوقت الذي تعلم تماماً ما يجري".

وبالرغم من مواقف كل من رايس وباور وتأييدهما للتدخل العسكري المباشر لدوافع إنسانية، فإن المهمّة الصعبة التي ستواجهها السياسيتان المخضرمتان تكمن في إقناع الرئيس أوباما باتخاذ موقف تاريخي في الانتصار لقضية الشعب السوري الذي خرج مطالباً بالحرية والكرامة الإنسانية والمشاركة السياسية، وهي مبادئ حقوق الإنسان الأساس التي انبنى عليها الدستور الأميركي، والتي يصونها الأميركيون في بلادهم ويدافعون عنها في العالم.

يُعد مبدأ مسؤولية الحماية معياراً واضحاً في القانون الدولي المصادق عليه من قبل مجلس الأمن الدولي ونقلة نوعية في الطريقة التي يتعامل بها القانون الدولي مع الأزمات الإنسانية

من الجدير بالذكر أن تعيينات أوباما تلك تزامنت مع مراجعات معمّقة تجريها الإدارة الأميركية لموقفها من الملف السوري في وقت تشهد فيه الساحة السورية انقلابات ميدانية مؤسفة بعد أن استعادت قوات النظام السوري سيطرتها على القصير وتتوجّه إلى مدن أخرى لإحكام السيطرة عليها، وكذا مع تعثّر الجهود الدولية من أجل عقد مؤتمر جنيف 2 وتأجيله  -نتيجةً- من الشهر الجاري إلى شهر يوليو/تموز المقبل بينما وصل عدد اللاجئين السوريين إلى 1.6 مليون لاجئ في دول الجوار والعالم في أعظم كارثة لجوء شهدها التاريخ الحديث.

مبدأ مسؤولية حماية المدنيين
تحدّث وزير الخارجية الأسترالي الأسبق، غرافيث إيفانز، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2005 مبادراً "إن سيادة الدول ليست رخصة أو تفويضاً مطلقاً، بل تقترن بمسؤولية الدولة في حماية شعبها، ومن الأحرى ألا تقترف هي الجرائم ضد هذا الشعب. لذا فحين تفشل دولة ما في حماية شعبها، يصبح من حق المجتمع الدولي توفير هذه الحماية بعمل عسكري جماعي وحاسم ما لم تنجح الوسائل الدبلوماسية". وكانت هذه المبادرة هي القاعدة الاجتهادية التي انطلق مبدأ مسؤولية حماية المدنيين على أساسها.

هكذا، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 مبدأ مسؤولية الحماية على خلفيات أحداث يوغسلافيا السابقة ورواندا والكونغو والصومال وكوسوفو.

ولا يعترف المبدأ بحق السيادة منفصلاً وإنما يربط هذا الحق بمسؤولية الدولة عن حماية المدنيين من أعمال العنف والإبادة والتطهير العرقي، ومن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

ويمنح هذا المبدأ المجتمع الدولي الحق بالتدخل واستخدام القوة لحماية المدنيين العزل في حال فشلت الدولة في أداء هذا الواجب، فما بالكم حينما تقوم الدولة بممارسة الإرهاب المنظم حيال شعبها كما يحدث في سوريا؟! ويعد مبدأ مسؤولية الحماية معياراً واضحاً في القانون الدولي المصادق عليه من قبل مجلس الأمن الدولي ونقلة نوعية في الطريقة التي يتعامل بها القانون الدولي مع الأزمات الإنسانية.

وإذا فشلت الدولة بشكل واضح في حماية شعبها فإن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية التعامل الفوري والحاسم مستخدماً الفصل السادس والسابع والثامن من ميثاق الأمم المتحدة متّخذاً بذلك إجراءات تتراوح بين استخدام الطرق السلمية والعسكرية. إضافةً إلى ذلك. وفي الحالات الطارئة، فإنه يُسمح للتحالفات الدولية أن تتدخّل بشكل مشروع لإيقاف الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي وذلك بدون موافقة مسبقة من مجلس الأمن.

إن الصراع الدائر في سوريا يحقق معايير التدخل الإنساني وفقاً لمسؤولية الحماية، وكون الخيارات السلمية لحماية المدنيين قد استُنفدت فإنّه من واجب المجتمع الدولي أن يبحث عن إجراءات أكثر صرامة في الوقت الذي يبدو فيه الحصول على إذن من مجلس الأمن لعمل ذلك مستحيلاً من الناحية السياسية. ونظراً للظروف الملحّة فإنه من حق المجتمع الدولي أن يتخذ الإجراءات اللازمة تحت مبدأ مسؤولية الحماية لحماية الشعب السوري. فالأزمة في سوريا تشكّل تهديداً وخطراً على السلام والأمن في آن، كونها مأساة إنسانية داخل حدودها وخطراً لانتشار هذا العنف خارج الحدود.

إذا فشلت الدولة بشكل واضح في حماية شعبها فإن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية التعامل الفوري والحاسم مستخدماً الفصل السادس والسابع والثامن من ميثاق الأمم المتحدة

وتتوقع المنظمات الإغاثية الدولية أن يصل عدد اللاجئين في الشهرين القادمين إلى مليوني لاجئ، كما أن الحرب المفتوحة في سوريا وتدخّل مليشيات حزب الله المسلحة علناً في المعركة إلى جانب النظام يهدّدان بارتدادات مرعبة على دول الجوار حيث يشكّل الاحتقان المذهبي فيها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة.

فتهديد السلام الدولي لا ينضوي بالضرورة على المسائل الأمنية العابرة للحدود، ففي العام 1992 أقرّت الأمم المتحدة بأن "فظاعة المأساة الإنسانية في الصومال" شكّلت تهديداً للسلم والأمن العالميين، ومرّر مجلس الأمن القرار 733 الذي سمح بإقامة حظر عسكري تحت الفصل السابع لإعادة الأمن والاستقرار، والقرار 794 الذي سمح باتخاذ كل الإجراءات الممكنة، وبالسرعة القصوى، لتأمين بيئة آمنة تتم خلالها عمليات الإغاثة الإنسانية.

في الشهر الخامس من العام 2012 تقدّمتُ إلى السفيرة (سابقا) سوزان رايس في مكتبها بالخارجية الأميركية بالمذكرة القانونية التي تفصّل تطبيقات مبدأ مسؤولية حماية المدنيين في الحالة السورية.

واليوم، وإثر دخول رايس المطبخ السياسي الساخن من بوابة الأمن القومي أجد من الواجب الوطني أن ننقل لها مشهد معاناة الشعب السوري الذي تضافرت على حربه الدول ومليشياتها الإرهابية المسلحة، ونجدّد المطالبة بتطبيق مبدأ حماية المدنيين في سوريا كون الأزمة السورية قد استنفدت كل وسائل الحلول السياسية والدبلوماسية أمام تعنّت وعنف نظام لا يفهم إلا لغة العصا بعد أن التهم كل "الجزر" الذي قُدّم له!

دونيلون وبوصلة قوى الشرق الصاعدة
تأتي سوزان رايس إلى مكتب الأمن القومي لتخلف سلفها، توماس دونيلون، صاحب نظرية التحوّل باهتمامات السياسة الخارجية الأميركية إلى جهة الاقتصادات الصاعدة في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ بهدف احتواء الإمبراطورية الصاعدة: الصين!

ويعتقد دونيلون الذي رسم الخط الإستراتيجي للسياسات الخارجية في فترة أوباما الأولى، والتي لا يشك أحد بأنها ستنسحب على ولايته الثانية رغم تغيير وجوه صنع السياسات في مكتب الأمن القومي "أن ثمة خللا في توازنات السياسة الخارجية الأميركية لعقود مضت، وفي تركيز الاهتمام والوجود العسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، أكثر مما ينبغي، وذلك على حساب الحضور الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، الأمر الذي شكّل أسّ الاختلال الجيوسياسي للسياسات الخارجية الأميركية باعتبار الولايات المتحدة أمة من أمم المحيط الهادئ".

وقد لقي دونيلون تأييداً لمشروعه هذا من صديقه المقرّب جو بايدن نائب الرئيس. والرجلان استعجلا الخروج من العراق وساهما بوضع نهاية سريعة لحرب أفغانستان ابتغاء للانسحاب من بقع ساخنة من العالم. كما أيّد دونيلون تخفيض ميزانية الدفاع في حمأة الركود الاقتصادي الذي تعاني منه الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى اصطدامه في مواقفه تلك مع قادة البنتاغون العسكريين الذين يرغبون في الانسحاب من أفغانستان انسحابًا بطيئًا، والذين أعدّوا خططاً محكمة للتدخّل الأميركي المباشر في سوريا لدواعٍ إنسانية لم تلقَ أذناً صاغية من صاحب الخطوط الحمر (المتجاوزَة) في البيت الأبيض!.

من المستبعد أن يُحدِث الحظر الجوي في سوريا في هذه الفترة المتقدّمة من الحرب أي فرق يذكر على الأرض، وإن الدخول المتأخر في عمل عسكري مباشر في سوريا يكاد يساوي الوقوف في موقف المتفرّج من الأحداث هناك

فإلى أي مدى ستنجح رايس في تغيير اتجاه بوصلة السياسات الخارجية التي حدّدها وأسّس لها سلفها لتقنع الرئيس أوباما بالتدخل المباشر لإنقاذ الشعب السوري من أتون حرب تستعر في سوريا ويتمدّد لهيبها كل يوم إلى غير بلد مجاور؟ وهل بالفعل تدعم رايس عملاً عسكرياً في سوريا كما دعمته في مناطق أخرى من العالم، ونحن لم نسمع لها أي تصريح خلال خدمتها في الأمم المتحدة يدعم الحسم العسكري؟ وما هي الأدوات التي تملكها للتأثير على سيد البيت الأبيض في أجواء ضبابية تختلط فيها الأوراق على أرض المعركة السورية بعد أن أصبح تدخّل إيران معلناً وغدا "تشبيح" حزب الله على أرضها واجباً جهادياً سيوصل من يقضي من مقاتليه مدافعاً عن المراقد المقدّسة إلى الجنّة؟!

أمس حين كان حزب الله يحتفي في الضاحية الجنوبية لبيروت بسقوط القصير السورية بيد مليشياته، كان الرئيس أوباما يجتمع إلى نظيره الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في قمة كاليفونيا.

والملاحظ أن أوباما، والوفد الرسمي المرافق له، كانوا متحرّرين من ربطة العنق الرسمية في اجتماعات القمة مع الرئيس الصيني ووفد دولته مراعاة للثقافة الصينية التي تنبذ ربطات العنق "الغربية" النكهة! فهل ستتمّكن السيدتان، رايس وباور، من تغيير مزاج البيت الأبيض وتحويل ذائقته التي تنبذ الحلول الحربية وخاصة في سوريا؟ وهل من طريقة سحرية تمتلكانها لجرّ أوباما إلى اتخاذ مواقف "دراماتيكية" يقف على النقيض منها تماماً، وهو في حالة الاسترخاء الكامل في الإبحار شرقاً باتجاه محيطه الهادئ؟

فصل المقال أنه من المستبعد أن يُحدِث الحظر الجوي في سوريا في هذه الفترة المتقدّمة من الحرب أي فرق يذكر على الأرض، وأن الدخول المتأخر في عمل عسكري مباشر في سوريا يكاد يساوي الوقوف في موقف المتفرّج من الأحداث هناك، وإن جلّ ما ستقدّمه أميركا الآن هو جرّ طرفي النزاع (معارضة واهنة ونظام مستأسد) إلى طاولة المفاوضات حيث المنكسر الوحيد منها هو برعم الثورة السورية الماجدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك