عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

 

كان من رأي إدورد سعيد أنه لن تصغى أذن لشكاة فلسطين طالما لم تجد ظهيراً في أوساط ليبراليها. وعزا انصراف هؤلاء الليبراليين عن مسألة فلسطين إلى الهيبة الأخلاقية التي جللت إسرائيل بالنظر إلى معاناة اليهود في الهولكوست. ووجد الأميركيون في "روحها المخاطرة الرائدة" ما يتعاطفون معه. فصار نقد إسرائيل في أميركا مطابقاً لعداء السامية بحذافيره.

فالليبراليون ممن يعارضون نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والعنصرية الأميركية نفسها، يمتنعون البتة من نقد عنصرية إسرائيل ضد الفلسطينيين. وعليه لم تُبن بعد القواعد لتقليد سياسي ثقافي أميركي ناقد لإسرائيل. ولذا استرعى انتباهي مقالان ناقدان لإسرائيل بمجلة الناشونال إنتريست (مايو-يونيو 2013) المحسوبة على المحافظين الجدد. فليس في كل آن تنشر مجلة أميركية من كبرياتها مقالين مؤاخذين لإسرائيل بصرامة دفعة واحدة.

بدأ جاكوب هيلبرون مقاله "صورة إسرائيل المتهافتة" في المجلة بالقول بأنه ربما جاء الوقت لتسمع إسرائيل من أميركا ما قد لا يرضيها أحياناً. فأميركا ربما كانت بصدد إعادة النظر في طبيعة علاقتها بها وسط حس عام بأنه لا بد لإسرائيل من يد في محنتها في الشرق الأوسط. فهي تسرف في المستوطنات بما لا يتفق فيه معها أحد حتى أميركا الصديقة. فالرئيس باراك أوباما يبدو كمن يترسم هذا الحس الأميركي الجديد. فمع أنه جدد التزام أميركا بأمن إسرائيل ولكنه حث الإسرائيليين في نفس الوقت لاستنقاذ بلدهم من المواقف القهقري التي تدفع بهم إلى الحافة. والرئيس يوحي هنا بأنه لم يعد لائقاً أن ينظر الإسرائيليون للمسألة من زاويتهم المريحة فحسب بل عليهم اعتبار وجهة نظر الفلسطينيين.

بدأ جاكوب هيلبرون مقاله "صورة إسرائيل المتهافتة" في المجلة بالقول بأنه ربما جاء الوقت لتسمع إسرائيل من أميركا ما قد لا يرضيها أحياناً
واسترجع المؤلف مفردات من الثقافة التي أملاها الحس الأميركي الجديد ليقول بأن الأذن الأميركية أصبحت تقبل عن إسرائيل ما لم تكن تقبله في الماضي. فمثلاً جاء في برنامج تلفزيوني ما أن السناتور جون ماكين، القوي العقيدة في إسرائيل، قال لشك هاغل، وزير الدفاع الذي لقي الأمرين قبل قبول مجلس الشيوخ ترشيح أوباما له في المنصب "لقد جاءتك رسالة من نتنياهو، المشهود له بالعظمة لا يقارعه فيها أحد، يدعوك فيه لمصلحة إسرائيل أن تذهب إلى التلفزيون الآن وتجامع حماراً أمام الملأ. فهل ستقبل ذلك من أجل إسرائيل؟" وكان الاعتراض على هيغل نفسه مما هز صورة اللوبي الإسرائيلي لما بدا وكأنه لا يغفر "الخطايا" بحق إسرائيل ولو صغرت.

ومن مظاهر هذا الحس الجديد في نظر الكاتب انتقال الأستاذين جون ميرشيمير من جامعة شيكاغو وستيفن وات من هارفرد، وهما من جازفا في مقال شهير عام 2006 على كشف الأثر الضار للوبي الإسرائيلي على سياسة أميركا الخارجية، من هامش العلم السياسي بإسرائيل إلى مقدمة المسرح. وأصبح المقال الموسع كتاباً في 2007. ولقي الكاتبان الأمرين من التنغيص على تأليفهما. ولكن انقضى وقت كاف الآن لتصبح أفكارهما مقبولة في المسار العام لعلوم السياسة.

أما مقالة جوفري ويتكروفت بالناشونال إنترست وعنوانها "الجذور الاستعمارية للصهيونية" فبعثت ذكرى مبادرة ليبرالية أميركية مجهضة. فجدد فيها ذكرى كلمة قديمة (2003) لتوني دُت (1940-2010)، الأميركي المؤرخ لأوروبا من أصل يهودي إنجليزي. وهي المقالة المشهورة التي نشرها في النيويورك ريفيو أوف بوكس، أظهر فيها سقمه من إسرائيل. وكان هذا مستغرباً ممن ترعرع في كنف الصهيونية كطالب في كمبريدج وتطوع في كيبوزاتها الاشتراكية. بل جاء إلى إسرائيل ليفديها قبيل إغلاق مطار اللد لحرب 1967.

وعرض دت في كتاب صدر بعد وفاته في 2013 بعنوان "التفكر في القرن العشرين" إلى أسباب طلاقه مع الصهيونية وهو ما يزال طالباً بكمبردج وأخذه إسرائيل بالشدة من بعد ذلك. فقال إنه أحس خلال خدمته لإسرائيل طوعاً بخلاف ما بين يهود الشتات واليهود الإسرائيليين مع ما أعجبه من عيشهم حياتهم كيهود بغير حس بخطيئة جنسهم الأولى. فقد اكتشف أنه في نظر الإسرائيليين شتاتي محظوظ ناعم في حاجة ماسة إلى إعادة التربية على الأخشوشان في شظف الكيبوتز لخدمة الدولة الناشئة بقوة.

عمل دت مترجماً مع قوات الدفاع الإسرائيلي. واكتشف خلال ذلك أن إسرائيل ليست جنة صهيونية اشتراكية ديمقراطية قوامها يهود فلاحون محبون للسلام
ولكن القشة جاءت حين عمل مترجماً مع قوات الدفاع الإسرائيلي. واكتشف خلال ذلك أن إسرائيل ليست جنة صهيونية اشتراكية ديمقراطية قوامها يهود فلاحون محبون للسلام. فقد كان معظم ضباط قوات الدفاع أبناء مدن. وعلم من ذلك أن مستقبل إسرائيل رهين بهم ولن يخرج من جنة الكبوتز الريفية الصهيونية. فرأى لأول مرة إسرائيليين شوفينيين للنخاع. ووجدهم كارهين للعرب لحد العرقية لا وازع يزعهم من قتل العرب متى ثقفوهم. بل أصابهم الأسف لأنه حِيل بينهم وبين التقدم لدمشق وكسر عظم العرب بصورة نهائية. ووجدهم ناضحين باحتقار لمن يصفونهم باليهود "ورثة الهولكوست" العائشين خارج إسرائيل ممن لا يبدون فهماً ولا تقديراً لليهود الجدد الأصليين من مواليد إسرائيل.

وقال إن إسرائيل التي رآها فُرِّغت من مثالها الصهيوني بسرعة لتكون بلداً في الشرق الأوسط تحتقر جيرانها وهي بصدد بدء صراع كارثي طويل معهم باحتلال أرضهم. فبارح إسرائيل شاعراً بالاختناق وحزيناً. ولم يعد إليها إلا في 1969 ليكتشف أنه كاد يستقبح كل ما يراه منها أمامه.

في مقاله عام 2003 دفع دت بثلاث مسائل لعل أخطرها قوله إن إسرائيل دولة آبدة (خالفة عن العصر). فهي بنت حركة قومية تأخرت عن مثيلاتها في أوروبا اللائي خرجن جراء تصدع الإمبراطورية الألمانية والقيصرية الروسية. فحاولت مثلهن بناء وطن قومي لليهود على أشلاء العثمانيين. وبينما نجحت قوميات شرق أوروبا ووسطها في إنشاء دولها الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى انتظرت إسرائيل حتى 1948 لتقع لها تلك الدولة. ونعى على نفسه التعلق بها شاباً: فقال إنه تأدلج في آبدة، وعاش آبدة، ووقف عند قاع وهمه.

ومن رأي دت في مقاله القديم أيضاً أن حقيقة إسرائيل التي تتحاشها هي أنها استعمارية استيطانية. وقال ويتركوفت إنها الآن أقرب في الممارسة لمفهومها الأصل عن فلاديمير جابوتنسكي (1880 - 1940). فهو خصيم للصهيونيين الليبراليين ممن رأوا أن بالوسع تعايش العرب واليهود بروح الليبرالية التي تثق أن التاريخ (التقدمي في جوهره) كفيل بمثل هذا الامتزاج والتعافي. وكان يقول لهم إن ما تريده الصهيونية من فلسطين ليس نشدان التقدم بل أن تقيم دولة لليهود بلا وازع وستتواقح حتى تضطر اليهود لبنائها من وراء "حائط فولاذ" وهو عنوان كتاب له في 1923. وصدق كما نرى.

يرى دت أن خيار الدولتين غير واقعي. وصار أمام إسرائيل الكبرى إما أن تكون دولة للتطهير العرقي أو أن تكون دولة لمواطنتين إسرائيلية وفلسطينية في وقت واحد، أي الدولة الديمقراطية على كامل أرض فلسطين
وكان ممن أخذ طريقته المتطرفة "إرهابيو" الأرغون شيعة مناحيم بيغن. بل يمت نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، إلى جابوتنسكي بنسب قوي لأن والده كان سكرتيره الشخصي. وزاد ويتكروفت بأن جابوتنسكي لن يسعد بنتنياهو مع ذلك لأنه يستعمر فلسطين كما ينبغي لصهيوني ولكنه لا يصدق مع نفسه ومع الآخرين بزعمه أن اليهود براء من الاستعمار.

قلّب دت في مقالة 2003 مآلات المستقبل لإسرائيل التي احتلت أراضي الغير في 1967. وقال إنها تواجه ثلاثة اختيارات أحلاهها مر. فهي إما فككت المستوطنات وعادت إلى حدود 1967، التي غالب أهلها يهود، فتبقى يهودية وديمقراطية، العرب فيها مواطنون من الدرجة الثانية.
 
أما الخيار الثاني فهو أن تواصل احتلال الضفة الغربية وغزة فترجح الكفة لغلبة العرب ديموغرافياً. وستحجب في هذه الحالة المواطنة عن أغلبية ساكنيها لتبقى يهودية. ومتى فعلت ذلك لن تكون ديمقراطية. والحال فهي لن تكون يهودية وديمقراطية في وقت معاً.

أما خيار إسرائيل الثالث فهو أن تواصل احتلالها للضفة والقطاع وتُضَيق على الفلسطينيين تضييقاً يلجئهم للهجرة. وستبقى إسرائيل بذلك يهودية وديمقراطية إجرائياً لأنها ستكون الدولة الأولى التي جعلت من التطهير العرقي بواسطة الدولة سياسة رسمية.

وربما نسي هنا جنوب أفريقيا التي تبنت الأبارتايد في عام ميلاد إسرائيل، 1948، لبناء وطني قومي مستقل للأفارقة البيض. وهو ينصح من يستبعد الخيار الثالث أن يعتبر بسياسات المستوطنات الغليظة التي تنزع بها الدولة أراضي الفلسطينيين بشره عائد إلى جابوتنسكي كما تقدم. فأكثر ما تخشاه إسرائيل في نظره ليس أهل الحمية الفلسطينية بل المنعة الديموغرافية للعرب في إسرائيل الكبرى وتضعضع المتانة الأخلاقية لقماشة الدولة. فقال أفرام بيرغ أخيراً "بعد ألفي سنة من الصراع من أجل البقاء لم تنمح بعد حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية تقوم على أمرها حلقة فاسدة من الحكام تهزأ بالقانون والخلق المدني وتحتقره". فإذا لم تتغير الأشياء فإسرائيل مهددة بأن لا تبقي ديمقراطية ولا يهودية.

ويعود دت في مقاله إلى مشروع الدولة الديمقراطية العربية الإسرائيلية. فحل مسألة الشرق الأوسط عنده ليس في قيام دولتين: عربية وعبرية كما اتفق للناس. فأوان ذلك فات. فغلبت المستوطنات يتعبأ فيها الآن أكثر من ربع مليون إسرائيلي شاك السلاح ومُعَان على العيش بواسطة حكومته. وعليه فهو يرى أن خيار الدولتين غير واقعي. وصار أمام إسرائيل الكبرى إما أن تكون دولة للتطهير العرقي أو أن تكون دولة لمواطنتين إسرائيلية وفلسطينية في وقت واحد، أي الدولة الديمقراطية على كامل أرض فلسطين في قاموس السياسة العربية. ومع ذلك فقيام الدولة المزدوجة بحاجة إلى قيادة أميركية شجاعة وساهرة.

أفرام بيرغ:
بعد ألفي سنة من الصراع من أجل البقاء لم تنمح بعد حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية تقوم على أمرها حلقة فاسدة من الحكام تهزأ بالقانون والخلق المدني وتحتقره
ومن ذلك ضمان أمن العرب واليهود بقوات دولية. فضلاً عن أن الدولة المزدوجة القائمة على أسس سليمة ستنجح في ضبط المتطرفين من كل عقيدة كما لا تفعل الدولتان المنفصلتان. ويحتاج قيام الدولة بالقوميتين إلى نشوء طبقة سياسية جديدة بين العرب واليهود. وزاد بأن فكرة الدولة ثنائية القومية مزيج لا مساومة فيه بين الواقعية واليوتوبيا. وهو مكان صعب أن تبدأ منه ولكن بدائله سيئة ممعنة في السوء والخطر.

وبدا لدت أن التقليد الليبرالي الأميركي الغائب في قول إدورد سعيد سيبدأ بيهود الشتات. فلربما ولى الزمن الذي كانت إسرائيل تملأهم بعزة عوضتهم عهوداً من المشي في ظل الحائط الأوروبي. فقد أخذ النقد لإسرائيل بتلابيبهم وسببه هذه المرة دولة يهودية لا مجتمعات مسيحية: دولتهم. فممارسات إسرائيل محسوبة على اليهود وضارة بهم قبل غيرهم.

ولهذا وصف نفسه في كتابه الأخير (2013) بأنه ليبرالي لا مهرب له من نقد إسرائيل بلا هوادة. بل أوحى أن ذلك النقد، في مناخ تدليل إسرائيل في أميركا، امتياز يهودي وتبعة. فاليهودي من أمثاله صيد صعب على الابتزاز الذي أخرس أصوات أميركيين ليبرالييين خشوا إن نقدوا إسرائيل أن يُحمل نقدهم محمل العداء للسامية. فكانت تجبههم متى نقدوها أصوات تقول: لو لم ترغب في إشوتز (المعسكر النازي للمحرقة المعروف) ثانية فكف عن نقدك لنا.

وقال إن أحاديثه كانت تقع موقعاً حسناً لأميركيين عاديين يدعونه للحديث في كنائسهم ومدارسهم عن الشرق الأوسط الذي يقلق مضاجعهم الفكرية. ويحدث ذلك لأنه ممن لا يمكن تهمته بالعداء لإسرائيل. وليس ذلك ليهوديته فحسب بل لأنه راغب بالفعل في نقاش جدي وحميم ومسؤول عن المسألة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك