أفق أولوتاش

خبير قسم السياسة الخارجية بمركز البحوث السياسية والاجتماعية والاقتصادية "ستا"

لقد مرّ على بدء الربيع التركي أكثر من ستين عاما. ورغم كل ما تعرضت له من ضربات وانقلابات فإن الديمقراطية التركية ما زالت تسلك طريقها بمكاسب كثيرة.

الانتقال لمرحلة التعددية الحزبية في الخمسينيات، وفترة حكم رئيس الوزراء تورجت أوزال التي بدأت عام 1983 وكذلك تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة مع مطلع عام 2002، تُعد نقاطا فاصلة في تاريخ الديمقراطية التركية خاصة في مرحلة حزب العدالة والتنمية التي أوجدت لتركيا واقعاً سياسياً جديداً على المستوى العالمي بالاستقرار السياسي الواقعي والتطور الاقتصادي والإصلاحات الديمقراطية الملحوظة خاصة بعد عام 2002 التي يسجلها التاريخ بأنها أهم مرحلة من مراحل التغيير في تاريخ الجمهورية التركية.

هذه المرحلة التي بدأت بحكم حزب العدالة والتنمية جعلت من تركيا "تركيا جديدة" في مجالات الاقتصاد والسياسة حيث حافظ الحزب على وجوده في السلطة بنجاحاته وحصل في 2002 على 34 % من الأصوات وفي عام 2007 على 47% وفي عام 2011 على 50% من الأصوات محققاً أكبر استقرار سياسي في 11 عاما الأخيرة لم يُر مثله في تاريخ تركيا الحديث. واستفاد من هذا الاستقرار الشعب التركي وكذلك حزب العدالة والتنمية بتحقيق مشاريعه.

وشهد الاقتصاد التركي ارتفاعاً كبيراً بعد عام 2001، وإذا أردنا أن نعطي مثالاً فنسبة التضخم المالي وصلت في 2001 إلى 70% ومع حلول عام 2011 نزل إلى نسبة 10%.

وقفز إجمالي الدخل للفرد في الناتج القومي من 3000 دولار إلى 11 ألف دولار، كما تم كذلك تصفير ديون بنك النقد الدولي -التي بلغت 25 مليار دولار- منتصف هذا العام.

نعلم جيداً أن تركيا قطعت أشواطا كبيرة في حل أهم القضايا المعقدة مثل القضية الكردية، وعلاقة الدين بالدولة، وعلاقات العسكر بالمجتمع وما إلى ذلك. تلك النجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية مكنته من الحصول على شعبية كبيرة ومتزايدة، لكنها من الناحية الأخرى تسببت في تشكيل معارضة قوية لم تكن لها في الظروف العادية رؤية سياسية موحدة وهي في الأساس متفرقة لا يمكن جمعها على قرار واحد.

تقييم القوانين وغيرها من قرارت الحكومة على أساس "الهوية" يتسبب في عدم فهم كثير من الخطوات التي تتحرك بها الحكومة

الخاصية المشتركة للمعارضة أنها تقوم بالعمل السياسي على أساس "الهوية"، وأنها تبادر لمعارضة حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية على أساس "الهوية" حتى في قضايا تركيا الهامة مثل القضية الكردية، وقضية العلاقة بين الدين والدولة، وقضايا علاقة الجيش والمجتمع. فالنقد المستمر للحكومة يجري على أساس الهوية وليس على أساس حيثيات وتفاصيل أي قضية.

وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة فإن أهم المشكلات التي تواجه الديمقراطية التركية هي أن المعارضة وقفت بجانب الجيش في مرحلة حرجة من علاقات الجيش بالمجتمع، ونظرتها الاستعلائية لعلاقات الدولة بالدين من منظورها الكمالي (الأتاتوركي)، وفهمها للقضية الكردية، وبناء معارضتها لأردوغان وحزب العدالة والتنمية عبر فلسفة "الآخر" النابعة من الكمالية أيضاً. رغم كل هذا لم توفر المعارضة بديلا يستطيع أن يكون في السلطة حتى هذا اليوم.

وهذا معناه أن حزب العدالة والتنمية، الذي حقق تقدماً اقتصاديا واستقرارا سياسيا، كان يحارب من ناحية أخرى النخبة القديمة حيث وُوجه بمعارضة شديدة. وبينما تتقوى الكتلة التصويتية لحزب العدالة والتنمية ولأردوغان، قويت الكتلة التي لا تعجبها خطوات الحزب أيضاً.

ورغم أن هذه الكتلة لا تمتلك القوة السياسية الغالبة الآن، فإنها تحاول إيصال صوتها بشكل كبير من خلال مؤسسات مهمة كالإعلام والقضاء التي تملك الغلبة فيها.

وكمثال على ذلك أصدرت الحكومة قرارا لتقنين استخدام الخمر، فروّج ذلك القطاع للموضوع بأنه تحريم للخمر من قبل حزب إسلامي. رغم أن القانون الجديد الذي يقنن استخدام الخمر أكثر سهولة من قوانين استخدام الخمر في أوروبا وأميركا، فإن تقييم القوانين وغيرها من قرارت الحكومة على أساس "الهوية" يتسبب في عدم فهم كثير من الخطوات التي تتحرك بها الحكومة.

المعركة التي بدأت بمطالب مشروعة على منتزه صغير في ميدان تقسيم, تحولت إلى تصفية حسابات بين المعارضة والسلطة. تلك المظاهرات التي بدأت بسبب تقصير إدارة بلدية إسطنبول في شرح المشروع للشعب بالشكل الكافي، تحولت إلى أحداث عنف لأغراض مشوهة بعدت عن الهدف الأساسي، فكان التحريض، واستفادت المعارضة من الحدث وأظهرته وكأنه ضمن "سياسات الهوية" مستغلة عنف الشرطة.

الفشل الذي أبدته المعارضة في الساحة السياسية في العشر سنوات الأخيرة كان سببا في محاولتها لنقل صراعها إلى خارج الصندوق

الفشل الذي أبدته المعارضة في الساحة السياسية في العشر سنوات الأخيرة كان سببا في محاولة نقل مختلف قطاعات المعارضة الصراع إلى خارج الصندوق، وما نراه من ردة الفعل التي عكسها الشارع ما هو إلا تفريغ لشحنات الغضب من المعارضة التي فشلت في الآليات السياسية والديمقراطية. لكن مع نهاية الأسبوع الماضي تحاول المجموعات الهامشية القليلة التي تمثل قطاعا صغيرا في المجتمع تحويل الواقع إلى "ثورة" خيالية.

وحين نتكلم عن تلك الأحداث تقف أمامناً ثلاث مجموعات يجب علينا أن نفرق بينها، المجموعة الأولى هي المجموعة التي بدأت بالمظاهرات في حديقة غزي لاهتمامها بالحفاظ على البيئة وغيرتها على إزالة الأشجار من تلك الحديقة.

هذه المجموعة لقت الاهتمام من قبل رئيس بلدية إسطنبول ومن المسؤولين السياسيين الذين أوضحوا أساس المسألة بأنه لن تبنى مراكز تجارية أو مساكن، ووعدوها بتقديم توضيحات أكثر عن المشروع المزمع تنفيذه في حديقة غزي. ويمكننا هنا أن نقول إن هذه المجموعة وصلت إلى مرامها.

المجموعة الثانية هي المجموعة التي عملت على تحويل هذه المظاهرات المشروعة لمكاسب سياسية. تلك المجموعة المتكونة من حزب المعارضة الأم ومن معه ممن يحملون نفس الأيدولوجية، ما زالت تحاول تحويل تلك المظاهرات إلى "ثورة شارع"، ومن يقوم بتلك المحاولات يدرك جيداً أنه لن يتمكن من ذلك، إلا أنهم يحاولون تشويه صورة تركيا على الساحة الدولي، حتى إن إحدى المجموعات القومية المتطرفة قدمت إعلانا لجريدة نيويورك تايمز الأميركية فيما يخص المظاهرات لتوتير العلاقات وإجبار أردوغان على أن يتخذ موقفا من الصحيفة.

والمجموعة الثالثة هي المنظمات المتشددة وبعض الجماعات غير القانونية التي تحاول فرض نفسها على الأحداث والاستفادة منها والمرتبطة بجهات أجنبية. تلك المجموعة التي تتعاون مع بعض الأطراف من المجموعة الثانية كانت سبباً في تأجيج الوضع مع الشرطة بما قامت به من أعمال التخريب المعتمد.

والملفت للنظر أن المجموعتين الثانية والثالثة معروفة بوقوفها ضد الثورة السورية منذ بدايتها. لا شك أيضاً أن تلك الأحداث تأتي لمصلحة كثير من القوى على رأسها إيران والنظام السوري البعثي بسبب موقف تركيا الداعم للمعارضة السورية. كما أن الدول الغربية المنزعجة من دور تركيا في المنطقة تحاول أن تجسد النظام التركي الحالي بأنه نظام سلطوي، وتسعى لتدخل تركيا لمرحلة الفوضى.

لم يهتم الإعلام الغربي بحادث مدينة الريحانية التي راح ضحيتها 53 مواطنا تركيا ووجود كثير من الدلائل على تورط نظام الأسد في الحادث، لكن في حادث ميدان تقسيم ركز عليها تركيزاً كبيراً، كما أن تركيز الإعلام الخارجي على الحادث وتصويره بما ليس فيه كان له الدور الكبير في ذلك.

ومن ناحية أخرى فإن استخدام كلمة الربيع التركي تيمناً بالربيع العربي التي استخدمها الإعلام الأجنبي، وتشبيه أحداث "ميدان تقسيم" بـ"ميدان التحرير" يظهر عدم فهمهم لا لمصر ولا تركيا ولا للتحرير ولا للتقسيم.

نحن أمام تركيا ديمقراطية خلفيتها الاجتماعية والسياسية تختلف تماماً عن العالم العربي، وأمام معارضة خرجت للشارع بعد أن فقدت الأمل في الصندوق الانتخابي

فحزب العدالة والتنمية اُنتخب بالطرق الديمقراطية قاطعاً أقوى مسافات التغيير الديمقراطي في تركيا, وأصبح حزب الأغلبية دون منازع في كافة الانتخابات المحلية والعامة وكافة الاستفتاءات على مدى عشر سنوات بقاعدته المتجذرة، وهو كذلك حزب لا يمكن إسقاطه حتى بالطرق الديمقراطية على المدى القريب.

وباختصار فنحن أمام تركيا ديمقراطية، خلفيتها الاجتماعية والسياسية تختلف تماماً عن العالم العربي، وأمام معارضة خرجت للشارع بعد أن فقدت الأمل في الصندوق الانتخابي.

لقد خرجت الصورة بشكل سيئ مع تفجير غضب المعارضة وإدارة سلطات الأمن الركيكة للأزمة في بداية الأحداث. فالقضية ليست قضية منتزه أو شجرة فقط، بل هي قضية انفجار لتراكمات لمعارضة يئست من الوصول إلى الحكم عن طريق الصندوق منذ عشر سنوات ولا حتى خلال دورات انتخابية قادمة، عكسه الشارع بعد استغلال هذا الحادث. وهناك خلفيات سياسات واجتماعية كانت تنتظر الفرصة المناسبة لتفريغ هذا الغضب.

ومن المهم جدا أن تعلم المعارضة وكذلك المراقبون الأجانب أن لا يتوقعوا بديلاً ديمقراطياً كنتيجة للأحداث الحالية عن حزب العدالة والتنمية على المدى القريب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك